رزاق عبود
بصراحة ابن عبود
رزاق عبود
عرف مسيحيي العراق بوطنيتهم الصادقة، والتصاقهم بالوطن الام، وتمسكهم بهويتهم العراقية. فتجمعاتهم في الخارج في دول اللجوء التي شردوا اليها تحكي قصة تعاطفهم مع العراق وشعبه. كانوا اول الصحفيين، والمناضلين، والشهداء. قادة، وزعماء، وعسكريين شرفاء. علماء، واساتذة جامعة، ووزراء. في العشرينات من القرن الماضي رفضوا كغيرهم من شرفاء الوطن الاستعمار البريطاني، ورفضوا التحول الى طابور خامس، او حصان طروادة فأذاقهم الانكليز انواع العذاب. ومعروفة قصة رفضهم توقيع معاهدة الاذلال البريطانية. تجاوبا مع تحريم الاشتراك في انتخابات المجلس التأسيسي الذي كان يراد له الموافقة على ابرام معاهدة 1922 مع بريطانيا. (…ان مطارنة النصارى دعوا المسيحيين الى مقاطعة الانتخابات “تمسكا بالجامعة الوطنية، وحفظا للمصالح المشتركة، وتأييدا للحقيقة الواضحة، واستبقاء للتآلف القديم والتوادد المستقيم” على حد ما جاء في بيان التحريم الذي الصق على ابواب الاديرة كما الصقت فتاوي علماء المسلمين على ابواب المساجد والمراقد المقدسة) الحسني ـ تاريخ الوزارات ط 1 ص 142. عن حسن العلوي. الشيعة والدولة القومية في العراق ص 340
بعد ثورة14 تموز المجيدة، اندفعوا بحماس لتأييدها، وساهموا بحمايتها، والدفاع عنها، وكانت المؤامرات ضد ثورة تموز تستهدفهم دائما. كما حصل في احداث كركوك، والموصل. وجرت محاولات تشجيع هجرتهم الى خارج الوطن (بالضبط كما يجري الان، على ايدي اعداء العراق من كل صنف). بعد انقلاب 8 شباط 1963الدموي، نالهم ما نال غيرهم، من ابناء الشعب العراقي من مطاردة، وقمع، واعتقال، وتعذيب، وتشريد، ونهب ممتلكات، والاستيلاء على بيوتهم، واعدامات بالجملة. واستمر ذلك الاضطهاد المتعدد الاشكال في زمن الاخوين عارف، ثم نظام صدام حسين الفاشي، الذي شهد هجرة جماعية للمسيحيين لاسباب سياسية، ونتيجة الحروب العبثية للديكتاتور المقبور. بعد سقوط صدام حسين، والاحتلال الامريكي للعراق تعرضوا مثل غيرهم للارهاب، والتشريد، والتكريد، والتمييز، والتهميش. هوجمت، وهدمت، وحرقت، وقصفت معابدهم، وكنائسهم، وبيوتهم، ومناطق سكناهم، وتشرد الاف المسيحين في دول الجوار، واوربا حفاظا على حياتهم، واعراضهم.
استخدمت القوى الدينية، والقومية المتطرفة مختلف الوسائل، والطرق، والاساليب القذرة، لارهاب المسيحيين، ومصادرة ارادتهم. فتعرضوا في مدن البصرة (لاول مرة في تاريخ المدينة)، وبغداد، والموصل، وحتى في قراهم التاريخية في سهل نينوى الى مذابح، واعمال ارهابية فظيعة، والهدف واحد، وضعهم امام خيارين احلاهما مر. اما الخضوع لوصاية القيادات القومية الكردية، وتسليم امرهم لها، او الهجرة خارج العراق. والنتيجة واحدة، تصفية واخلاء العراق من سكانه الاصليين، واحفاد بناة حضارته العتيدة. كما جرت محاولات اجرامية لتزوير نتائج تصويتهم في الانتخابات، اوعدم ايصال صناديق الاقتراع لقراهم. او بكل بساطة فقدان صناديق الاقتراع بكاملها بقدرة قادر على ايدي المليشيات القومية الكردية. واشرنا في في مقالنا السابق (غول المحاصصة يلتهم سكان العراق الاصليين) الى ان النية كانت مبيتة للهجمة على المسيحيين. وان ما سمي بالتصويت السري هو لعبة “تقية” اجادها قادة الشيعة، والقادة الاكراد. ولم يعترض لا الرئيس الكردي، ولا نائبيه الشيعي، او السني الاسلاميان على الغاء المادة الخمسين من قانون انتخابات مجالس المحافظات. لان هذا كان من ضمن الاتفاقيات السرية بين ما سمي باللقاء الرباعي وكذلك الاتفاق السري بينهم لتمرير تأجيل الانتخابات في مدن الشمال وكركوك. لان العصابات القومية الكردية تعرف لمن سيصوت المسيحيين. ولان الاسلاميين لا يريدون ان يروا صابئي “نجس”! او مسيحي “كافر”! الى جانبهم في مجالس المحافظات، حتى، لو ان، اصواتهم قد لا تؤخر او تقدم في شئ. لكنها سياسة الاقصاء، والتهميش، والابعاد التي اتفق عليها من قبل اقطاب المحاصصة الطائفية والقومية. ولان المسيحيين لم يوافقوا على اقصائهم، وطالبوا بحقهم الطبيعي، وهم يرفضون بشكل عام توقيع معاهدة استرقاقية مع المحتلين الامريكان فعوقبوا، ويعاقبون، على وطنيتهم الصادقة وعراقيتم الاصيلة. بالضبط كما عاقبتهم بريطانيا على وطنيتهم لرفضهم معاهدات الوصاية على بلاد الرافدين فسلطوا عليهم بكر صدقي، وعصاباته، واليوم يقوم ابناء واحفاد بكر صدقي بنفس الجريمة بحق اهل بلاد الرافدين، ولنفس الاسباب. لكن المسيحيين العراقيين من كلدان، واثور، وسريان، وارمن، وغيرهم سيصمدون بإصراهم، ودعم الشرفاء في العراق والعالم، كما صمدوا بوجه غزوات الفرس، والاغريق، والمغول، والعثمانين، والانكليز، والامريكان، وقمع الحكومات الرجعية لهم. والتاريخ يعلمنا دوما، وان بدراما سوداء ان هؤلاء الابطال سيحافظون على وجودهم، وبقائهم، وموصلهم كما حافظوا على العراق بثقافتهم وقلوبهم.
” في اواسط القرن الثاني عشر القى السلطان صلاح الدين الايوبي حصاره الاول على المدينة وكعادة مقاتلي ذلك الزمان خرج احد فرسانه من المعسكر ممتطيا جواده وتقدم من سور المدينة يدعو احد فرسانها للنزال. فسأل احد حراس السور رفيقه :”بم يرطن هذا وماذا يريد”؟ ثم خلع حذائه الثقيل وقذف الفارس به فأسقطه عن ظهر حصانه وقد اصابه بجرح بليغ في رأسه. حمل على اثرها الى صلاح الدين وتقول الرواية: ما ان علم السلطان بأن فارسه جرح ب “جزمة” حتى انتابه غضب مشوب بقرف عظيم وامر في الحال برفع الحصار عن المدينة…” (العراق في عهد قاسم. جرجيس فتح الله المحامي. ص 801 ). وستشق “جزمات” المسيحيين العراقيين رؤوس كل الارهابيين والمرتزقة الذين يحاولون انتزاعهم من ارض ابائهم واجدادهم، وفرض الوصايا عليهم. ومثلما انسحب صلاح الدين سينسحب احفاده. كما يتنصلون اليوم من مسؤوليتهم فيما يجري. لكنهم لا يفعلون شيئا لحمايه”الكردستانيين المسيحيين”! فمدينة الموصل تحت سطوة المليشيات الكردية، وليس القاعدة، او غيرهم من الارهابيين، وان كانوا سواء في عدائهم للعراق، واهله الاصليين.
