بين
تخبط العلمانيين وتملق الاسلاميين
( متى نتخلص من عقلية العشيرة ) ؟
ئارام باله ته ي
*
aram_balatay@yahoo.com
كأن عقارب الساعة عندنا لا تتحرك , وكأننا لا
نريد أن نستفيد من التاريخ , يبدو أنه لا يخطر
ببالنا التوجه نحو (الدولة) !!. الكورد اكبر
اثنية في العالم لا تمتلك دولة , من يتحمل وزر
ذلك ؟ هل هناك خلل أم هي مشيئة الله ؟ .
أدعو بل أرجو من كل من يقرأ هذه السطور أن
يستفيق ولو للحظة ويشاهد العالم وقد وصل به
سير الزمن الى القرن الحادي والعشرين وأن يعي
جيدا ( للعلم فقط ) أن المجتمع المدني
والحداثة والعولمة والديمقراطية من سمات هذا
العصر ’ ثم ان أراد العودة الى غفوته والتفكير
بذهنية القرون الوسطى , فأرجو أن يكون قد اجرى
مقارنة بين هذه وتلك وكفى ..
ما أن جاء العام 1992 ( وبفضل عوامل داخلية
واقليمية ودولية معروفة ) الا وحصلت انتخابات
تشريعية في اقليم كوردستان ، شكل على اثرها (
برلمان ) الاقليم , حينها كان يفترض أننا بصدد
التحول من (عقلية الثورة) الى (عقلية الدولة)
أو على أقل تقدير عقلية بناء مجتمع حديث , لكن
الذي جرى أننا منذ تلك اللحظة المفصلية المهمة
نعاني من مشكلة بالغة التعقيد عنوانها (التخبط)
, اذ اننا ندّعي السعي الى بناء مجتمع مدني
وانماء للديمقراطية ومواكبة للحداثة والوصول
الى ركب المجتمعات المتطورة , لكننا من جهة
أخرى لازلنا نفكر ونتعامل ب (عقلية العشيرة)
وهذا انفصام واضح في الشخصية لأن هذه العقلية
(عقلية العشيرة) لا تتلائم مع كل ما يفترض
السعي اليه , وهكذا يؤدي الجمع بين هذه
المتناقضات الى احداث ارباك ظاهر على مسيرة
مجتمعنا , فكلما خطونا الى الامام خطوة في
سبيل بناء مجتمع مدني فان (عقلية العشيرة)
ترجعنا الى الوراء بنفس المقدار , وهذا يعني
أن محصلة التطور ليست لها اتجاه . فهل نحن
واعون لما يجري ؟ ولمصلحة من يحصل هذا ؟ .
في موضوع حساس كهذا , لاسيما ونحن على منعطف
تاريخي – حضاري يتمثل بوجودنا كأمة متمدنة
فاعلة يمكن البحث عن مستقبلها على الخارطة
الدولية , أو التقوقع والتقهقر فيما نحن فيه ,
يجب أن نبتعد عن المجاملة والتبرير, وندعو
الاحزاب الكوردستانية الى الاضطلاع بمهامها في
ارشاد الامة نحو بر الامان . ( ربما يعترض هنا
معترض , لماذا تكون هذه مهمة الاحزاب وليس
الافراد؟ ) لأن هذا الجو المغلف بطبقة سميكة
من ( عقلية العشيرة ) لا يدع أي فرصة لسماع
صوت الفرد ما دام فردا بسيطا ليس الا , حيث أن
المجتمع لم يصل بعد الى مرحلة من الوعي يحركه
المثقفون والأناس الاكاديميون , الا أن
الاحزاب بامكانياتها وآلياتها وكوادرها تمتلك
القدرة على ذلك .
في هذه المهمة المضنية نواجه مشكلة أخرى أكثر
تعقيدا تكمن فيها نفسها المعضلة الرئيسية ,
عندما نكتشف أن هذه الاحزاب الكوردستانية التي
نتأمل بواسطتها الخروج من هذه الحالة هي نفسها
التي تغذي (عقلية العشيرة) وتشجع عليها , سواء
كانت هذه الاحزاب علمانية أو اسلامية , الكل
لا يستطيعون الخروج عن هذا الاطار الفكري
الضيق . وكأن لا أحد يرى من مهمته الارتقاء
بهذه الأمة نحو مصافي الأمم المتطورة !!.
فالأحزاب العلمانية والتي توصف نفسها بـ (
التقدمية ) ربما نسيت أن مبادئها في مرحلة
الثورة كانت ذات صبغة اشتراكية ونفحة ماركسية
. وكلنا نعلم المعركة الفكرية التي قادها (
ماركس ) ضد الارستقراطية الشبيهة عندنا بهرمية
العشيرة . لماذا كنتم تهّيجون الشعب وتدغدغون
مشاعره ليميل الى جانبكم بدعوى محاربة الاقطاع
( في مرحلة الثورة ) , ثم تخليتم الآن عن ذلك
؟ اليست هذه عملية تمويه كبيرة ؟ واية تقدمية
هذه التي تدعو الى التزاوج مع ( عقلية العشيرة
) الرجعية ؟!. ثم ان انظمتكم الداخلية
ومناهجكم الحزبية الحالية لو اطلعتم عليها
تجدونها متناقضة مع ( عقلية العشيرة ) !! ومع
هذا كله فان ( العشيرة ) في ارض الواقع هي
صاحبة الحظوة لدى هذه الاحزاب وكلمتها مسموعة
وطلباتها ملبية .
اما الاحزاب الاسلامية الكوردستانية فهي اغرب
من ان تتصور , اذ ليست لديهم مشكلة مع المجتمع
المدني ولا الديمقراطية والحداثة ناهيك عن كل
ماهو اسلامي , بالاضافة الى ( عقلية العشيرة )
التي تسيطر عليهم ايضآ !!. ولا ادري كيف يمكن
لهؤلاء العباقرة ان يجمعوا بين كل هذه
المتناقضات في بوتقة واحدة ؟!!. اليست هذه
ميوعة سياسية بامتياز ؟ ثم اين هم من مبادئ
الثورة المحمدية الراديكالية التي ساوت بين كل
الطبقات وجعلت من الناس كلهم سواسية كأسنان
المشط ؟ أو ليس ( عمر بن الخطاب ) من قدم (
بلال الحبشي ) على ( ابو سفيان ) سيد مكة
وقريش في الدخول الى مجلسه ؟!. اين اسلام
اسلاميينا من هذا الاسلام ؟ أم أن الاسلام
وسيلة وليست غاية ؟ او ربما هناك اسلام آخر
براغماتي لا علم لنا به ؟!.
ان التفكير بحساب الاصوات الانتخابية يجعل من
العلمانيين والاسلاميين على السواء في قطيعة
مع مبادئهم وفي قطيعة مع العالم المتحضر , وان
هذه ( الديماغوجية ) التي يستخدمونها من اجل
نيل المقاعد النيابية على حساب بناء المجتمع
والامة ككيان متحضر واعي , ليست شرعية بالمرة
لأنها لا تأخذ في الحسبان اللحاق بركب التطور
والحداثة والقطيعة مع الماضي السلبي وتنقية
المجتمع من شوائب وقدح ( عقلية العشيرة ) التي
ستجعلنا نراوح المكان في الوقت الذي يتطور فيه
العالم المتحضر .
ان الهجوم على ( عقلية العشيرة ) وتفكيك
التراتبية الهرمية الموجودة في المجتمع ومنح
الاعتبار لمكانة الفرد , واجب وطني ملح , لأن
كل التجارب السابقة اثبتت مدى كارثية ( عقلية
العشيرة ) , فلو عدنا بالذاكرة الى الوراء
واستنطقنا التاريخ سنجد ان هذه ( العقلية ) هي
وحدها السبب في تخلفنا ومعاناتنا على مر
العصور وعدم تتويج نضالاتنا بدولة ( حلم ) ,
حيث ان كل محاولة تاريخية قامت من اجل اقامة
كيان كوردي فان ( عقلية العشيرة ) وأدتها في
مهدها معبرة بذلك عن عدم نضج فكري وانحطاط في
الفكر السياسي وعدم التنازل عن مصالح (العشيرة)
من اجل مصلحة اسمى هي مصلحة ( الامة ) , فكانت
النتجية ان ( العشيرة ) نفسها ساهمت في اخماد
الثورات الكوردية بوقوفها ضد المشروع الوطني
ودعم العدو من اجل مصالح آنية , وما ثورات (
الشيخ سعيد بيران ) و (الشيخ محمود الحفيد) و
( الملا مصطفى ) الا امثلة لو يسع المجال
لسردناها بتفاصيلها وكيفية وقوف جل العشائر في
مناهضتها وبالتالي فشلها وعدم وصولها الى
النتائج المرجوة .
هذا هو التاريخ الكوردي أو تاريخ فشل الثورات
الكوردية , سببها ( عقلية العشيرة ) المحصورة
في اطار ضيق , بينما تتطلب عقلية الدولة اطارآ
ارحب وأوسع تضم الجميع كأفراد ومواطنين بغض
النظر عن العشيرة .
من المؤسف جدآ ان لا نواجه هذه المشكلة بطريقة
( ابستمولوجية ) وفق دراسة تحليلة وبحوث
اكاديمية تمكننا من الوقوف على الاخطاء
التاريخية الجسيمة التي جعلتنا ( الكورد ) امة
خارج خارطة الامم . وقد حان الوقت كي نمتلك
الجرأة ونطرح السؤال التالي : هل نحن مستعدون
للتخلي عن ( عقلية العشيرة ) , ثم ان نطرح هذا
السؤال الجوهري ( بعيدآ عن العاطفة )هل نستحق
( دولة ) وفق كل المعطيات الموجودة على ارض
الواقع ؟.
*
ماجستير في القانون – دهوك
