الأثنين 14/2/ 2011
الأيام الأخيرة
كامل الجباري
كانت غرفة صغيرة ، طولها
ثلاثة أمتار و عرضها متران، قد بنيت من
الطابوق الطيني (اللبن) بناءاً سيئا . لقد
بناها جنود وحدتنا العسكرية لتكون سجناً يودع
فيه المعاقبون لفترة زمنية قصيرة لمخالفتهم
للأوامر و القوانين العسكرية،أو من أصحاب
المجالس التحقيقية الذين ينتظرون محاكمتهم .
كانت الغرفة أشبه بصندوق عتاد رباعية (الشلكا)
المضادة للطائرات ، و إن اختلفت معه في
الإبعاد ، و كذلك وجود فتحة صغيرة للتهوية لا
يستطيع النفاذ منها سوى حيوان صغير بحجم القط
.
على الرغم من هشاشة هذا البناء ، حيث يخيل
إليك أنك تستطيع هدمه بركلة قوية ، إلا أنك
تشعر، نفسيا ، بجدرانه و كأنها " جدار برلين "
في إحكامه و الحراسة المشددة عليه ، رغم إن
حارس السجن هو جندي يمسك ببندقية (كلاشنكوف) ،
يقضي واجبه الممل و هو ينظر في ساعته اليدوية
بضيق من حين لآخر في انتظار بديله ولا يقل
تأزما و حنقا و سخطا عن المحبوسين ، و قد يكون
واحدا منهم في يوم من الأيام .
نحن ألآن في حالة حرب طويلة ضروس حيث يدخل
الجيش فيها ما يسمى بالحركات الفعلية و تنتشر
الوحدات العسكرية خارج معسكراتها الثابتة .
كان معسكرنا واحدا من تلك المعسكرات المتناثرة
في منطقة ( النشوة ) حيث بدت تلك المعسكرات
كجزر متناثرة في هذه البيداء الواسعة الإطراف
، إضافة إلى وجود بعض المزارع والقرى الصغيرة
التي بقي فيها ساكنوها غير عابئين بالخطر
الشديد الذي تسببه المعارك الشرسة لهم على
جانبي الحدود ، حيث الأصوات المزمجرة للطائرات
الحربية و القصف المدفعي ، و كذلك هدير
الدبابات والعجلات العسكرية الذي يكاد أن يكون
طقسا يوميا حيث رائحة الموت هي الرائحة
السائدة .
كانت غرفة السجن تغص بالسجناء تارة ، و تخلو
منهم تارة أخرى، فيما بقي هو الساكن الوحيد
الثابت في انتظار ترحيله إلى ( محكمة الثورة )
في بغداد بتهمة سياسية قد تؤدي به إلى ألإعدام
. لم يكن يؤنسه في وحدته هذه سوى وريقات و قلم
يبثها همومه و شجونه.
لقد كنا صديقين ، ولدنا في شهر واحد وترعرعنا
معاً . قلت له : لا أستطيع أن أتصل بك مباشرة
فأنت تعرف أن حاسة الشم عندهم عالية . و كان
بعض المتعاطفين معه ينقلون لي رسائله التي
يبعث بها إلى أهله و أصدقائه حيث احملها لهم
في أجازاتي الدورية .
كان آخر ما أرسله إلي خواطره التي دونها قبل
ترحيله إلى المحكمة ، و قد ارتأيت نقلها ، بعد
تردد مني ، كما هي بدون تدخل.
أحلامي ألأخيرة
مضت علي شهور طويلة ثقيلة ، كليل بهيم حالك لا
يبدوا أنه سينجلي ، و أنا قابع في هذه الغرفة
الطينية المعلبة بانتظار موعد المحاكمة
المعروفة النتائج سلفاً بالنسبة للقضايا
السياسة . إن القضايا "السياسية" عندنا متنوعة
و غريبة قد تبدأ بتجريمك إذا ما لففت حذائك
الجديد أو بقايا طعامك بجريدة، بدون انتباه
منك ، فيها صورة القائد أو شعاراً حزبياً. أو
تذمرت من شيء كانقطاع الكهرباء أو اختفاء بعض
المواد الغذائية . أما قيام مجهول بكتابة شعار
ينتقد الحكومة على جدار بيتك ليلاً فهو
النهاية لك و لعائلتك . لازلت اذكر أحد الطلبة
الذي شاهد مناماً فيه انقلاب عسكري على السيد
الرئيس و باح به إلى عدد من أصدقائه و من ثم
اختفى بعدها و لم يعرف عنه شيئاً . إما قراءتك
لمنشور سري أو انتمائك إلى تنظيم سياسي فهو
الطامة الكبرى لك و لعائلتك .
أمسكت قلمي بعد أن تلاشت أصوات المدافع و
انفجارات القذائف المختلفة التي مزقت سكون
الليل . لقد قضيت الليلة منزويا في زاوية ضيقة
من زوايا غرفة السجن الطينية ، طلبا للاحتماء
من القصف ! قد يبدو ذلك مضحكا ، فما الذي
تستطيع فعله ، هذه الجدران الطينية ، تجاه
أبواب جهنم التي فتحت على مصراعيها و ألقت
بحممها ؟! إن الغريق قد يتعلق بقشة، كما يقال
، رغم أنها لا تنفع و لا تضر ، و لكنها غريزة
التعلق بالحياة . أليست لعبة الحرب هي لعبة
الموت؟
ألآن ، بعد أن بلغت بموعد محاكمتي ، أحسست
برغبة جارفة في تدوين مشاعري الأخيرة على
الورق . قد تستغربون كثيرا من " سياسي "
التحدث بما سأتحدث عنه في أيامي الأخيرة .
عادةً ما يتحدث السياسيون ، في مناسبات مثل
هذه عن ذكريات النضال و مصاعبه ، و حكمتهم
الأخيرة و توصياتهم ، إلا أني لم احلم و لم
أفكر سوى بحبيبتي !
أرجوكم ألا تشجبوا أو تستنكروا و اسمحوا لي أن
اعرض وجهة نظري . لقد فكرت كثيرا قبل أن اكتب
اعترافي هذا ، و لكن بدا لي إن اللحظات
الأخيرة هي لحظة الحقيقة و الصدق "فمن يوقف
نزيف الدم في ذاكرة المحكوم بالإعدام ؟!" قد
تجدون ألأمر غريبا و قد تقولون عني : ياله من
حسي فاسق ، حيث أني قد أمضيت هذه الشهور و أنا
احلم بأحضان حبيبتي ، و لكنني سأصدم فضيلتكم
الزائفة بكلمات ( لوركا ) لحبيبته :(كيف أهبك
قلبي إذا لم أكن حرا؟) وأنا أقول لكم كيف أكون
حرا و أدافع عن قضية ما و أنا اخجل من احتضان
حبيبتي ؟!
رؤى و أحلام عديدة قد راودتني طيلة هذه الشهور
الثقيلة و لكنني سأدونها برمزية ، حتى لا افرح
جلادي إذا ما عثر على هذه الوريقات ، فالجلاد
لا يفهم الرمز لأنه غبي دائما و متبلد الذهن ،
و حتى لا تصادر هذه الوريقات كما صودرت أحلامي
!
* كليل متلفع بالسواد ، ينتظر ضوء القمر ..
انتظرتك
و عندما أغتسل الليل بضياء فضي ..
انزوت روحي في ظلال عميقة.
* اقتاد روحي ، ذات مرة في ليلة حالكة ، ملاك
لم أرى له مثيلاً .
وحين شاهد عذاباتي ، غاب كشهاب سطع لوهلة .
لقد تركني وحيداً أجتر ألمي .
* عجيب أنا ..
يضنيني ألتوق إلى الارتواء .
وعندما أقترب من حافات روحك ..
ينهار في داخلي رجل شجاع .
* ذات يوم قررت أحلامي أن تغادر إلى بر متشح
بلون أخضر .
امتدت أمامها صحراء قاحلة ليس لها نهاية ..
ولكن بلا واحات .
رؤى كثيرة ، كوساطات عقيمة ، لم تصالحني مع
ذاتي المتمردة . لقد كان هنالك الكثير مما
أردت قوله ولكنني لن أمنحهم نشوة معرفة كل شيء
عني . سأدع الفضول يقتلهم . لقد راودتني أسئلة
شتى لم تجد الإجابة بعد وقد لفها الليل
بذأباته المشعثة ، وحيث أني ذاهب إلى ( درب
الصد ما رد ) كما تحكي أحدى الحكايات الشعبية
، فأن رجائي الأخير ، والذي أتمنى ألا يصادر
أيضاً ، رجائي لمن يعثر على هذه الوريقات أن
يرسلها إلى حبيبتي ، وإن تعذر عليه ذلك أرجوا
أتلافها مع شكري مقدماً … وداعاً .
النشوة
1985م
لم أستطع العثور
على حبيبته حيث إنها اختفت فجأة ، وهو أمر
كثير الحدوث في بلدي ، مما أضطرني إلى أخفاء
هذه الوريقات كما أخفي دليلاً جرمياً خطيراً .
مرت عقود ثقيلة وتبدل الحاكمون . وحيث إننا لم
نعرف مصيره قط حتى أستأذنه في نشر أحلامه
الأخيرة لجأت إلى استئذان والدته العجوز .
– أماه .. لقد تغيرت الأمور وصارت عندنا فسحة
من التعبير . هل تأذنين لي بنشر أحلامه ؟
ردت العجوز بقرف ولا مبالاة .
– ما الذي تغير ياولدي ، فما زالوا يمنعونه من
احتضان حبيبته ؟!
أطرقت برأسها هنيئه ثم قالت : تيتي تيتي ..
مثل ما رحتي أجيتي .
أغضبني يأس ومرارة الكلمات التي فاهت بها
ألامرأة العجوز ومن أجلها وأجلنا جميعاً صممت
على نشر أحلامه علها تساعدنا على احتضان
حبيباتنا قبل أن يطبق الظلام تماماً علينا من
جديد .
