زهدي الداوودي
زهـدي الـداوودي
بعد ظهور أردوغان وحزبه منذ عام 2002 على المسرح السياسي التركي، تغيرت صورة الخارطة السياسية في هذا البلد الملئ بالتناقضات والمشاكل السياسية والاقتصادية والفساد الاداري وهيمنة العسكر وبروز التعصب القومي الشوفيني. لقد تمكن أردوغان قيادة حزبه العدالة والتنمية (الإسلامي) وسط هذه الحزمة المتشابكة من التعقيدات ببراعة تدل على أنه قد وضع اليد على جذور تلك التعقيدات التي إن استمرت، فلا شك أنها ستؤدي إلى هلاك هذا البلد وتمزيق وحدته التي تحرسها حراب أصحاب الخوذات الحديدية التي لا زالت تعمل بعقلية الثلاثينات والأربعينات، تلك العقلية التي تلغي الآخر وتعتبر السلطة حكرا لفئة معينة لا يمكن تقاسمها أو ممارستها من قبل جهة أخرى مهما كانت نسبة نتائج الانتخابات النيابية التي تفوز بها بقرار من الشعب، وذلك باسم الحفاظ على الدستور العلماني الذي يؤكد على فصل الدين عن الدولة. صحيح أن العلمانية وفصل الدين عن الدولة موضوعة حضارية تتماشى مع روح العصر، إذ أنها تؤكد على مشاركة الجميع على قاعدة تكافؤ الفرص وحق المواطنين في الاختيار الحر لممثليهم إذا ما أريد بناء وطن ديمقراطي تعددي، تحترم فيه حقوق الانسان ويسود فيه القانون وينعم شعبه بالحرية. بيد أن نظرة الجنرالات الأتراك إلى محتوى هذه الموضوعة تختلف اختلافا كليا عن النظرة الحضارية للمجتمع المدني التي تحتويها دساتير الأمم الراقية. إنها تتماشى مع شعار التعصب القومي “تركيا للأتراك” أو “سعيد من يتكلم اللغة التركية” الخ.. هذا إلى جانب إنكار وجود قومية كردية أو أقليات مثل العرب والأرمن واليونانيين وغيرهم.
إن تحول الحركة القومية الكردية إلى قوة منظمة تمارس المقاومة منذ منتصف الثمانينات، قد هزت حكم الجنرالات وزادت من حدة حزمة التعقيدات المتشابكة آنفة الذكر و من خراب الاقتصاد التركي المنهار أساسا. واعتقد الحكام أن فوهة البندقية كفيلة بحل المشكلة الكردية، دون أن يأخذوا درسا من القضية الكردية في جارتهم العراق. واعتقدوا خطئا أنهم بالقائهم القبض على عبد الله اوجلان، قد أنهوا المشكلة.
ولم يتمكن حزب اربخان الاسلامي المتطرف من وضع اليد على المشاكل الحقيقية التي يعانيها الشعب التركي، بل أراد أن يكافح ايديولوجية التعصب التركي بايديولوجية اسلامية أشد تعصبا، الأمر الذي أدى بالجنرالات الاطاحة به في العام 1997 بسهولة، رغم حصوله على الأغلبية المطلقة في الانتخابات.
وها هو أردوغان يتصدر سدة الحكم للمرة الثانية بأكثرية مطلقة، متحديا ليس حزب الشعب الجمهوري الذي يقوده ديميز بايكال، وريث مصطفى كمال أتاتورك فحسب، بل حزب الحركة القومية المتطرف والجنرالات أيضا.
إن طاقم الجنرالات وحزب الشعب الجمهوري الذي يعتبر السلطة ملكها بالطابو والحركة القومية المتطرفة، حارسة الفكر القومي المتطرف، كل هؤلاء لا يمكنهم هضم واستيعاب الخارطة السياسية الجديدة التي يريد أن يرسمها أردوغان. وهكذا يبحثون عن الحجج المصطنعة المقنعة التي تعطيهم الحق للإطاحة به، بيد أن أردوغان يعرف جيدا مع من يتصارع. استنكر التطرف الاسلامي وصرح أنه رأى بأم عينيه في السجن ماذا يعني الارهاب باسم الدين وأكد أنه سيسير على أرث أتاتورك في فصل الدين عن الدولة، ولكنه سيحارب الفساد ويبني الاقتصاد التركي. وهو في طريقه لحل القضية الكردية بما ينسجم مع وحدة البلد والامكانات الواقعية التي تسمح له بذلك، إذ لا يمكن غض النظر عن وجود خمسة وثلاثين رئيس بلدية وأربعة محافظين كورد و أربعة وعشرين نائبا كرديا في البرلمان التركي. كما ولا يمكن الاستهانة بالمكاسب التي تحققت حتى الآن في بلد كان التكلم فيه حتى الأمس القريب باللغة الكردية محرما.
على أي حال انهم يريدون إسقاطه، سواء بتوريطه بالحرب مع إقليم كردستان العراق أو اتهامه بالتسلل إلى الحكم بجبة اسلامية متطرفة تريد الغاء العلمانية الخ.. بيد أن هذا الحلم صعب التحقيق، ذلك أنهم ينبغي أن يحسبوا حساب الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي والرأي العام العالمي. الرجل انسان نزيه يريد أن يخدم بلده ولم يحصل على الأغلبية المطلقة من الأصوات اعتباطا كما ويمكن التفاهم معه في حدود إمكاناته الواقعية، إذ أنه يجب أن يحسب حساب القوى الثلاث المذكورة في كل خطوة يخطوها.
على ضوء كل هذه التطورات ينبغي للحركة القومية الكردية في تركيا أن تتخذ مسارا سياسيا جديدا في نضالها من أجل الحصول على حقوقها القومية المشروعة. إنها يجب أن توحد صفوفها وتطرح خلافاتها الثانوية جانبا ولا تقارن مكاسبها بما حققته الحركة الكردية في العراق. وهنا ينبغي على القيادة الكردية العراقية أن تلعب دورها الإيجابي والوسيط في التقريب بين وجهات النظر الكردية – التركية بالأساليب الدبلوماسية والسلمية ولا تصب الزيت في النار بالتهديدات والتلويح بالقتال. كما وينبغي على الحكومة التركية أن تعرف بأن إشعال فتيل الحرب مسألة هينة جدا، بيد أن إطفاءها أمر في غاية الصعوبة وأنه لا قرار لمستنقع الحرب الدموي. كما وعليها أن تعلم بأن القضية الكردية في تركيا حقيقة ناصعة وملموسة لا يمكن إخفاؤها بالغربال.
