مقالات وآراء حرة
مستر ( بوص موننيس )
شوخان عزيز
المَدينة ضاجة عاجة ، بَشر يأتون مِن كل حدبٍ
وصوب .
رُشت الطُرقات رَغم شَحة المياة .
نُصبت الخيم على قارعات الطُرق ، وعُلِقت
الصور على المَنافذ وواجهات المحلات ، وعلى
صدور الناس وَجِباههم .
حشودٌ من الرجال والنسوة يُدبكون وَسط هلاهل
والتصفيق .
توزع الحلوى على الأطفال ، يَتقافزون هنا
وهناك ككُرات مُلونة .
بَعض العوائل يُفضلون البقاء في منازلَهم ،
وقد أرهقُهم التعب ،
فمِنذ صباح الباكر أخذوا يَطوفون الشوارع
والساحات العامة .
أغلقوا أبواب مَنازلهم وجَحظت عيونهم
المُستقرة على شاشة التلفاز .
يَزعق المذيع منذُ الصباح الباكر، صوت جهوري ،
يَبلع ريقَهُ بَينَ فينة وأخرى .
ذُبابة تَطِنُ حَولَ أذنيه يلتفتُ يُمنة
ويُسرى ، يُبحلق غاضِباً في الكاميرا ، مُكشَر
الوجه
– (سيداتي سادتي ستنضم كل الفضائيات والاذاعات
و ( تَتشَبلق ) في زززز طيطط.
مَبنى عظيم ، حَشدٌ خَلف الأسوار ، تَختلط
النساء بالرجال ، وهذا ما يحدثُ قليلاً ،
، الباعة بالنشالين ، الراسُ بالقدم ، بُكاء
الأطفال المَحمولين على الأكتاف ،
سماعات صوتية تُنصب على المباني وفوق الأشجار
العالية
و تك ، تك .. هلو ، هلو الو الو جيد ..
تُكرر مرات ومرات ،
وفجأة صوت جَهوري يَتَهدج من جميع الميكرفونات
.
– (هذا حقي أيها الحقير، أتظن أني كُنت أقشر
البَصل خِلال هذهِ الاعوام أتركه يا أبن …)
أعطني الحقيبة يا أبن …) وإلا شكوتُك عند
…… نَحنُ شُركاء يا ابن … !
يَصمتُ الناس قليلاً وعلامات الإندهاش
والإستغراب يرتسِمُ على وجوههم مُستغربين َمما
سَمَعوه .
– خللٌ طارىء ، عذرا أيُها الشَعب العظيم ،
ويبدأ زعيق الأغاني الوطنية .
ويَنسى الناس ما سَمَعوه .
يبدأ الاجتماع التاريخي العَظيم .
قاعة واسعة شاسِعه ، أضواء ثريات مُعلقة ،
مقاعد فاخرة فارهة ، مَناضِد سوداء
الكل يَأخذ مَكانهُ .
وجوه تُغطيها نظارات سوداء ما زالت الأسعار
لاصقةٌ على عدساتِها .
( السعر تسعه وتسعين سنتاً ) صناعه صينيه ..!
كاميرات ولاقطات أصوات تَصطدم الواحدة بالأخرى
، ضجيج أمام مَقعد الرئيس
صحفيون يَتدافعون يَتمتمون بِكلمات بذيئة ،
أربطة الاعناق تَتهدل ، عمائم تَتمايل ، جببٌ
تُسحق تلابيبها بالأحذية ،
قمال تتراقص في اللحايا ، حقائب تَرتطم بالأرض
أحدهم يُكرز حبات عباد الشمس ،
والآخر يَمسح أنفه ُ بِرباطه .
ورجلٌ مُتكرش يَبصق على الأرض .
– يَدخل (رئيس الجلسة) يَصمتُ الجميع ، وجه
مُنمش عابس لحية خَفيفة ،
كانه ُ أستيقظ من النوم تواً ، يُحمحم قليلا
ويُعدل من جلستَهُ
– الكلام لِمستر ( بوص موننيس )
– أههم أههم .. "الصلامُ أليكم "
( السلام عليكم )
القاعة تَضج وتَتعالى الاصوات تَختلط الأنفاس
– وعليكم السلام .. هلو .. علو.. والله اكبر
عاصفةٌ من التَصفيق والهلاهل .
– شوككرا ، شوكررا تَيب ( شكراُ ) ( طيب ) .
جَمييل .
– تأرفون أنا مندوب هكومي ، وقوات هليفة
( أنا مُتحدث بأسم حكومتي والقوات الحَليفه )
.
– اكول لكم انتهى عهد دكتايته ، نعم نعم خلاص
.
( أقول لكم لقد أنتهى عهد الدكتاتور)
– اهنا وأنتم فرهانين، بس تزهيه موهيم
( يَجب أن نُضحي معا ً ) .
– ديموكراتيه بيجي بس موهيم تزهييه .
( يَجب أن نُضحي من أجل بناء بَلد ديمقراطي )
.
ولكن موهيم الشيء واحيد أن تدعوننا نأخذ كل
شيي .
( أن نأخذ كل شيء )
– نأهد متاحف (موسلة همورابي) موهيم لنا
زقورات ألواح كلو توراب توراب تين .
( دعونا أن نأخذ المتاحف ومسلة حمورابي
والألواح والزقورات لا شأن لكم بِكل ما يَثبت
حضارتكم العَريقة كلها مُغطاة بالطين والركام
والتُراب ) .
تَصفيق…
يُمجده أحد الحاضرين
– الله أكبر يا مستر…
تَصفيق وهلاهل ثانية ، يخرج مَنديلاً من جيب
بِنطاله ويَمسحُ وجههُ
الناصح ، فقد تَصاعد الغُبار في جو القاعة ،
يَهزُ رأسه مُتأففا
– شوكرا شوكرا .
– البترول نهن أكتششفنا قبل سنوات كونتم
تتغوطون عليه ما تعرفون باطين الارز فيه
جوهاره نفيسه .
( نَحنُ مُكتشفي البترول كُنتم مِنذ عهود
سابقه تَتغوطونَ على الأرض دون أن تَعلموا بأن
في أجوافه جوهرة ثَمينه ) .
يَهتفُ أحد الوجهاء ويَقول …
-ايه والله مستر.. صحيح بارك الله فيكم
وبعلومِكم وخدمتكم للبَشرية جَمعاء .
– اهنا نعطي ديمكراتيه ، وبناهد بترول قطره
لكم ، برميل لنا ، كلو ثمن ..
( سَنُحقق الديقراطية لكم والمساواة ونَستولي
على النفط نُعطيكم قطره وناخذ برميل كل شيء
بثمنه ُ) .
يَرفع قطارة صَغيره ويُقطر قَطرة على الأرض
ويَمسحهُ بأصبعهُ مُشمما أياه قائلا
– جميل .. جميل كويس ديمكراتيه .
الجميع بصوتٍ واحد
– تَحيا الديمقراطيه ، الله أكبر ، تَختلطُ
القبعات بالعمائم والتصفيق بالصلوات ..
يقاطعهم غاضبا ً مؤشرا بكلتا يديه …
– الموشكيله كهرباء كبيره ماء موشكيله
( المشاكل الأساسيه الماء والكهرباء )
– نهل اكتصاد .
( سنُحسن أقتصاد البلد ) .
يَضعُ كلتا يَديه على المنضدة وبهدوء تام
ويَقول
أولاً اكتصاد ، يُقاطعوه …
تَشتعلُ الحناجر تَتورم الأيادي .
يَرفع صوته قليلأ وبابتسامة أصطناعيه يَقول
– لاء لا ء تسافيق مو زين مو كويس
( أرجو أن لا تَصفقوا دونَما سبب دَعوني أن
أكمل خطابي )
يقول غاضبا .
– انا مو( ام كلسوم ) (أو عبدول حافيز ) لا
تسفقوا رجاء ..!
( أنا لست أم كلثوم ولا عبدالحليم حافظ ) .
تَنهضُ النساء مُحجبات مَحصورات في أحد
الزوايا مُلفحات بالسواد يُهلهلن ويُهوسن
ويُزغردن .
– نو بليس لا كلو كلو كلو وهوووو وه ي ..!
( لا أحب الزغاريد ، الهدوء ) .
– نحن مو زفاف (سهديه مع مهاويش) .
( لَسنا في حفلة زواج سعديه مع مهاوش )
– هقوق نسوان يجي اراميل موتلقكات يجي كلو.
(سنحقق مطاليب المطلقات والارامل والنساء
الثكالى ) .
– اهيرا ً تهدثت مع هكومه هو رئيس صديق مال
آني وتهدست مع الاخ مهاوش كلو تمام بيجي ،
موقلق من شي ء .
( لَقد تحدثتُ مع ( سيادة الرئيس ) والأخ (
مهاوش ) وهُما من اعز أصدقائنا وأبلغتهما بأن
الأوضاع تتحَسن لا أريدكم أن تَقلقون )
– شعب على دولار ، سيارة حلوه موديل عالي عالي،
تلفون هلوي ويق ويق ( مس كول ) . وكولو بورج
مثل ( دبي ) .
شوارع ترقات كلو بنايات جميل ..
( شيوخ هليج ) زين معانا ، وهومه بيمكانهم
قاعدين مبسوتين . مو موزاهرات أستقرار .
( سَننسِقُ مع الجهات المَعنيه بِتداول
الدولارألامريكي ، ونُصدر لكم سيارات وآليات
حديثه ، وتلفونات الخلوي و بالطبع (أبو الساعه
) وسيصدر صوتا مُنبها حينما لا تَرد على
المُكالمة
نُشيد الأبراج كما في ( الامارات المتحده –
دبي)
ونُشيد الطرقات .
(نَحنُ راضين عن شيوخ البلدان الخليجيه لِذا
هم باقون ، تَعرفون هذه الدول لا تَتظاهر
شعوبها ولا تُشتعل فيها الثورات وشعوبِها لا
تعرف أن تقول ( لا ) هناك أستقرار وتَطور ) .
– في شي ، اسمو كومبيوتر، و (ماكره سوفت )
بنجيبو موفيد ليكم وشغل سرعه سرعه .
كلام بيوصل أقارب أصدقاء ، ألعاب وكلو كلو فيه
، كويس ، زين ، وهدو بالكم من فايرسات مو كويس
.
هدا كولو يه هني كومبيوتر، مو أكل لا شورة (عدس)
ولا( بيز اللكلك) ولا أكلة
( دليميه ) هزا جيهاز موهيم .
( لَقد تطور الكون ، هناك جهاز مذهل يسمى (
الكمبيوتر) يعملُ بِشكل لا يَتصوره ُعقولكم ،
في غاية الدقه ، سَيكون الكون على رؤوس
أصابعكم ، تَتصلون بأبعد نُقطة في العالم ،
وأياكم والفايروسات ) .
( أنا لا أتحدثُ عن ماكولات شَعبية ، كشوربة
عَدس ، ولا بيض اللقلق ، ولا عن أكلة الدليميه
، أتَحدثُ عن جهاز مُذهل يُغير مجرى أموركم
الحياتية والأدارية ) .
أنتهى الخطاب التاريخي .
وبعد أيام ، وفي أحدى الصباحات .
كتلة ضخمة من الدخان الأسود غَطت وجه السماء ،
ألتوت أعناق المنائر تَساقطت القُبب ،
والمدينة خالية الا من الاشباح والجُثث
المَرمية هُنا وهُناك ، ورجالٌ مُدججين
بالأسلحة مُقنعين يَتبعثرون في كُل حدب وصَوب
، البيوت غَدت أنقاضاً ، الكلابُ تَنهش
الأموات .
ودوي ٌ يهز أرجاء المدينة .
