مقالات وآراء حرة
صديقي القَناع
كريم الثوري
1
أقنعة ، كلنا بأقنعة ، من منكم بلا
أقنعة فليقنع نفسه أولاً بغير قناعاته
أقنعة ، حين الذهاب إلى السوق يتلبسه قناع
التسوق ، وقبل أن ينام يتوضأ بركعتي المغفرة
لكي لا يباغته ملك الموت فيواجهه بقناع عهر
التديَّن
حين يكون في العمل يحتذيه قناع السيد المسؤول
، فيبادر/ فوري / للبسِ قناع الذليل
في الحانة ، وبعد الكأس الأولى ، يترأسني قناع
الشفافية ، تتمايل بقية الأقنعة…
وحين يكتب … آه من يكتب ، قناعا يتوارى خلفه
، يهُوَنُ المصدات ، حينما يفرغ من تعبئته
سيلتقيكم وجها لوجه ، سيكون له قناع المُجاراة
، مع المتدينين يلبس عباءة الاحرام يجالسهم
حسب ما يرام ، قال فلان وروى علان ، ومع
العلمانية يعود لأصله وفصله يتنقل كجده القرد
، قال ماركس وروى فلاديميرإيلتش، ومع النساء
يُطلِّق العنان لحرفه يتوهج قوس قزح في مرايا
العيون
سيباغتكم ملمسه ، ما لم تخبروا في كل قناعاته
المرئية والمسموعة…
2
لعل القناع صار كالمجداف ضروريا
لتستمر طافيا فوق الماء بقاربك المتهالك
كلما زادت الثقوب في قواربنا كلما استعنا
بمزيد من الأقنعة… ألاّ من مزيد
عض التأملات تصيبني بالإحباط ، النفاق ليس
مجرد سلوك ، يؤشر إلى حالة ضياع جماعي ، بل
حالة اختصار الجماعة بفرد ، خالصة لوجه
الحقيقة ، يوم اكتشفنا أن العمل الجماعي مجرد
حيلّة ابتدعها الأغنياء لتمرير الفقراء ،
النفاق وسيلة لدفع الضررعن قناعاتنا /
المُصيبة جدا / ، فما عاد بمقدورنا الإتكاء
على قناعة واحدة ، ذلك زمن ولى واندثر…
3
صديقي الشاعر ذهب لبغداد يتسوق
وظيفة مرموقة ، تماهى في مواقفهم / أقنعتهم /
، واجهوه بقناعه القديم ، / انكسري عربة
الغزاة / ، بالدليل القاطع كان القناع قاسيا
ومؤثرا ، وحين لم يقنعهم بقناعه الجديد
المُؤوّل ، عاد لقناعة القديم المهرول ، بعدما
طويت له الأرض ، متخطيا بعض قناعات / أقنعة /
كان قد رتبها بينه وبين القناع الذي استدعاه
على عجلٍ إلى العاصمة بغداد.
4
كتب مقالة / هذه هي مسؤولية
الجنرال …/ ، هاجم فيها قناعة مترسخة ، بناء
على قناعة ثابتة ، تفاوتت ردود القناعات بين
قناع وقناع / في الاستفزاز تستنفر القناعات
البدوية تنفلت من رقيبها المعرفي / باغته قناع
جسور متخفي ، وبعد التي وما بعدها ، هدأت
العاصفة بعدما أرهقت الأقنعة، هتف قناع مقاوم
طفح رأسهُ الكيل بمكيالين ، مالكم تلعبون
برؤسنا / شذر مذر / بنا أم علينا ، تطشرون
طشار أقنعتنا ، فنرتديها على عجالتكم كيفما
اقتنعتم، أقنعة نحسبها ضميرية ، ثم تُخففون
بنا السيّر ، فتوحدون قناعاتكم المتناطحة فينا
، كيف نقنع أقنعتنا الثورية بقناعاتكم
المساومة، يقصد أقنعتنا التي تلبستنا في حالة
استنفاركم قبل أن تتناطحوا فتتوافقوا ، ونحن
بين مدٍ وجزر…
يالسواد وجهي من قناع اليوم ، كيف يقرأني
بالمقلوب …
5
يدفعون بك لترتدي قناعا قَصُرَ
عليهم ، كأن يقولوا عنك شاعرعظيم يعزف لحنا
مبتكرا ، أو أنكشف عنك الغطاء فبصرك اليوم
حديد ، أو تقول من تحسب نفسها جميلة في قيافة
كلماتك ، همسا في فؤادك الراغب ، ليتني أنجب
منك وِدّاً يشبه طيف أحلامي ، كم أحلم بليلة
مختلفة معك تعيد لي شبابي وتبدد خشية وساوسي ،
الحقيقة غير ذلك ، قناعك من يتكلم بالنيابة
عنك وليس أنت سوى ناقلا للوهم ، كانت أمي تقول
حين تراني على تلك الحالة ، أذهب يابني إلى
الخَلاء وفرغ مبولتك أو فساء أمعائك المتخثر
منذ ليلة لم تتذكر ، لتستقر وتعدل قناعك
الوِترأسفل وسطك الموْتُور
الحقيقة غير ذلك ، ورقة نقود امريكية بعشر
ارهاصات في الهواء الطلق…
مالكم لا تستوعبون…
6
يقول صديقي الشاعر ، أقرأ السطر
الأول في النص سرعان ما اكتشسف حجم القناع
المتلبس بتكشيرة وجه مبتسم ، فالكتابة زلة قدم
لقناع متنكر…
قلت له وكيف تعلمت ذلك ؟
أجابني : انظر لأجواء نفسي المتخشبة بين قناع
وقناع ، فأخرج من رواسبي قرين دوافع القناع
الذي كُتبَ فيه المقال بالنيابة، فالكاتب
الرصيف / والعهدة على الروي / يملك رأسا
هلاميا تزاوله كل الأقنعة ، تستبدله حسب جدول
القناعات
لكنك ضد التصفيق والهتاف ، سألته بمكر ،
فأجابني :
سرك سري ، لا يزيدني كثرة التصفيق والهتاف إلا
تمسكا بقناعي ، ألاّ ترى في الغرور حاجة شعرية
؟ .
وكيف التخلص من ذلك ؟
جَهَّلة رَعاع…
7
أثناء العمل كان صديقي الشاعر يجد
حرجا كبيرا ، فحين تواجهه معضلة التلكؤ أو عدم
الإستيعاب كان يتفلسف بمعلومات كبيرة ليبهر
بها مدير العمل ويغطي عوراته، ولما كثرت
الهفوات تحول لبهلوان مهرج ، فقد ثبت بطلان كل
الأقنعة التي بحوزته ، إزاء تجربة العمل الحر
في وضح النهار ، وتحولت تكنلوجيا المعلومات في
جمجمته الزرقاء، سفسطة لا تغني ، تعاني الفجوة
بينها وبين مستمعيها… بعد أسبوعين عاد تائبا
لقناعه القديم / يسهر ليلاً وينام نهارا / ،
لكنه مازال محرجا ، كيف لم يستطع أن يقنع خمسة
عمال أميين بأقنعة حرص على ترتيبها وتنضيدها ،
طوال مسيرة شعرية حافلة بالقراءة …والكتابة
لابد من مراجعة كل الأقنعة وإضافة ما يستوجب
اكتشفنا قناعا جديدا، مبروك علينا ؟!
8
نظر إلى نفسه قائلا ، كيف اغلبها ؟
ولأنه خبير بالأقنعة ، اختار قناعاً لا لون له
أو طعم أو رائحة ،
قناعا لا يُمسك في الذاكرة ، ولا تحده الكلمات
، ضيقا حين تتسع والعكس دواليك
قناعا تَمرَّس على التوغل في كل التجارب
المتناطحة وخرج منها بهيئة لا ادري
قناعا يوهم الفراشات برعشة الخلود
لكن قليل الحِيلة هذا ، لم يصغ جيدا لقناع
الغرور ، فالمرأة من يوهمنا بخلو الرؤوس من
غرور الأقنعة لتدهشنا بمزيد من القناعات ،
فيشمت غلو قناعها
المرأة لا غير ، هي القناع الذي انسلت منه …
جميع الأقنعة
9
من منكم بلا قناع… فليرجمها
كريم الثوري
استراليا الآن
