مقالات وآراء حرة
موازنة (2011 ) التربية والتعليم في تراجع مستمر
د.عامر ياس القيسي
اطلعنا في الاعلام على موازنة ( 2011 ) المقدمة لمجلس النواب الملاحظ في هذه
الموازنة انخفاض تخصيصات التربية والتعليم فيها الى (5,5 % ) بعد ان انخفضت في
الموازنة السابقة الى ( 6% ) ، واشارت ايضا دراسة بحثية متخصصة في المعهد العراقي
للاصلاح الاقتصادي الى ان تخصيصات الرئاسات من الموازنة تزيد عن تخصيصات وزارة
التربية بمقدار ( 46%) ، وهذه الارقام تعد مؤشر لاستمرار العراق في ضياعه لفرص
التقدم والتطور سنة بعد اخرى ، وذلك لان الدول التي تعرضت للكوارث والحروب لم تصل
الى التقدم والتطور الذي عليه الان الا عندما جعلت التعليم يحتل الصدارة والاهتمام
بجميع اشكاله ، وخير شاهد على ذلك ماوصلت اليه المانيا واليابان وماليزيا وغيرها من
الدول .
ان للتربية والتعليم المهمة الاساس والامثل في حل المشاكل التي يعاني منها البلد
الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ، وعلى المدى القريب والمتوسط والبعيد
مما يتطلب تهيئة كافة المستلزمات المطلوبة والتي من اهمها المستلزمات المادية
والبشرية ، وتعد المدارس وما تعانيه من نقص في الابنية والتجهيزات ، من اولويات
الاهتمام في المجال المادي ، فالعراق وحسب الكثير من التقديرات يحتاج الى اكثر من
ستة الاف بناية مدرسية جديدة ، وهذا يحتاج الى دراسة ميدانية لواقع السكان في كل
مدينة وقرية ، لتحديد مدى الحاجة للمدارس في الوقت الحاضر ، ومعدل الزيادة السكانية
فيها لتوفير الابنية المطلوبة ولجميع مراحل التعليم ، فضلا عن ان المدارس الحالية
تعد غير صالحة لتقادمها ، فهي غير جاذبة للطلاب لان بعضها يفتقر لابسط المستلزمات
المطلوبة مثل مقاعد الجلوس للتلاميذ (الرحلات ) لذا نراهم يفترشون الارض في فصل
الشتاء البارد ، وفيها لوحات الكتابة ( السبورات ) متهرئة ومتآكلة ، ومدارس اخرى
آيلة للسقوط فهناك في كل مديرية عامة للتربية العشرات من المدارس الآيلة للسقوط ،
اما المدارس الطينية فقد تجاوز عددها الالف مدرسة ومازال بنائها قائم وفي جميع
المحافظات ومنها العاصمة بغداد ( 234 مدرسة في ذي قار ، 190 مدرسة في صلاح الدين
،128 مدرسة في واسط ، 122 مدرسة في نينوى ، 68 مدرسة في كركوك ، 63 مدرسة في ميسان
، 62 مدرسة في الديوانية ، 45 في بغداد ، 32 مدرسة في الانبار ، 28 مدرسة في ديالى
، 16 مدرسة في بابل ، ومدارس اخرى متفرقة ) ، اما بالنسبة للمختبرات وساحات الالعاب
الرياضية المناسبة ، والتقنيات التربوية المطلوبة فالحديث عنها في الوقت الحاضر يعد
من الترف ، وهي معدومة في اغلب المدارس ان لم نقل جميعها .
ان الدوام الثنائي والثلاثي وفي بعض المحافضات الرباعي يشكل مشكلة وتحدي كبير
للنظام التربوي في العراق ، وهذا ما يؤدي الى التسرب من المدارس ، وضعف في الالتحاق
فيها ، لعدم قدرتها على استيعاب من هم في سن التعليم ، اما المقررات الدراسية
والقرطاسية فانها لاتوزع على الطلبة في بداية العام الدراسي مما يسبب ارباكا للطلبة
وقد يمتد هذا الى نصف العام الدراسي ، ويعاني هذا الملف من الفساد الاداري والمالي
كما هوملف التعينات ، وضعف اداري وتدني مهني في المعالجة من قبل القيادات التربوية
المسؤولة وهو مستمر منذ سنوات قليلة سابقة ولحد الآن .
العامل الاخر الذي يتطلب الاهتمام به لاصلاح الواقع التربوي والتعليمي ، فيتمثل في
تهيئة المستلزمات البشرية ، والتي تبدأ من هرم القيادات التربوية الى ابسط مفصل من
مفاصلها ، فينبغي ان يتبوأ المتخصصون للمواقع التربوية العليا المتنوعة من الذين
يمتلكون الخبرة التراكمية النزيهة ، اما الادارات التربوية في المدارس ، فانها
تحتاج الى دورات مكثفة في علم الادارة التربوية ، ويتم الاختيار لهذه الدورات وفقا
لشروط محددة منها سنوات الخدمة والانجاز المتميز خلالها فضلا عن النزاهة والسمعة
الجيدة وشروط اخرى ، ومن يجتاز هذه الدورات يمكن ان يكون مؤهلا للعمل في الادارة
المدرسية ، وهذه الشروط ينبغي ان تشمل المشرفين التربويين والاختصاصيين والاداريين
، كذلك المعلمين والمدرسين فهم بحاجة الى اعدة تأهيل مستمر اثناء الخدمة لتطوير
ادائهم وتزويدهم باحدث المستجدات العلمية في مجال تخصصهم .
ان الواقع التربوي والتعليمي في العراق عانى الكثير منذ ما يزيد عن ثلاث عقود ماضية
، فطاله التدني والتدمير بمفاصله كافة ، مما يستوجب اولا وقبل كل شيْ وضعه ضمن
اولويات اولويات موازنة الدولة ، وليس في اخرها فالموازنة المعروضة (2011) لا يمكن
ان تعالج هذا الواقع سيما وان الجزء الاكبر من موازنة التربية والتعليم والتي تزيد
عن (90%) هي موازنة تشغيلية تذهب للرواتب والاجور اما عملية الاستثمار في هذا
المجال فهو لا يكاد يذكر .
ان تأجيل مشاكل التربية والتعليم والتراجع في التخصيصات المالية المخصصة لها يؤدي
الى مستقبل للعراق يتسم بالتخلف والجهل ، وشيوع الامية فيه ، وغياب الثقافة
المجتمعية ، والخلل في تهيئة الكوادر التي تحتاجها خطط التنمية المنشودة في البلد .
