رزاق عبود
رزاق عبود
قطعة الجنة الملحقة بارض العراق والمسماة ابي الخصيب تبقى في الذهن خضراء ملونة فرحة عذبة عطرة مقدسة تفوح رياحين وقداح، تحمل تمرا، وتسيل عسلا احمرا، تثمرعنبا ورمانا، وتسبح اسماكا، ترفل طيورا، وقصصا لا يعرفها اهل العراق الاخرين. تموج مياها، وتسطع ضوءا، تنطق بالشعر، والادب، وتطرب بالغناء، والبستات، وصوت الخشابة، وقرع الخشبة، وتتشح باردية السحر، والاصيل. اصوات شجية، واحلام وردية، وامان غضة. رسوما واشكالا وردية تفيض بالالوان، والاشجان، والمعاني، وذاكرة حية يقظة لا يؤثر فيها تبدل الملامح، تغير الموقع، او امتدادات المكان. الوان قوس قزح ارتداها اطفال الفقراء خرقا لا تميز الواحد عن الاخر فكل شئ مشترك ، الفقر، والهموم، والالعاب، وطرق اللعب، والدرابين المتسخة. اطفال تلطخت سيقانهم، ووجوههم باتربة الازقة، واطيان الترع، و”تعطرت” ملابسهم بدخان المواقد. وجه الوطن، واسماء الاهل، وصور اصدقاء واتراب الطفولة، والاراجيح المشدودة الى سيقان النخيل. الجيران، والمدرسة، ولمة العصر، وملاعب الصبا، وبقايا تحدثك عما كان، وما حل بالانسان. الملاية ام محمود يميزها عن الاخريات هدوءها، وحزمها، وغياب الخيزرانة. اطارات السيارات، و”ويلات البايسكلات” الدراجات القديمة تدور، تتسابق مع حصان السعفة بسرعة انطلاق السيقان المتسخة المتعبة، والجائعة في اغلب الاحيان. تقافز الصغيرات فوق الحبال المصنوعة من ليف النخل، متعة اللعب، ومشاركة الاخرين تنسيهم مغص الجوع، وقرصات اذن الوالدة، وعضات الاخ الاكبر، وسخرية الاخت، و”راجديات” الاب العاطل الغاضب. طيارات الورق تصارع الريح، تقاوم في الفضاء رغم كل اغصان الاشجار، وسعف النخيل، وورق الجرائد، والمجلات الثقيل. قليلون هم من يستطيعوا شراء، او صناعة طيارة ورقية “اصلية” يشاركهم فيها الجميع، ويصفق الكل لارتفاعها، ويحزن، ويصرخ لانحدارها السريع، او يتسلقون الاشجار لتخليص طيارتهم الورقية من اسر الاغصان، وسعف النخيل. غابات النخل، وعرائش الكرم، وسوباط العنب، وانواع الاشجار تحيط بالبيوت الخربة الهرمة بين تغريد البلبل وتقافز الهدهد، وكأنها قرى لشعوب بدائية في اعماق غابات الامازون. لكن الحضارة معهم هناك دائما. الراديو العتيق، والمدرسة البعيدة، وضوء المصباح الخافت، الدكاكين القديمة، و”زواغير” لمهن منقرضة، واخرى لا زالت تقاوم. لقد استحضر شاكر بدر العطية في معرضه الصور القديمة الحزينة، الفرحة، الجميلة، الاحلام، والامال، الصعوبات، والاحباطات، والامهات، والاخوات، حبيبات الامس المنسيات، القبلات، والصفعات. الاطارات القديمة، والدراجات الجديدة، “السيارات” المصنوعة من النفايات. الكتاتيب والمدرسة، العشق البرئ، والحب الممنوع، معاناة المرأة، جهدها،حضورها الدائم، توق الشباب، عفوية الاطفال، وهموم الكبار، وفطرية المحيط. جمعها اطار الطفولة البريئة.
عندما تستحضر الريشة ارواح من رحلوا، وامال من قتلوا، والساعات الجميلة عند شاطئ شط العرب في بلم الكبار، او “سلية” الصياد، او تسلق نخلة، محاولة قفز “طوفة”، او التجمهر حول تنور الوالدة، او معاكسة الجيران. الالوان هي ذاتها شاحبة، او قوية كتقاسيم وجوه اصحابها، هي ذاتها بساتين القرى البعيدة عن صخب السيارات، والمزدحمة بملاعيب العراة، والاعيب الحفاة. فم مفتوح بصرخة الام تنادي للغداء، وقطة جائعة تنتظر فضلات الطعام، وكلب نحيف ينتظر الصدقات، وطلاب منهمكون بالواجبات البيتية. ما اجمل الحياة وانت تعيشها، كما هي، كما كانت، لا كما تريد. عندما يهرع المرء الى طفولته لاستعادة الماضي الذي لا يعود، والبحث عن ليلاه، التي تزوجت بعد طول انتظار. تطير حمامات الامس في سماء الذكرى ويسبح بط الالوان في انهر البساتين، ويصطاد النورس اسماكه في المياه العذبة. تنساب نسائم العطر شجية بهية. تأخذك غصة، غفوة، تمسح دمعة، وجع مستطاب، تتأمل، تتحسر، نحيب خافت، تطلق آهة، وتسمع ضحكات الطفولة، والكركرات البريئة، والقهقهات المشاكسة من باحات البيوت، وتعاون “النسوان” في مهام البيت، والعزف على مكانس النظافة، والتلصص على زائر غريب، اوالتنصت لقصة لم يسمع بها احد. شواطئ الانهر التي تفيض خيرا، تستعيد صور الصبايا يعدن من الشط، اوالقطاف، يتلفتن بخجل، وحذر بحثا عن الحبيب، او العريس الموعود، او يرفلن بملابس العيد او حقائب المدارس. مع اشرطة ملونه من الملابس العتيقة تطرز رؤوسهن الفرحة. تلك الساعات التي رحلت عادت بالوان، جميلة وريشة ذكية. بساطة التكنيك، وحدة الخطوط، وقوة الالوان، ونجم سهيل ساطعا يضئ الصور، واللوحات، فوق سقوف الاماسي الصيفية الرطبة، فتتحول قاعة المعرض الى رحلة على ظهر”مهيلة” تمخر عباب بحر الذكريات، تستمتع بهدوء الليل، وتستضئ بالنجم الحنين. الظلال المتمناة تصاحبك اينما ذهبت. فالشمس هناك تبعث الدفء، وتطلق الشعر، وتحرك الاصابع، وتصقل الحناجر، وترسم الوجوه، والظلال، والبيوت العتيقة، والنخيل الباسقة، والاشجار الحانية توفر الظلال الحبيبة “سفرة” وجبة نهرية. كل شئ كان هناك حتى “ماي اللگاح” والمعسل. ظلت اصابعنا تغرف في للمدبس، وتترطب، افواهنا بالتمر الاشرسي، ولبن “روبة” الفلاحات. تصافحنا مع السعف، والعيون الجميلة، والسحن السمراء، ورقصات الهيوة، وضربات الطار. علي ابن محمد كان هناك. السياب، وسعدي كانا هناك!
شدة حمدان “ربيع” الكاسور، ابو خميس، وابو عتيگة بصوته الشجي. شدة السبيليات، وخليف السعيد، وهو يصرخ، يتشكى معاتبا زمانه. ملابس الراقص المنهوب، وربابة الغجري، ونياق البدوي. كان بستان ابي الخصيب الذي زرعه شاكر بدر العطية في اطراف ستوكهولم مثلما انزرعت الذاكرة، والامال، والاحلام، وتجسدت في صور بسيطة هادئة حالمة صادقة رغم صرخات الامهات، وضجيج الاطفال، وقرقعة “الگاريات” العجلات الحديدية، والبايسكلات المهترئة، ودورات دولاب الهوا. تظل لقمة الامس الشحيحة اشهى من ارقى الاكلات، وملابس الفقر الرثة “اكشخ” من بدلات “المغايز” والشعور العكشة المتربة المجعدة اجمل من تسريحات نجوم السينما. قرصات النمل صارت عزيزة، والطيور الاسيرة الجريحة تداريها الايدى الغضة، وحكايات الاحبة تدور على الالسن. استحضرت ريشة شاكر بدر العطية بمهارة الزمان، والمكان، واعادتنا لايام الحنين الراقد ابدا في القلب، المتسمر خالدا في الذاكرة. كأنه كان يحمل طفولته معه على كتفه، ويتجول بها، كما تحمل الام الحنون وليدها، والشيخ مسبحته الاثيرة. رحل بايام طفولته الى هنا ليجعل منها نصبا خالدا لذاكرة الطفولة، وحلم الوطن البعيد!
15/11/09
