فن تفتيت الحركة الاجتماعية والسيطرة عليها واحتكارها

عدد المشاهدات: 5التصنيف: مقالة

المهندس الاستشاري/ سلام ابراهيم عطوف كبة

ان محاصرة الاتحادات والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني في بلادنا والتضييق على نشاطاتها والتدخل الفظ في شؤونها لا يؤشر قصور في فهم القوى السياسية المتنفذة وجهل لماهية المنظمات غير الحكومية والحركات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني فحسب بل يضر بالاقتصاد الوطني والعمل الانتاجي ومجمل العملية الاجتمااقتصادية وتطويرها ويخلق اجواء من التوتر وعدم الاطمئنان في المجتمع،ويستهين بالحركة الاجتماعية ويتجاوز على استقلاليتها بشكل يتعارض مع الدستور باتجاه تسخيرها لخدمة السلطات الحاكمة  الجديدة وتحويلها الى بوق في الفيلق الميكافيلي الاعلامي المهلل لها،ويتجاهل ارادة الملايين من اعضاء هذه المنظمات.ومما يبعث على السخط ان اجهزة حكومية وقوى متنفذة استخدمت القوة اكثر من مرة،وقامت باقتحام مقرات النقابات والجمعيات والمؤسسات الاعلامية والنوادي الاجتماعية والرياضية واحتلت الملاعب والساحات والمدارس دون مسوغ قانوني،ومارست عنفا ضد النساء والطلبة،وتعاملت ببيروقراطية نادرة مع اكاديميين وكتاب وصحفيين وفنانين ومهندسين ومعلمين واعتدت عليهم،ولم يبخل المحررون باستعراض عضلاتهم في هذا السياق.العجب ان نشهد في ظل دستور يعزز الديمقراطية وفصل السلطات الممارسات المستوحاة من ثقافة وادبيات الدكتاتورية البغيضة ومكتبها المهني المركزي!

   رافق ذلك صعود في الولاءات تحت الوطنية،ومحاولة مواجهة المؤسساتية المدنية العصرية بالمجتمع الاهلي التقليدي،وتبديد آمال العراقيين في اقامة الديمقراطية الحقة وتسفيه تطلعات الملايين من منتسبي النقابات والمنظمات المهنية الى اقامة حياة مدنية حقيقية،اذ يتجاهل المحررون والسائرون في فلكهم هذه التطلعات باجراءاتهم المتخبطة الساعية الى مجتمع ديمقراطي على طريقة العم سام،ويعيق هؤلاء بمحاصصاتهم وامتيازاتهم شروط الحياة المدنية.ويحاول البعض ممن لا تأريخ لديه في العمل المؤسساتي المدني والنقابي والحركة الاجتماعية من الدخول لها عبر وسائل عفى الزمن عليها،وبشكل خاص العشائرية والطائفية والولاء الشخصي وولاءات الفساد،والاستئثار بالتنظيمات والمؤسسات باستخدام بعض الرموز والادوات القمعية التي كانت عصا الدكتاتورية في فرض نظام السخرة والطاعة على ابناء شعبنا،ويحاول هؤلاء العودة باقنعة جديدة لا تمت للعمل المؤسساتي المدني بأي صلة.وظهرت اصوات وتنظيمات تحاول فرض نفسها عبر وسائل غير ديمقراطية،بالقسر والترهيب والترغيب التي سبق للنظام السابق وأزلامه ان تفننوا بها لتفتيت الحركة الاجتماعية والسيطرة عليها واحتكارها.

·        الحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية والجمعيات الاهلية والنقابات والاتحادات المهنية

   النقابات والاتحادات المهنية حركات اجتماعية ومنظمات غير حكومية حالها حال الجمعيات الاهلية،تتنازل الدولة لها عن جزء من سلطاتها وتحت اشرافها(تنظيم شؤون المهنة)،وهي تجمعات لاصحاب المهنة الواحدة لها دور نقابي في الدفاع عن حقوق اعضاءها فضلا عن دورها الخدمي والمهني والوطني.وهي كمنظمات غير حكومية سلطة مضادة تعبوية تضمن قنوات المشاركة والتعبير المستقل عن الحكم،وتضم جماعات نوعية طوعية تضامنية تعمل على تعبئة اوسع عضوية ممكنة حول هدف عام وتمتلك القدرة على تحقيقه.

   النقابات والاتحادات المهنية جزء فعال من المجتمع المدني،المجتمع المدني كهوية يتمتع بها المواطن الذي يجمع بين حريته ومسؤوليته وتتيح له مراقبة الحكومة والسوق معا وذو طبيعة تطوعية غير قابلة للخصخصة والدخول في آليات السوق ولا ينافس الحكومة في امتلاك وسائل القمع الشرعية،وكمجموعة مؤسسات غير حكومية متنوعة قوية لموازنة الدولة وقادرة على منعها من الهيمنة على المجتمع وتفتيته دون ان يعيقها كمحافظ على الامن والسلام وحكم بين المصالح الرئيسية.

   لقد اكتسح مفهوم المنظمات غير الحكومية المفهوم التأسيسي في هذا المجال"الحركات الاجتماعية"والذي يظهر تشكيلات القوى والقطاعات الاجتماعية التي تدفعها ازماتها في المجتمع لبلورة وعيها تأريخيا بالتعبير عنه على شكل انتفاضات احتجاجية او حركات مطلبية تشارك بها منظمة او منظمات!لقد بات نمط  المنظمات غير الحكومية هو النموذج التحليلي الذي يجري بأسمه قياس الموقف الشعبي وقيادة التحركات الشعبية لتؤكد مصداقيتها الدولية،وتتطلع المنظمات غير الحكومية الى القيام بدور  الحركات الاجتماعية بين شعوبها!والغرب يحاول نعت الحركات الاجتماعية بالمنظمات غير الحكومية لأغراض احتواءها!فقط الثقافة السياسية الديمقراطية الحقة بامكانها ان تلزم  المنظمات غير الحكومية والحركات الاجتماعية معا بمواقعها في المؤسساتية المدنية وضبط دورهما بالاطوار التعبوية والتعبيرية والمطلبية والتنموية وحق المشاركة في القرارات العامة!

    تضع المنظمات غير الحكومية مسافة بينها وبين الحكومات من جهة وبينها وبين المعارضة السياسية من جهة اخرى،انها مؤسسات غير ربحية،تعمل على كشف وفضح  العقل الكابح المفرمل للثقافة العقلانية والولاء للوطن!وتدعو للمبادرة على المستوى الفكري والعملي والتصدي للارهاب،وتوظيف مبدأ حقوق الانسان بشكل صحيح وليس تسييسه واستخدامه من جانب القوى المتنفذة والمتسيدة عبر الانتقائية في المعايير،والنظر الى الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سواسية دون تمييز وارجحية،والربط العقلاني الفعال بين الثقافة الاحتجاجية والانتقادية والمطلبية وآخر مستجدات الفقه الدولي.

    بلغ عدد الجمعيات والنوادي الملغاة عام 1954 465 في بغداد وبقية المدن العراقية.فقد حل نوري السعيد بجرة قلم البرلمان والاحزاب والغى امتياز الصحف والمجلات وحل النقابات والتنظيمات الاجتماعية والمهنية،واصدر مراسيم تحرم العمل من اجل السلم.وبعد ثورة 14 تموز 1958 ازداد وزن الدور المهني والوطني للنقابات والاتحادات المهنية مع تنامي نفوذ الدولة والقطاع العام.الا ان دكتاتورية البعث استخفت بالنقابات المهنية وحولتها الى مؤسسات تابعة للنظام ليجر تحديد مسؤول واعضاء الهيئات الادارية بالتعيين واشتراطات الطغمة الحاكمة ومصادقة المكتب المهني للبعث،وبعد حرب الخليج الثانية والحصار الاقتصادي تهمش دور النقابات المهنية الى درجة كبيرة وبات نشاطها شبه مجمد،ولم تتغير قياداتها المرتبطة اصلا بالاجهزة الحزبية والامنية للنظام.

   ان تغليب دور المنظمات غير الحكومية وفلسفتها عند حدود التكافل الاجتماعي وتقديم الاعمال الخيرية هو تجني مقصود عليها،يمكن ارجاعه الى مجموعة من العوامل منها:المكون الديني كعامل دافع للعمل وانتشاره،ضعف الدور التنموي وغياب  الدور الثقافي.وهنا لابد من تبيان ان مستوى التقدم فى العملية الديمقراطية يقاس من خلال تقييم اداء المؤسساتية المدنية وقدرتها على القيام بالمهام المنوطة بها مثل التدريب على التنافس والمشاركة،حجم مساهمتها فى دمقرطة مؤسسات المجتمع واشاعة القيم الديمقراطية،عدم القدرة على التطور المستقل لاسباب تتعلق بالنسيج الاجتماعي والثقافة السياسية وطبيعة النظام السياسي،تباين فاعليتها بتباين نوع الجماعات التى تشارك فيها،وكيفية تكوينها ونوعية قياداتها.

·        عرقلة تشريع قانون عصري للاحزاب

    برزت الحزبية الحديثة مع انطلاق الرأسمالية وترسخ آليتها كظاهرة تقدمية،فأحلت التحزب الحديث محل التحزب العائلي والطائفي والعشائري والمناطقي واسهمت في نقل المجتمعات الى الاوضاع الاكثر رقيا اي من التجمعات الاهلية العفوية الى المؤسسات المدنية.وخدمت  الحزبية الحديثة مقاومة الاستغلال وويلاته على اسس جديدة تتجاوز الاطر الضيقة والانتماءات البدائية،لكن تتمترس وراءها الطبقات الاستغلالية ايضا التي تحاول عرقلة التخلص من قيود جعل الانتماء ولاءا،والاختيار الحر تعصبا!في هذا الاطار تنبز القوى السياسية المتنفذة التي تدعو للتدخلات الفظة في شؤون المؤسساتية المدنية وهيئات حقوق الانسان وتوجيه التهديدات والانذارات لها،لتكشف بذلك عن وجهها القبيح كمؤسسات قمعية مقوضة التجمعات الاهلية والمدنية والحزبية،ومعرقلة لتشريع قانون عصري للاحزاب تحتكم له كل القوى الوطنية المشاركة في العملية السياسية الجارية اليوم في بلادنا!ان التقاليد الديمقراطية والوطنية مناوئة للاستبداد ومحاولة شراء الولاءات،ومحفزة للمعارضة خارج الاطر الدينية والطائفية والولاءات دون الوطنية!في هذا البحر المتلاطم من التناقضات الاجتماعية تعلو قيمة حقوق الانسان لمواجهة مظاهر القمع والاستبداد!.ويخسر الاسلام السياسي كثيرا من مصداقيته في اطار نموذج العصر الحديث والثورة المعلوماتية وعصر الحداثة وما بعد الحداثة!ان العودة الى الماضي والبدائل الاسلامية هي ردود افعال على التخلف والامية والهلع ودليل عمق ازمة المجتمعات المتخلفة!

    تنضوي تحت يافطة النظام السياسي ثلاثة قضايا جوهرية هي:اختيار الحكام،توزيع المناصب الحكومية،الصلاحيات وحدود السلطات.وتحت النظام الانتخابي تنضوي المناطق الانتخابية،الدعاية الانتخابية،الفوز بالنيابة،نواب التزكية،التمثيل الاثني،المنازعات الانتخابية،طرق التصويت،العلاقات بين النائب والناخب،صيانة النيابة(الحصانة،المكافأة،عدم المسؤولية،عدم الجمع بين تمثيلين،عدم الجمع بين النيابة ووظائف الدولة)،انتهاء التمثيل النيابي،عزل النواب من جانب الناخبين،الاختصاصات البرلمانية(التشريعية،الحكومية – المساءلة والاستجواب ورفض الثقة بالوزارة والتحقيق واجازة الايرادات والنفقات العامة والمصادقة على المعاهدات،القضائية،والانتخابية)،الانتخاب المباشر وغير المباشر،الدوائر المغلقة والمفتوحة.

   لقد بنيت اصول النظام السياسي في العراق على غرار الديمقراطيات الغربية حيث تمتلك النظم السياسية خصائص الديمقراطية والبرلمانية والانتخابية والنظام الحر،الا ان جمع السلطات بيد الملك والانحرافات الدستورية والبرلمانية،والاستقطاب السياسي والاقتصادي لصالح الاقلية من نخبة البلاط والانحياز للغرب في السياسة الخارجية،والمجال السياسي الديمقراطي المتخلف في الفهم السياسي لمستجدات الاحداث واسلوب ادارة المجتمع،والبيروقراطية،وتآكل المجتمع المدني وتحوله الى ركام يتندر به الجميع،والدكتاتورية الصدامية وعسكرة المجتمع وارهاب الدولة المنظم،والطائفية السياسية قد قوض من التجربة الديمقراطية في بلادنا.

·        تصعيد اضافي في التدخلات الفظة وتوجيه التهديدات والانذارات

   العمل النقابي ليس مجرد حق ديمقراطي يتيح للمهنيين ادارة شؤونهم واموالهم،لكنه ايضا ضمانة ضرورية لسير التنمية الاجتماعية في مسارها الصحيح المتوافق مع احتياجات الشعب،والنقابات المستقلة الديمقراطية وحدها الأداة المهنية الحقة في لعب هذا الدور.وتبرز قضية تفعيل الدور المهني والوطني للنقابات والاتحادات المهنية باسقاط كافة القيود التي تعوق ديمقراطية واستقلالية العمل النقابي،باعتبارها قضية وطنية فضلا عن كونها قضية ديمقراطية.وتؤكد التجربة ان الحكومات لن تتخلى طوعا عن سيطرتها على النقابات،والضغوط الخارجية وحدها لن تدفع الحكام الا لتقديم تنازلات شكلية.وتواجه النقابات المهنية فى بلادنا وضعا استثنائيا فى مستويين،الاول داخلي يرتبط بدرجة الاهتمام الحكومي بمؤسسات المجتمع المدني لأن النقابات لا تحظى بنفس القدر من الاهتمام النسبي الذى تحظى به الجمعيات الأهلية،والمستوى الثاني دولي يتعلق بموقع مؤسسات المجتمع المدني من العملية الديمقراطية.

   وتجري التدخلات الفظة في شؤون المؤسساتية المدنية في ظل اقتصاد وطني يعاني من ازمة بنيوية وتردي ظروف العمل وكثافة استغلال العاملين وانتشار عمالة الاطفال وتدهور المستوى المعاشي للناس واطلاق الاستيراد العشوائي والخراب الزراعي والصناعي وتفشي البطالة والفقر،مما يوفر تربة خصبة لتنامي شتى تيارات التطرف المعادية للديمقراطية.

   الاسوء من ذلك وذاك،ان الحكومة العراقية وبشخص رئيس الوزراء ومجلس الوزراء والناطق الرسمي له لم ينفكوا في عقد المؤتمرات الموسعة التحشيدية لمنظمات المجتمع المدني بين الفينة والاخرى،كان الغرض منها الادعاء بالديمقراطية وتواجد المجتمع المدني او التغني بهما!ولم تقدم شيئا اذ لم تخرج عن ممارسة التكتيك السياسي او المناورات الوهمية،ولم تعني سوى ان الديمقراطية مغيبة،والمجتمع المدني في عرف الاصوليات المحافظة والراديكالية واحزابها الباحثة عن مجد من امجاد مخلفات الدكتاتور قائد الضرورة،هو شعار فارغ لاغراض التنفيس والاستهلاكية وخداع للناس ليس الا!

   السيد نوري المالكي لم يحاول اصلاح ما افسده ابراهيم الجعفري في مضمار الحقوق النقابية والمهنية بل ابقى على الاخطاء ذاتها وزاد الطينة بله بمحاولاته تجيير الأمور لصالحه،فأقدم على خطوات اخرى اضرت بجميع النقابات والاتحادات والجمعيات،لكن العاملين فيها ممن تمرسوا بالعمل النقابي والجماهيري ظلوا يناضلون في سبيل حقوقهم التي اقرتها القوانين والتشريعات المحلية والدولية.النقابيون لم يكونوا ينتظرون من الحكومة هذا الموقف غير المنصف،بل توقعوا منها احترام استقلالية منظماتهم ورفع التجميد عن اموالها،وتكريم الرواد والمبادرين والقادة الذين كان لدورهم في بناء الوعي الوطني العام وفي تكريس قيم التمدن والتحضر والتقدم اثر واضح في السعي لاقامة العراق الجديد،فالدستور كفل لهم حقوقهم،لذلك ينبغي انصافهم،بدلا من تهميشهم كما يجري الآن.

    وضربت حكومة نوري المالكي كل النصائح والمشورات الحكيمة بعرض الحائط،بل ولم تأخذ حتى برأي هيئة المستشارين في مكتب رئيس الوزراء نفسه المنحازة للنقابات والاتحادات والمنظمات المهنية وتقديم الدعم المالي لها،واستمرار هذه المنظمات في اشغال البنايات التي تشغلها حاليا،ومناصرة رقابة المفوضية العليا المستقلة للانتخابات على الانتخابات النقابية والمهنية.فقد اصرت اللجنة الوزارية العليا المشرفة على قرار مجلس الحكم رقم 3 لسنة 2004 باختيار اعضاء اللجان التحضيرية للنقابات والاتحادات والمنظمات المهنية التي سيقع على عاتقها ادارة شؤون الاتحاد او النقابة لمدة 90 يوما،والاعداد لاجراء الانتخابات لاختيار مجلس ادارة دائمي.يذكر ان عدد النقابات والاتحادات والجمعيات والمنظمات المهنية وحدها يبلغ قرابة 42 وفق كتاب هيئة المستشارين في مكتب رئيس الوزراء الى الامانة العامة لمجلس الوزراء والمرقم ق/385 والمؤرخ في 7/7/2008 حول ضوابط تشكيل اللجان التحضيرية لانتخابات النقابات والاتحادات والجمعيات والمنظمات المهنية.

  ولم تتراجع الحكومة العراقية عن مواقفها في هذا الشأن التي لا تبشر بالخير ان تواصلت في الممارسة العملية،مواقف مريبة وغير ديمقراطية بشؤون لا تخص الحكومة ووزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني،بل تسقط في الدعاية الحكومية والانتخابية،لانها تريد ممارسة الحياة الديمقراطية على هواها،وبالطريقة التي تختارها هي رغم انف الدستور،في حين تمارس التدخل في الشأن المؤسساتي المدني بالطريقة الفجة التي لم يمارسها الا البعثيون من قبل،بعد ان جعلوها في خدمة الحزب الحاكم ومرتزقته.نعم،مواقف براغماتية محضة عبر الغاية تبرر الواسطة،هدفها السيطرة على النقابات واخضاعها للقوى المتنفذة الامر الذي يتعارض مع الف باء الديمقراطية وحقوق الانسان.مواقف تتناقض مع ما يبشرنا به رئيس الوزراء وناطقه الرسمي بأنه لم يعد شموليا كالقوى الطائفية،وليس شوفينيا كالشوفينيين السابقين الموجودين في العراق وفي الحكم ايضا،وانه ليس مستبدا بل ديمقراطيا يسعى الى تطبيق القانون،ولهذا السبب شكل قائمة ائتلاف دولة القانون،ويريد ان يدخل الانتخابات العامة بها،فهل هذه التصرفات هي تطبيق خلاق لدولة القانون ام تجاوز فظ عليها من الحكومة التي تريد حفظ وحماية القانون وتطبيقه؟ومن المؤسف ان تتوالى انتهاكات حقوق الانسان هذه والتجاوزات الحكومية في ظل صمت مطبق من مجلس الرئاسة الموقر الذي يعتبر الضامن على الالتزام بالدستور كما جاء في المادة 67 منه،ولجنة مؤسسات المجتمع المدني،ومجلس النواب الذي يراقب الحفاظ على سيادة القانون.

   واقع الحال يؤكد سير الحكومة العراقية حثيثا في اتخاذ مجموعة اجراءات وقرارات مجحفة بحق العمل النقابي والمهني وشل فاعليته بما يتعارض مع المادتين 22 الفقرة ثالثا و45 الفقرة اولا من الدستور اللتان تؤكدان على الاستقلالية التامة لعموم المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والدعم الايجابي من جانب الحكومة لها،منذ قرار مجلس الحكم المرقم(3)لسنة 2004،والامر الديواني 626 لسنه 2004،والتعيم المرقم 3908 الصادر عن الامانة العامة لمجلس الوزراء،والامر الديواني رقم 8750 لسنة 2005 القاضي بوضع اليد على اموال المنظمات والنقابات وتجميد ارصدتها والذي يعني اساسا هو تجميد نشاطاتها والتدخلات المستمرة للجنة الوزارية العليا المنبثقة عن قرار مجلس الحكم رقم(3)وتشكيل لجان تحضيرية بموجب قرارات حكومية،وكذلك تمسكها بالقرار 150 لسنة 1987 الذي اصدره النظام المقبور والمتضمن تحويل العمال الى موظفين وحرمانهم من حقوقهم في العمل النقابي والمهني.

   بعد مرور اكثر من ستة اعوام شهدنا ونشهد غياب وتغييب وتهميش للحركة الاجتماعية والمؤسساتية المدنية لدوافع شتى اغلبها سياسية،لتتفجر التناقضات الاجتماعية وتتفاقم بشكل حاد،فكان النهوض المرتقب للشعب نحو اخذ دوره في حراك المشهد العراقي عبر فعالياته النقابية التي تنسجم مع فضاء الديمقراطية المتعارف عليها في العالم المتمدن،نهوض تجلى في البيانات التي صدرت من بعض المنظمات المهنية(النقابات والاتحادات والجمعيات)التي بدأت ترفض الهيمنة التي ابتلى بها الشعب من قبل الحكام والقوى السياسية المتنفذة منذ تأسيس الدولة العراقية اوائل القرن العشرين،وتجلى في المسيرات السلمية والاعتصامات والتظاهرات.وكانت هذه المنظمات والنقابات والاتحادات،وشعورا منها بالمسؤولية تجاه مصائر البلد قد قدرت حساسية الظروف والمرحلة الأنتقالية التي يمر بها العراق وحجم التآمر الكبير الذي كان يتعرض له،واتخذت موقفا مهادنا مع الجهات الرسمية وتعاطت مع اجراءاتها خدمة لمصالح الوطن والشعب العليا في فترة حرجة مرت بها البلاد،الا ان الفترة الأخيرة شهدت تصعيدا اضافيا في التدخلات الفظة وتوجيه التهديدات والانذارات لأعضاء مجالس ادارتها للهيمنة عليها!

    لم تستطع الحكومة العراقية والقوى السياسية المتنفذة من فرزنة المفاهيم الاساسية في معجم المؤسساتية المدنية،ولم تستطع التمييز بين المجتمع المدني،المؤسساتية المدنية،المنظمات غير الحكومية،الحركات الاجتماعية،الجمعيات الاهلية،النقابات،الجمعيات الخيرية،جمعيات حقوق الانسان،النوادي السياسية والاجتماعية والرياضية،مراكز الشباب،الاتحادات التعاونية،حركات السلم والتضامن،الحركة النسوية،الشركات،الشركات المساهمة،المجالس المحلية والبلدية،المؤسسات والمؤسسات الدينية،الاحزاب السياسية!لكن المؤكد ان الحكومة وجدت نفسها فجأة امام تاريخ غني للشعب العراقي وحركته الوطنية وراسخة جذوره عميقا في الارض والتربة العراقية ولا تستطيع تجاهله وشطبه بجرة قلم!وجدت نفسها فجأة امام صرح هائل من الحركات الاجتماعية والمؤسساتية المدنية اتقنت ثقافة المعارضة والثقافة الاحتجاجية والانتقادية والمطلبية!

  الحكومة العراقية تبدو من حيث الشكل والاطار القانوني متسقة مع المعايير الديموقراطية الاساسية،لكنها في جوهرها،تفتقد الى المحتوى الديمقراطي.واعتمدت الحكومة المحاصصة غير السياسية الديموغرافية اساسا لتشكيلها وليس المحاصصة السياسية التي ترتكز على عدد المقاعد.عطل ذلك ثقافة المعارضة والثقافة الاحتجاجية والانتقادية والمطلبية التي تقتضي المحاسبة والمراقبة والمساءلة،وصولا الى سحب الثقة من هذه التشكيلة الوزارية اذا اقتضى الامر ذلك.التوافقية لم تكن سياسية مدنية بل كانت غير مدنية"طائفية وعرقية"،واعتمدت على مبدأ المحاصصة التي تنتج وتعيد انتاج التكتلات وفق رغبة الولاءات دون الوطنية،وتخشى المنظمات غير الحكومية لأنها تهيج ثقافة المعارضة!.

·        الوصاية واصطناع المثل السياسية

  القوى السياسية المتنفذة التي تتربع على مقاليد السلطة في عراق اليوم تتسم بالتعسف العقائدي واصطناعها المثل السياسية على قدر حجمها،الامر الذي ساعد على ترسيخ ميراث ثقافة الخوف والشك بالمواطن والمواطنة،وتمتلك باع طويل من القرارات والاجراءات غير المدروسة،ولم تقدم شيئا اذ لم تخرج عن ممارسة التكتيك السياسي والايحاء بتنشيط  المجتمع المدني وتفعيل الديمقراطية شعارا لاغراض التنفيس،وسفسطة كأن الشعب العراقي بات تلميذا اما في كتاتيبها او في مدرسة واشنطن التأديبية.قرارات واجراءات متزمتة قرعت جرس الانذار عن جهد واع وتصميم مسبق لسياسات تحويل ابناء الشعب الى قطعان يسهل تسخيرها!

  القوى السياسية المتنفذة تتخوف من منظمات المجتمع المدني والنقابات وتتخذ مواقفها اعتمادا على معيار حاجة احزابها وآيديولوجياتها وكراسيها اليها لا على  قياس مدى حاجة المجتمع الى تلك المنظمات،فهي منظمات غير حزبية وغير حكومية ولا تسعى الى الوصول الى السلطة ولا حتى المنافسة عليها،وانما هي منظمات الشعب العراقي.من هذا المنطلق تسعى هذه القوى لشرذمة هذه المنظمات الى معسكرات سياسية وجماعات ضغط متنافسة.ويتمثل السعي هذا في:

   وكانت القوات الأمريكية وتصحبها قوات الحرس الوطني قد تمادت باقدامها صباح 23/2/2007 على اقتحام مبنى مقر الاتحاد العام لعمال العراق في شارع الرشيد ببغداد دون اي مبرر او مسوغ قانوني او أي شعور بالمسؤولية المهنية  والاعتبارات الأخلاقية،واعادت هذه القوات استعراض عضلاتها وهمجيتها يوم 25/2/2007 شاهرة عدائها لصناع الحياة كاشفة عن وجهها القبيح ضد تطلعات العمال ومؤسساته.

  لقد تصاعدت حملات الاغتيال والاعتداءات والتهديدات بعد التاسع من نيسان عام 2003 على الصحفيين والاعلاميين اذ قُتل منهم حتى اليوم،اكثر من 234 على ايدي مسلحين وميليشيات و42 خلال تواجدهم في اماكن وقعت فيها انفجارات ارهابية و22 بنيران القوات الامريكية و2 بنيران القوات العراقية،واعتقل 50 صحفيا،واختطف 45 صحفيا اجنبيا وعراقيا تم الافراج عن بعضهم بفدية مالية،وبـشروط المبادلة بالـ" الدولار"دفعتها مؤسساتهم او دولهم عبر وساطات محلية!.وخضع الصحفيون العراقيون الذين تعرضوا للاختطاف للتعذيب بقسوة ووحشية،واصيب بعضهم بعاهات دائمة،ولا يزال بعضهم مجهول المصير.

   قبل ذلك بأشهر القت الحكومة العراقية القبض على اعضاء الهيئة الادارية الشرعية لنقابة المعلمين دون وجه حق وحجزت على موجودات النقابة بلا غطاء قانوني،ثم اعتدت القوة الامنية في ساحة الفردوس على التظاهرة السلمية لنقابة المعلمين يوم 21/3/2009 في اجراء قبيح يفتقر للسلوك الحضاري عبر التجاوز على معلمي العراق ووسائل الاعلام،وتأكيدا ان ثقافة الدكتاتورية وادبياتها التي خرجت مع الطاغية المقبور من الباب تعود الينا اليوم من الشباك!.

   لقد تعاملت اللجنة المذكورة مع جموع المهندسين من منطلقات استعلائية،الامر الذي حدى بائتلاف المهندسين العراقيين الذي يمثل شريحة واسعة من المهندسين في بلادنا ان ينبه اللجنة المذكورة اكثر من مرة على استغفالها الجموع الهندسية منذ الترشيح لعضوية المؤتمر العام للنقابة للفترة 30/4/2006 لغاية 29/5/2006 في بغداد والمحافظات،وتمديد الترشيح فيما بعد،وتأجيل الانتخابات!


بغداد
23/11/2009