مقالات وآراء حرة
الأحد 5/2/ 2012
نادرة عبد القدوس
*
عشقتْ عدن موطناً ومواطنين ، هواءً وماءً ،
جبالاً وسماءً .. وبادلتها عدن ذات المشاعر ،
فأفاضت في دفئها وسخت عليها في خيرها ، وأجزلت
عطاءها وغسلتها بعبقها السحري ، الأزلي ، لئلا
تنساها حتى وإن رحلت عنها يوماً . وها هي
بلقيس الربيعي ، الكاتبة العراقية المعروفة ما
زالت تحمل في ثنايا روحها عشقها لعدن ؛ فتنثر
كلمات الوفاء لحبيبتها وتنظَّم معارض الصور
والأزياء الشعبية لأهلها من أرض المهجر في
السويد . ولا يمر يوماً إلا وتسأل الربيعي عن
موطنها الثاني وناسه وأهله .. تسأل : " كيف هي
عدن ؟ أحلم بالعودة إليها . ما زلت أحمل عبقها
.. أريد الارتماء في حضن بحرها،عدن يا ساحرة
الألباب .." . وفي زيارتها الأولى عام 2006
بعد سني الاغتراب القسري ، عادت الربيعي إلى
حضن أمها عدن ، تسبقها لهفتها إلى رائحته
البحرية . وما زالت كلماتها عن معرضها الذي
أقامته في استكهولم عن الأزياء الشعبية
اليمنية والعدنية ، ترن في أذني ، عندما
زارتني في مكتبي في الصحيفة التي أعمل بها ،
في اليوم التالي من وصولها إلى عدن: " الكل
يستغرب كيف أن المعرض مكرس لليمن وليس للعراق
، فأقول إن الوطن ليس فقط حيث تولد ، بل حيث
تعيش فترة طويلة ، وأنا عشت أحلى سنوات عمري
في عدن ، الوطن الأم الذي لم يبخل عليّ بشيء
بل أعطاني كل شيء".
قضت الصديقة بلقيس الربيعي ( أم ظفر ) في ربوع
مدينة عدن أجمل سنين عمرها مع زوجها طيب الذكر
الدكتور محمد بشيشي (أبي ظفر)ـ وقد عمل طبيباً
(1979م) في مدينة " عتق " بمحافظة شبوة ، إحدى
محافظات جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية
الست . ولم يكن أبو ظفر طبيباً فحسب ، بل كان
مؤسسة صحية وثقافية واجتماعية في رجل واحد
ومعه عدد من الزملاء العراقيين العاملين في
المدينة ، لكثر ما قام به وحده من نشاط ثقافي
وفكري وصحي ، بتنظيم الندوات وتأسيس المشاريع
الصحية ، كمشروع رعاية الأمومة والطفولة في
هذه المدينة الفتية التي لم تعرف " سفلتة "
الشوارع إلا في منتصف الثمانينيات من القرن
المنصرم . وما زالت ذاكرة الكثير من أهالي عتق
تحتفظ لأبي ظفر ، الإنسان ، بالكثير من المآثر
الإنسانية الرائعة .
ثم انتقل الزوجان إلى العاصمة التاريخية عدن
عام 1980م لتعمل أم ظفر مدرسة اللغة
الإنجليزية في مدارس العاصمة ومتطوعة في عدد
من المنظمات الجماهيرية ، منها الاتحاد العام
لنساء اليمن ، مقدمة خدماتها لنساء وفتيات عدن
لا تنتظر منها جزاءً ولا شكورا، وليعمل أبو
ظفر طبيباً في مستشفىً للأطفال، حيث وجد كذلك
كل الحب والاحترام من أهالي عدن . ولكنه لم
يدم بقاؤه في المدينة طويلاً ، إذ لبى نداء
حزبه ، طوعاً ، ليعود إلى كردستان ، طبيباً
وسياسياً ومقاتلاً جسوراً ، مقاوماً لأعداء
الحرية والإنسانية ، الذين بكل وحشية أطلقوا
عليه رصاص الغدر في كمين نصبوه له ولعدد من
رفاقه الأشاوس في 27 سبتمبر ( أيلول ) عام
1984م ، تاركاً وراءه ، في ربوع عدن وحضنها
الدافئ أسرته الصغيرة ، . ولم يدُم للأسرة
النازحة هناء العيش في عدن ، بعد سقوط المدينة
في أيدي الطغاة ، إثر حرب غاشمة على جنوب
اليمن في صيف عام 1994م ، فرحلت لاجئة إلى بلد
أوروبي ، حيث وجدت السلام هناك .
وبقيت رفيقة درب النضال السياسي ، الزوجة
والحبيبة بلقيس على العهد ، وفية لرفيق عمرها
وحبها الأول والأخير ، الذي نسج معها أجمل قصة
حب في سماوة العراق ، منذ سني شبابهما البضة ،
حتى اقترانهما عام 1970م .
ذاكرة أم ظفر لا تختزن غير صورة فتاها أبي ظفر
ومحطات من زمن الحب الجميل ، وتستوقفها كثيراً
ذكرياتها معه في " عتق " و" عدن " ، ففي
حناياهما أحلى سنوات العمر، رغم قصرها معه .
وحتى لا تذهب تلك الذكريات الجميلة أدراج
الرياح وتُترَك في غياهب النسيان ، بعد زمن
طويل من حياة أم ظفر ، عزمت الزوجة الوفية
والأم الرؤوم على تدوين مذكراتها ومذكرات رفيق
دربها في كتاب أسمته "لكَ تنحني الجبال " .
وكان لي الشرف بالتعرف مبكراً على خطواتها
الأولى والتؤدة في هذا المشروع القيّم من خلال
تراسلاتنا الإلكترونية . وفي سؤالي لها عن آخر
الأخبار في مشروعها ، كانت أسطرها حزينة تفوح
منها رائحة التشاؤم والإحباط .. فعلمتُ أن
صاحب دار الينابيع في سوريا قد غدر بها ولم
يفِ بطباعة الكتاب (عزاؤها) .
فذكرت لي بلقيس الربيعي أن دار الينابيع
للطباعة والنشر والتوزيع السورية ومقرها دمشق
، لم تلتزم بطباعة الثلاثمائة نسخة من كتابها
الذي كانت أرسلته على عنوان البريد الإلكتروني
الخاص لصاحب الدار ، صقر حمدان عليشي في شهر
يونيو من العام الماضي . وكانت قد اتفقت مع
صاحب الدار على إرسال نصف تكاليف الطباعة ،
كدفعة أولى من المبلغ الكلي البالغ (900)
دولار أمريكي ، قبل إنجاز العمل ، على أن يرسل
النصف الآخر بعد إنجازه . وكان عليشي أكد
للربيعي أنه سيتم طباعة الكتاب خلال شهر من
إرساله . وفعلت بما تم الاتفاق عليه .
وذكرت أم ظفر ، والمقيمة في السويد ، أن السيد
عمار كردية ، صاحب المطبعة في سورية والمكلفة
بطبع كتابها ، لم يتمكن من طباعته بسبب عدم
التزام صاحب دار الينابيع صقر حمدان عليشي
بسداد مبلغ الطبع ، وأنه لم يفِ بالتزاماته
الأخرى تجاه المطبعة .
ودّعتُ صديقتي أم ظفر والحزن يلفها من كل جانب
(هكذا استشفيتُ من خلال ردودها) ، حاولت
بكلماتي البسيطة ، المطبوعة ، مواساتها .
*
كاتبة صحفية من عدن
