رزاق عبود
بصراحة ابن عبود
رزاق عبود
قبل ايام انشغلت الصحافة، والاذاعات، ومحطات التلفزة السويدية بقضية انتقال السجينة السويدية المحكومة بالسجن المؤبد بقضية قتل، ومشاركة في قتل، حسب القوانين الامريكية. وقد حاولت حكومات سويدية عديدة نقلها الى السجون السويدية بدون فائدة. واخيرا نجح رئيس الوزراء الحالي باقناع حاكم كاليفورنيا بالموافقة على نقلها. واختلفت الاراء حول الموضوع بين متحمس ومعارض. كلفت الطائرة الخاصة التي نقلتها من نيويورك الى السويد اكثر من نصف مليون كرون سويدي. الحكومة السويدية ورغم الانتقادات، والازمة الاقتصادية، والمالية الصعبة تصر على صحة العملية.
في نفس الوقت، فان الاخبار القادمة من الوطن تقول ان الكفاءات التي صدقت دعوات رئيس الوزراء العراقي وغيره من المسؤولين ودفعها حسها الوطني ورغبتها في خدمة العراق تحملت مصاريف العودة الى العراق متحدية المخاطر تاركة ورائها العوائل، والعيش المطمئن، والامان، والاستقرار، والوظائف والدخل المضمون. لم تجد ما يقابل هذا الحماس ولو قدر بسيط من المعاملة الحسنة. فالوساطات والفساد الاداري، والبيروقراطية المميتة هي الورود (الاشواك) الوحيدة التي استلموها وهم يحطون على ارض الوطن. ان ما تكتبه الصحافة العالمية، و يتحدث به المتورطون من الكفاءات العائدة، وما يعبر عنه رسامي الكاريكاتير المبدعين يثيرالاشمئزاز، والحنق، والخيبة، ويقدم صورة واضحة وجلية عن المتحكمين برقاب العراقيين ومصير الوطن من جهلة، وسراق، وحواسم، واميين، ووصوليين، وقتلة، ومجرمين، وجواسيس، وعملاء، وارهابيين لا هم لهم سوى تخريب العراق واعاقة كل ما يمكن ان يخدم العراق والعراقيين.
طبعا اصحاب الشهادات المزورة في اسواق ايران ومدينة الثورة ومؤخرا في دوائر الجامعات العراقية التي سيطرعليها المنتفعون، والفساد، او من له اقارب من المعممين يحظون بمعاملة افضل واستقبال حار وتعيين مؤكد وقسم منهم يستلم راتبه وهو يعيش في المهجر دون ان يكلف نفسه عناء زيارة العراق ومشاركة اهله في معاناة قلة او انعدام الخدمات والكهرباء والماء وغيرها.
المعروف انه ترك العراق ومنذ خمسينات العقد الماضي عشرات الالاف من الخبرات العلمية والادبية، والكفاءات الثقافية والفنية والاكاديمية والسياسية والطاقات العراقية من مختلف القوميات والاديان والمذاهب والاتجاهات السياسية والفكرية. وازداد هذا النزف بشكل خاص بعد انقلابي 8شباط 1963 و 17تموز 1968. بعد الاحتلال والفوضى والحرب الطائفية والارهاب الاسود واغتيال الكوادرالمتخصصة ترك العراق ملايين المهجرين وبينهم خيرة الكوادر من مختلف الاختصاصات.
بعد ثورة تموز 1958 جاء قسم كبير من الكوادر المنفية خارج الوطن، سرعان ما عاد من بقي حيا الى الخارج بعد انحراف الثورة وانقلاب البعث الفاشي في 1963. وفي بداية سبعينات القرن الماضي عاد ايضا الكثير ممن لبوا دعوة القوى الوطنية للمساهمة في بناء الوطن. ولم يستفد وقتها الا من عاد بشهادة مزورة او جاء ليبيع سيارته الفارهة، واثاث بيته الفاخر. فقد سمح القرار الرسمي وقتها لذوي الكفاءات (ذوي العاهات كما سمتهم الجماهير) بادخال سيارة من اي نوع، او موديل، واثاث بيت كامل. وحوربت العناصر النظيفة المخلصة وسحبت جوازات سفرها. وكما هو الحال حاليا فان الكفاءات الحقيقية ظلت تعاني الاهمال والمعاملة السيئة والمطاردة والمسائلة في حين استفاد اصحاب الشهادات المزورة وخرج علينا احدهم في التلفزيون ليقول: “ان الناس في اوربا تأكل قشور الموز وترمي ثمرته لان المادة الغذائية والفيتامينات موجودة في قشرة الموز وليس ثمرته”! وهو امر لم تصدقه حتى القردة في حدائق اوربا. وتتكرر اليوم نفس المهازل والمآسي ويعاني المخلصين والكفوئين من نفس المعاملة السيئة ويظلون كما في الماضي يدفعون ثمن اخلاصهم وحرصهم متحملين لوم البعض، وتندرهم، وطرائف العامة عليهم. اما المنتفعين من ذوي الكفاءات العلمية (الكلش عالية) فقد عادوا محملين بالاموال والهدايا ورواتب التقاعد والاوسمة والنياشين واحزمة الضربة العكسية مثل عدنان القيسي بعد ان ادوا دورهم المرسوم في سرقة حصتهم من الكعكة المحاصصية. وفهمت الان فقط النداءات التحذيرية لكل من اتصلت به في العراق وهم يصرخون: “مو تتقشمرون وترجعون، ترة ما تلگون غيرالاهانة والبهذلة”.
شكرا لحكومتنا “الوطنية” التي كرمت كامل شياع، وغيره من الكوادر المخلصة برصاصات الغدر وفساد الجهاز الاداري. وصدق من اطلق النبوءة السوداء:
“وطن بي عوجه وحده وما گدرنه عليه، لو عوج كله شلون يتعدل”
