في سورية : فنانون … ممثلون … أم مهرجون ؟

عدد المشاهدات: 1التصنيف: مقالة

مقالات وآراء حرة

الأربعاء 25/5/ 2011                                                                                       

           

محمد فقيه

تطورت الدراما السورية في العقدين الأخيرين تطورا ملحوظا ، وانتشرت عبر جميع البلدان العربية ، وأصبحت منافسة قوية للدراما المصرية ، واعتبرها الكثيرمن الجماهير رائدة الدراما العربية ، لما قدمت من مسلسلات تاريخية واجتماعية ووطنية ، جسدت فيها قيم الشعب العربي والمسلم من العزة والكرامة ، وعدم الصبر على الضيم ، والوحدة ضد الأعداء ، والتمرد على الظلم والقهر، والثورة على الفساد والاستبداد ، وعلى المستوى المحلى والوطني برزت فيها معاني الرجولة والشهامة والإباء ، ورفض الذل والهوان ، ومعاني البطولة والتضحية والفداء ضد المحتل وأعوانه .

كما كان للدراما والمسرح السوري حضورا على نقد أوضاع البلد وسلطة الأمن الترهيبية على شتى مناحي الحياة ، وإذلال المواطنين وترويعهم ، بشكل كوميدي ساخر أحيانا وبالتلميح والإشارة أحيانا أخرى .
حتى عرضت بعض مشاهد تعذيب المواطنين داخل المعتقلات والسجون ، واعتراف المعتقل بجميع التهم المنسوبة إليه … والتي لم تنسب إليه أيضا … قبل أن تحصل المفاجأة ويظهر المجرم الحقيقي والفعلي أمام الحدث ، أو يظهر أن المعتقل شخص مقرب من أحد المسؤولين الأمنيين وأوصى به ، ففهمت الرسالة من عناصره الأغبياء بشكل خاطئ ، فأودع السجن واعترف بما طلبوه …. وما لم يطلبوه منه قبل أن يتذكره هذا (المعلم) ، فيوبخ (المعلم) أدواته المتخلفة الهمجية مقرّعا إياهم ومبينا بأنه كان يريد إكرام هذا المواطن الشريف ، أو ندبه لتقديم دروس خاصة لأبنائه بسبب كفاءته وتميزه وشهرته .

ومشاهد أخرى ولقطات تتحدث عن غباء هذه الأجهزة الأمنية ، حين قرأ أحد مسؤوليهم من ( المعلمين ) ! عن طبائع الاستبداد لعبدالرحمن الكواكبي ، فاستشاط غيظا ووضع اسمه على جميع نقاط التفتيش وأمر بإحضار جميع من يحمل اسم عبدالرحمن الكواكبي ليحاكمه ، فأحضروا له جميع من يحمل هذا الاسم ، ولم يكن واحدا منهم صاحب الكتاب … ولم يبق إلا طفل رضيع … فأمر بإحضاره ليحقق معه ! .

وقد لاقت مثل هذه اللقطات الفنية ارتياحا كبيرا وترحيبا لدى الجماهير، بسبب ملامستها لحقيقة المشكلة وضربها على الوتر الحساس – كما يقال – لعرض معاناة المواطن حقيقة من هذه الأجهزة المتسلطة على رقاب العباد بما فيهم الفنانين أنفسهم ، وبغض النظر عن سماح الدولة لمثل هذه اللقطات بالخروج للمشاهد من باب التنفيس أو … غير ذلك ، إذ أن مثل هذه اللقطات والمشاهد أضحت ظاهرة خطيرة تبث الرعب والقلق لدى جمبع الناس في حياتهم اليومية بما فيهم الفنانين أنفسهم ، أمام هذه الفئة الفوقية يصلاحياتها اللامحدودة المترافقة مع إمكانياتها العقلية المحدودة ، والمتمردة على القانون بشكل همجي ومتخلف وغبي ، ومهما قدم هؤلاء الفنانون من برامج ومسلسلات ودراما لخدمة النظام وإطرائه وبث سياسته وأجنداته لم يشفع لهم من هذا التسلط والظلم من قبل هذه الأحهزة .

لقد عرض التلفزيون الرسمي لقاء الرئيس بشار الأسد مع الفنانين السوريين ، كما عرضت حوارات وندوات مع مجموعات منهم على الفضائية السورية ، فما سمع منهم المواطن تلك المعاني الوطنية التي كانوا يجسدونها ، وصورة الكرامة والإباء الذي كانوا يقدمونها ، ومعاني البطولة والشجاعة التي كانوا يتغنون بها ، وقيم التضحية والفداء التي كانوا يغرسونها ، بل لاحظ أغلب المواطنين من جماهير هؤلاء الفنانين جبنا … وذلا …. وتخاذلا …. ورعبا … وخنوعا .

وليست المصيبة فقط في هز الرؤوس … والجبن والتخاذل ، والتنصل من المواقف البطولية التي جسدوها عند ساعة الآزفة ، وإنما الأنكى من ذلك أن ينبري من كان يسمى نجما ، فيبرر للنظام انتشار الأمن والجيش لقمع الشعب وقتله ، بل يعتبر أن ذلك هو من مهمته ، ولا أدري هل هو جيش لحماية الشعب أم لقتل الشعب ؟ وإن كانت هذه – من قتل وقمع – مهمته ، فمهمة تحرير الجولان ( الكرم المسروق ) ، مهمة من إذن ؟

إن النفاق ليس نفاق أخلاق وقيم ، وليس نفاق سياسة فقط ، بل هناك نفاق إعلامي لا يقل خطورة عن تلك الأنواع من النفاق إن لم يكن أسوأها .

والنفاق : أن تظهر غير ما تبطن ، وتعلن غير ما تؤمن به وتعتقده .
فهل كان هذا (المهرج ) المنافق يؤمن بما كان يعرضه لنا على المسرح ، أم أنه يؤمن حقيقة ويقتنع بما صرح به اليوم لتبرير إجرام النظام ضد الشعب … والجماهير…التي صفقت له ؟ !
أم أننا نحمّل الأمر أكثر مما يحتمل ونعامله كرجل مع أنه مجرد أداة تستخدم كما يريد ( المعلم ) ، أو لعل (المعلم) رمى له بموزة كبيرة بعد هذا المشهد من الرقص على دماء الجماهير في حلقة السيرك .

وقد يقول قائل أن هؤلاء الفنانين بشر، يخافون ويرتعبون … ويهددون ويذلون …
ولكن أيضا هؤلاء يعتبرهم بعض جماهيرهم قدوة ، ومنهم استمدوا معاني الشجاعة والبطولة فكان ذلك حافزا على الانتفاض ضد الفساد والاستبداد .

الفنان ليس شخصا عاديا لما يقدم من بطولات ويجسد من فكر وقيم ، فإما أن يرفع نفسه ليكون عملاقا ، أو يهبط بها ليتحول إلى قزم في حلقة سيرك .

الفنانون ثلاث : شخص يجيد دوره ويصدق مع نفسه ويحترم جمهوره ، وهذا هو النجم الحقيقي .
وشخص يتخذ الفن حرفة للربح والتكسب التجاري ، ويقوم بكل الأدوار ، وهذا هو الممثل .
وشخص ثالث : لا شخصية له ولا مبدأ ، يبحث عن شهرة فارغة ، يبيع دمعة اليتيم بنفس السعر الذي يبيع به ضحكة مغناج فاجرة ، لا يعنيه مبدأ ولا يسترعيه موقف ، ولا يهمه قيم وأخلاق ، متقلب الهوى معدوم الشخصية يسير كريشة في مهب الريح ، أو قشة جوفاء يجرفها التيار حيث يسير، يؤجر كرامته ويبيع قضيته ويخذل جمهوره ويخون وطنه خوفا من السلطان المستبد .

فهل يستفيد المشاهد ويعتبر من الدرس ويثور… ويجبن الفنان – النجم والقدوة – عند المواجهة فيخذل جمهوره ويخور ؟! .

الفنان : هو المبدع الذي يقدم لجمهوره معاني القيم والاخلاق ومعاني البطولة والكرامة ، فينظر إليه المشاهد قدوة وبطلا حقيقيا ، فإذا ما رأى المشاهد مواقف هذا الفنان في الموقف الحاسم وساعة الشدة رجلا جبانا ذليلا لا يتجرأ أن يعبر عن مشاعره ، ولا يستطيع أن يف بوعوده ويحترم مواقفه ومشاهده التي جسدها في مسرحياته وأعماله الدرامية ، فقد سقط في الامتحان وأصبح مجرد ممثل يتاجر بمشاعره وأحاسيسه ويضع مواهبه وابداعاته تحت الطلب ، وقد تحولت جميع أعماله السابقة إلى معرض في سوق نخاسة داخل ردهة متحف شعبي قديم .

يا أيها الرجل المعلم غيره         هلا بنفسه كان ذا التعليما

إن الشخص الذي يجسد أدوار البطولة لعظماء الأمة كأمثال خالد بن الوليد وعمر بن عبد العزبز وصلاح الدين والظاهر بيبرس … وغيرهم ، إن لم يستطع أن يكون عظيما ويتشبه بهم ، فعلى الأقل … لا يكن جبانا رعديدا ، أو نذلا متخاذلا خوانا .

وهذا الكلام لا يتوقف عند هؤلاء الأشخاص الذين باعوا مهنة الفن والتحقوا بمهنة التمثيل بل ينسحب ايضا الى الكتاب والمخرجين والمنتجين ، والجميع مطالبون اليوم بمواقف بطولية تتناسب مع السيناريوهات والمشاهد التي كتبوها وقدموها وأخرجوها وأنتجوها … وإلا فهؤلاء ممثلون يبيعون حركاتهم ومشاعرهم ومداد قلمهم وعرق جبينهم بدراهم معدودة ، ومستعدون لتنفيذ أي دور يضمن لهم ربحا أكبر ولو كان سكوتا عن الظلم والفساد مع الذل والهوان … بتأييد الظلم ومناصرة الفساد والإنحياز إلى القمع والاستبداد .

يتحول هؤلاء الرجال بل الأزلام إلى كومبارس ، ومجرد أدوات تستعمل عند الحاجة للدور الذي يرسمه النظام الفاسد ، ولو كان هذا الدور خيانة للمبادئ التي عرضوها وخذلانا للجماهير التي صنعت منهم نجوما !
يا لها من نجوم سوداء كالحة تحت سياط الذل والهوان ، يستعين بها النظام الفاسد لشرعنة فساده والتغطية على جرائمه ومخازيه .

إذا تحول هؤلاء الأشحاص الى هذا المستوى وهبطوا الى ذلك الدرك السافل ، يصبحون أتفه من القرود في حلقة السيرك ، ما داموا يجبرون على تنفيذ جميع الحركات والرقصات التي يطلبها منهم ( المعلم ) ، ليحقق أهدافه من متعة المتفرجين وإضحاكهم على هؤلاء القرود ، حتى تنتهي الحفلة بتصفيق المتفرجين ( للمعلم ) ، وأما القرود فمصيرها الأقفاص مع موزة يرميها لها ( المعلم ) مكافأة لها على تنفيذها المطلوب بحسب الدور المرسوم .
وإذا كنا نلتمس العذر لهذه البهائم العجماء المقيدة – من قطط وكلاب وقرود – في حلقة السيرك ،على إجبار المعلم لها لتفعل ما يريد بعد الترويض ترغيبا وترهيبا ، فهل يعذر الإنسان على فعل ذلك وقد وهبه الله العقل ؟ ! .
": إن هم كالأنعام بل هم أضل سبيلا " (الفرقان – 44)

وأخيرا :
أتقدم بعميق الشكروالامتنان للفنانين الذين انحازو إلى الشعب في هذا الزمن الصعب ، وبقوا نجوما شامخين يؤيدون القول بالفعل .
كما أوجه دعوة للفنانين المترددين والصامتين أن يتحلوا بالشجاعة ويحسموا أمرهم وينحازوا الى جماهيرهم ، وإلا فليعتزلوا الفن ويصبحوا أصفارا خيرا لهم من أن يكونوا أرقاما سالبة .

كما أدعو الفنانين الذين عبّروا في أعمالهم عن معاناة المواطن وتطلعاته … وقد خذلوه ، أن يعيدوا حساباتهم وينحازوا الى شعوبهم ، أفضل من تماديهم في خيانة شعوبهم وجماهيرهم التي أحبتهم وقدرت أعمالهم ، فأن يلتحقوا متأخرين خيرا من أن يبقوا في ركب الظلم والاستبداد .

فالشعوب تبقى والطاغوت يزول .
وقد قالوا : الشعوب أبقى من حاكميها .
وذاكرة الشعوب قوية لا تنسى … الخيانة والخذلان في ساعة الشدة وعند الحاجة .