بصراحة ابن عبود

عدد المشاهدات: 1التصنيف: مقالة

رزاق عبود

كيف سمحت عزيزتنا “المنارة” بمثل هذه العودة الردة؟!

رزاق عبود

صحيفة المنارة البصرية مجمع وطني متنور، ونافذة ثقافية متفتحة، لهذا كانت اول صحيفة عراقية كتبت فيها بعد السقوط، واتابع ما تنشره باستمرار حسب الظروف. ويوم امس، وكالعادة تصفحت “المنارة” العزيزة وتفاجأت، بل فجعت بمقال لحازم صاغية بعنوان مثير(بالعودة الى نوري السعيد) ياللهول؟!

بعد مهزلة قناة الشرقية التي مجدت نوري السعيد، وبيضت صفحته السوداء في مسلسل “الباشا” المشبوه. جاء الان دور بعض الكتاب ومن بينهم صاغية ، ليحاولوا تزوير التاريخ العراقي، ويقدموا عذرا، ومسوغا، لمن اعتبر، ويعتبر المجرم صدام حسين بطلا قوميا، ومناضلا ثوريا، وربما يقترحون له نصبا تاريخيا مثل استاذه الفاشي فرانكو. ولا ادري عن اي وطنية يتحدث الكاتب؟ فوثائق المخابرات البريطانية تقول انها وضعته مع غيره من جواسيسها حول شريف مكة الذي ثار ضد العثمانيين، وحارب مع البريطانيين ضد اخوته في الدين لكنه كوفئ معزولا منفيا في قبرص. وكان نوري السعيد من الضباط المحيطين بابنه فيصل الاول في دمشق ثم في بغداد، سياسيا مخادعا، بعد ان امرته بريطانيا بنزع ثيابه العسكرية العثمانية. يقول الكاتب بشكل لا يصدقه العقل: “ان السعيد حمل فكرة لم يحد عنها،مفادها، ان العراقيين، وبالتالي العرب لن يستطيعوا نيل الاستقلال والتقدم في ظل علاقات عدائية مع الغرب” ونواجه هذا الافتراض الساذج باسئلة بسيطة:
اولا: من استعمر من؟ ثانيا: من عادى من؟ العرب ام الذين احتلوهم؟ وهل كان هناك شرق او غرب عندما تأسست الدولة العراقية الحديثة؟
ثم يضيف الكاتب: ” ومن هذا المنطلق رأى نوري السعيد ان العرب…. يعطون الغرب في معركته مع موسكو مقابل ان يأخذوا منه في فلسطين على حساب اسرائيل”

كيف كانت بريطانيا ستكافئ عميلها نوري السعيد بتحرير فلسطين اذا تعاون معها ضد الشرق؟ ولماذا لم يقدم الغرب هذه الخدمة كعربون لاثبات حسن نيته للعرب؟ لماذا على العرب دوما ان يتنازلوا لينتظروا مكرمة الاخرين؟ كما يطالب الاستسلاميون الان، وطالبوا عرفات من قبل بالخضوع لاسرائيل علها تتعطف وتفتح المعابر! وتناسى الكاتب، ان وعد بلفور قدم للصهاينة في نفس الوقت الذي كان العرب، ونوري السعيد معهم، متحالفين مع بريطانيا، وفي نفس الوقت الذي كان جنودهم يطردون العثمانيين من البلاد العربية لتأتي بعدها بريطانيا، وتتقاسمها استعماريا مع فرنسا حسب اتفاقية سايكس بيكو. التي فضحتها ثورة البلاشفة في روسيا. والكاتب يعرف جيدا ان كل العرب (حكامهم) هم مع الغرب حتى من ادّعى التقدمية منهم. فماذا اخذوا يا تري؟ وماذا اعطاهم الغرب غير حماية عروشهم؟ وماذا حصل عباس الذي سمع نصيحة نوري السعيد متأخرا؟؟ ثم ان كل الدول العربية كانت على علاقة جيدة، وما زالت مع الغرب فلماذا لم يعيدوا لهم، ولو نصف فلسطين، بعد ان اعطوا كل شئ؟

وهل نسيت ان عميلهم عبدالله نصب ملكا على الضفة الشرقية لنهرالاردن ثم قدت له الضفة الغربية بعد النكبة، ليقيم مملكته الاردنية التي دخلت في تحالف مع ولد العم في بغداد لوقف الميول الوحدوية التي اشتدت بعد مجئ عبد الناصر الى الحكم بعد 1952. الاتحاد الهاشمي الذي تتحدث عنه، اسمه يكشف محتواه فهو حلف عشائري متخلف وليس له علاقة بالوحدة العربية. والجامعة العربية ياسيدي مخطط اضعف العرب ولا زال وقد وضع في وزارة المستعمرات البريطانية للتعويض عن التحالف الحقيقي بين الشعوب العربية ولوضع الدول العربية مجتمعة تحت الخيمة البريطانية. ولهذا تحمس لها نوري السعيد.

ان “الوطني” نوري السعيد وقع المعاهدة الاسترقاقية مع بريطانيا عام 1922 اي قبل تأسيس دولة الصهاينة وكذلك فعل عام 1933 . فهل كان يقصد استعادة الاندلس؟؟ وهل ارسال الجيش العراقي لحرب فلسطين بدون عتاد كان لتحريرها ام لتمرير نصفها الى الملك الهاشمي عبدالله؟؟ واسقط نوري السعيد الجنسية عن اليهود العراقيين وسفرّهم بالقوة الى اسرائيل. ونظمت السفارة البريطانية حامية نوري السعيد لعبة الفرهود التي اعادتها عام 2003. ولم يكن ذنب اليهود العراقيين الا كونهم لم ينخدعوا بالدعاية الصهيونية وشكلوا عصبة مكافحة الصهيونية في العراق، وفضحوا تواطئ نوري السعيد مع الصهاينة. ولا زال معظمهم داخل، وخارج اسرائيل يحاربون نهجها العدواني ضد الدول العربية. اي وطنية في ابادة انتفاضات الفلاحين ودعم الاقطاعيين؟ اي وطنية في اعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي الذي وقف مع غيره من الاحزاب الوطنية ضد معاهدة بورتسمورث؟ اي وطنية في الدخول الى حلف بغداد؟ اي وطنية في ذبح الاشوريين؟ اي وطنية في حربه ضد الاكراد؟ اي وطنية في تأييد العدوان الثلاثي على مصر؟ اي وطنية وديمقراطيه تنسبها له في منع الاحزاب، والمنظمات، والنقابات، وقمع الاضرابات؟ وحل البرلمان والغاء نتائج الانتخابات اذا لم توافق مخططاته؟

ويضيف الكاتب “اما عراقيا فراهن نوري السعيد على دعامتين التنمية والديمقراطية البرلمانية على قاعدة الحزبين عملا بالنموذج البريطاني”! عن اي تنمية تتحدث والشركات الاجنبية تنهب ثروات العراق، ولا كهرباء، ولا ماء في معظم المدن، وليس الارياف كلها فقط. والامية والجهل والامراض: ثلاثي نوري السعيد يسيطر على ارض الحضارات؟؟
ثم يعترف الكاتب ” غير ان المسألة الديمقراطية كان سوء حظها اكبر فبسبب الحرب الباردة وعدم احترام الحزب الشيوعي وحلفائه ثم القوميين العرب المأخوذين بزعامة عبد الناصر للعملية السياسية السلمية انجر نوري السعيد الى موقف سلبي معطل للحياة السياسية والحزبية والبرلمانية”!

مرة تقول يا صاحبي ان نوري السعيد اراد بناء نموذج الحزبين. اي احدهم للاقطاعيين والاخر للاقطاعيين الكبار. فلماذا تتهم الاخرين اذن بالتسبب بانجراره الى موقف سلبي من الديمقراطية؟ صحيح ان الشيوعيين كانوا في مقدمة المناضلين ضد طغيان نوري السعيد لكنهم لم يكونوا الوحيدين. ولا توجد وثيقة واحدة تثبت ان الشيوعيين لم يتبعوا القواعد السلمية الا عندما قمعت انتفاضة الحي بالحديد والنار من قبل “الديمقراطي” نوري السعيد. ونوري السعيد اول من استخدم الجيش في قمع المظاهرات، والانتفاضات، والاضرابات السلمية. وما علاقة الحرب الباردة؟ ولا تنسى ان نوري السعيد وحسب نصيحتك، ونصيحته العتيدة هو الذي دفع العراق الى الاشتراك في الحرب الباردة عبر معاهداته مع بريطانيا وقوانين مكافحة الشيوعية وحلف بغداد. وهل كان الجواهري شيوعيا، او مسلحا عندما اعتقل لاكثر من مرة؟ وهل كان الرصافي وغيره كذلك؟

بعد كل هذا السجل الخياني والاجرامي لنوري السعيد يقول الكاتب “لكن الامرين المؤكدين ان نوري السعيد لم يكن عميلا، وان النظم العسكرية التي تلت العهد الملكي هي التي انتجت في اخطر تجلياتها واهمها الكابوس المسمى صدام حسين”! ونسي الكاتب انه قال قبل ذلك “التنمية اصدمت بتخلف الطبقة السياسية (ولم يقل الحاكمة) ومعظمها ملاكو اراضي ممن انتمى اليهم نوري نفسه. فهؤلاء ارادوا ليّ عنق المشاريع الزراعية والمائية الكبرى بما يخدم مصالحهم”! هؤلاء يا سيدي هم انفسهم من تحالف مع حزب البعث وقضى على ثورة تموز وانتج صدام حسين. ثم هل نسيت بهجت العطية، وغيره من جلادي شعبنا، واجهزة الامن المختلفة والشعبة الخاصة، وتحويل العراقيين الى درجات تبعية ايرانية وتبعية عثمانية؟ الامر الذي استخدمه صدام ضد الاكراد الفيلية بعد ذلك وتهجير اكثر من ربع مليون عراقي وابادة الالاف من ابنائهم. وبما ان نوري السعيد كما تقول هو من ملاك الاراضي فقد شارك هو في ليّ مشاريع التنمية والتقدم ولم ينفع تحالفه مع الغرب في تقدم العراق والعراقيين.

انه الزمن الردئ الذي يجعل كاتب عراقي يدافع عن طاغية مثل نوري السعيد. ولكن لاخبرك بشئ. ان بقايا الصداميين لم يجدوا شيئا يفخرون به بعد ان رأى كل الشرفاء الحقيقة الناصعة لثورة تموز التي غدروها. الا بالهجوم على رموزها وبعث فرعونهم القديم نوري السعيد لانهم يخشون الهجوم المباشرعلى ثورة تموز. وليس لديهم ما يغطون به جرائم فرعونهم صدام حسين فابتدعوا لعبة “وطنية” نوري السعيد وهي اقرب الى النكته في مجلس عزاء! بل هي مأساة، ان الرجل الذي حكم العراق بمختلف الصور لمدة اربعين عاما، ولم يقض ولو على مرض البلهارزيا او يعيد كرامة الفلاحين المهدورة! فكيف له ان يصبح وطنيا؟

يبتدأ الكاتب مقالته بالقول”يقال ان الشعوب الحكيمة هي التي تدرس تجارب قادتها وتتعلم منها، ونوري السعيد احد القادة الذين يفترض بالعراقيين ان لم يكن العرب، درس تجربته”
بدءآ، ان كل الشعوب حكيمة، وهي تدرس تجاربها باستمرار، لكن الحكمة بالعبرة من الدرس. ثانيا ان نوري السعيد لم يكن قائدا شعبيا. كان حاكما فوقيا متسلطا. ثالثا ان شعبنا الحكيم عرف من هو نوري، واعطاه قدره بهوسته المعروفة”نوري سعيد القندرة وصالح جبر قيطانهه” وكان صالح جبر وقتها وزير خارجية نوري السعيد المكلف بتوقيع معاهدة بورتسمورث مع اسياده البريطانيين. رابعا ان الجموع الشعبية انهت نوري السعيد بطريقة لا نتفق معها. لكنها عكست الخيبة، والمرارة التي تركها تسلطه في نفوس الشعب. الامر الذي يثبت مرة اخرى ان ما حدث يوم 14 تموز لم يكن انقلابا، كما يقول الكاتب، بل ثورة شعبية حطمت حكم الانجليز في العراق. وان الجماهير الغاضبة هي التي قتلته وليس الثوار وهذه عبرة لكل جائر.

اتق الله يا رجل في التاريخ. اقرأ عن نوري السعيد قبل ان تمجده، وانصحك بالرجوع الى وثائق الحكومة البريطانية في مكتبتها الملكية في لندن، او مطالعة كتاب الباحث الموضوعي المحايد حنا بطاطو الموسوم: “العراق الطبقات الاجتماعية، والحركات الثورية…” باجزائه الثلاث.

هذه كانت مجرد ملاحظات عابرة واتمنى من المختصين تناول الموضوع بشكل توثيقي. وحرية الرأي التي نشر باسمها المقال لا تعني حرية التزوير، والتزييف لتاريخنا، واهانة ذاكرة الشعب، والبصق على دماء شهداء الشعب والوطن الذين قضوا تحت ملاحقة وعنف اجهزة نوري السعيد!

15/1/2009