الهجرات الاحترازية والقسرية والحلول الترقيعية في العراق

عدد المشاهدات: 13التصنيف: مقالة

المهندس الاستشاري/ سلام ابراهيم عطوف كبة

   بعد ان اقتحمت موضوعة المهجرين واللاجئين العراقيين الادب السياسي كواحدة من ابرز قضايا الاضطهاد والتمييز في العراق،باتت مشكلة كبيرة تواجه الدولة العراقية،لأن الاسباب التي دفعت الملايين الى الهجرة والترحال القسري،ومهما اختلفنا في تحديد جذورها وتشخيص المسؤول عنها وتباينت الآراء بصددها،بقت وتبقى خطيرة!ولم تظهر مشكلة التمييز الطائفي والتهجير وقضية اللاجئين العراقيين مع انقلاب 17 تموز سنة 1968 رغم انها تفاقمت واتسعت وشملت مئات الآلاف من المواطنين وابناء الشعب العراقي واصبحت احدى مظاهر ازمة النظام الممعن في اجراءاته القمعية المعادية للحريات والحقوق الانسانية والتي ادت الى ان يعيش قرابة الثلاثة ملايين مواطن عراقي مكرهين خارج وطنهم تتوزعهم المنافي القريبة والبعيدة!

·        التهجير تأريخا واجراءا عقابيا

    اصبح التمييز الطائفي جزءا من النظام القائم في العراق اثر تشكيل الدولة العراقية الحديثة اوائل العشرينات والثغرات الشوفينية والتمييزية التي احتوتها صيغ اول قانون للجنسية العراقية رقم(42)لسنة 1924 وقانون الجنسية لسنة 1963 المرقم(243).لقد تعرض الآشوريون والارمن منذ العهد العثماني لشتى انواع المضايقات والمطاردة،بينما تضرر اليهود العراقيون باجراءات السلطات الحاكمة اعوام 1941 – 1950،عبر القرارات الكيفية ومصادرة الأموال والممتلكات.

   وشهدت اعوام 1963 – 1968 حملات قمع وتهجير واسعة ضد الحركات السياسية ورموزها،ولاعداد من سكان الجنوب العراقي بذريعة التبعية لايران ولضيق اصحاب الكفاءات باجواء القمع السلطوي،وبلغ عدد المهاجرين العراقيين من اصحاب الكفاءات خلال ثلاثة اعوام فقط بين(1966 – 1969)4192 شخصا الى الولايات المتحدة و254 شخصا الى كندا،وان عدد الذين نالوا الجنسية الامريكية من هؤلاء خلال الفترة المذكورة 975 عراقيا.

  تكرست اعمال التهجير بحجة التبعية الايرانية وظهرت مشكلة الأكراد الفيلية ونال الشيعة والاكراد الفيلية بدعوى الاصول الايرانية في اعوام 1969-1971(150000 مهجر)حصتهم من التهجير القسري،وضربت السلطات بعرض الحائط جميع القوانين الدولية والداخلية النافذة.واثناء محاولات صدام ضرب الثورة الكردية تم تهجير مئات الآلاف من الأكراد العراقيين من قراهم ومزارعهم(مسقط رؤوسهم)الى مناطق بعيدة ونائية وعبرت البقية الى تركيا وايران.كانت الهجرة الواسعة للاكراد العراقيين باتجاه ايران ودول اخرى بعد توقيع النظام العراقي اتفاقية الجزائر عام 1975 مع نظام الشاه اعوام 1975 – 1978،والتي مكنته من التفرغ لشن حملات قمع وابادة ضد الاكراد العراقيين في منطقة كردستان،وتهجير اكثر من 150 الف مواطن كردي عراقي من مناطق سكناهم في كردستان الى مناطق اخرى في الوسط والجنوب،وتم توطين قسم كبير من هؤلاء المهجرين في بيئات صحراوية لم يعتادوا عليها.الانفال الكردستانية – الجريمة الكبرى وعشرات الالاف من الضحايا الكرد وما يقارب من نصف مليون مشرد ومهجر الى ايران وتركيا والمحافظات العراقية.لقد هدمت الدكتاتورية اكثر من 4000 قرية كردستانية بزعم تمدين ساكنيها وتخليصهم من العلاقات البطرياركية السلفية وتوطينهم في مجمعات(الأوردكا)وهي اقرب الى معسكرات الاعتقال منها الى اي شئ آخر.وقد بلغ عدد القرى والقصبات المهجرة من عام 1963 حتى عام 1988 في كردستان العراق 3199.

   وفق المركز الوثائقي لحقوق الانسان في العراق بلغت اعداد المهاجرين والمهجرين الى ايران اعوام 1980 – 1988 النصف مليون مواطن،بينهم التجار الشيعة وسكان الجنوب بحجة التبعية الايرانية!اما هجرة ما بعد انتفاضة 1991 فتعد من الهجرات الكبيرة في تاريخ العراق وجعلت العراقيين يقفزون في احصائيات الأمم المتحدة الى الموقع الرابع بين الدول الاكثر تصديرا للمهجرين في العالم.

  لقد فاق نظام صدام الجميع في اتساع انتهاكات حقوق الانسان والحريات الديمقراطية بعهده الذي اصبح زاخرا بالجريمة والارهاب.وتحول التهجير القسري الشامل للقرى والمدن،واسقاط الجنسية عن عشرات الألوف من العوائل العراقية،وارغام البقية المتبقية الى عبور الحدود هربا من آثار استخدام الأسلحة الكيمياوية والقصف الوحشي ومن بطش النظام،تحول كل ذلك الى حجر زاوية في سياسة غدر الطغمة الحاكمة واجراءاتها الانتقامية العقابية ضد خيرة أبناء الشعب العراقي.

·        التهجير والطائفية السياسية

  سبب الاحتراب الطائفي اعوام 2004 – 2007 اضخم هجرة داخلية والى خارج العراق في تاريخ العراق والمنطقة برمتها منذ نكبة فلسطين 1948.وبقي العراق في المركز الأول لجهة عدد طلبات اللجوء عام 2009 وللسنة الرابعة على التوالي،اذ لم يعد التهجير في بلادنا حوادث متفرقة تروى بل بات حالة مقرفة وظاهرة عينية مشفوعة بالادلة،تؤيدها الاحصائيات والارقام.التهجير القسري والاحترازي للعراقيين كان اكبر ترحال قسري يشهده العالم في تاريخه المعاصر،معاناة هائلة لخمسة ملايين عراقي هجروا في الداخل والخارج منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003،مخاطر مثلتها هذه الهجرة على وحدة اراضي العراق وعلى النسيج الاجتماعي لشعبه وعلى السلم والأمن الدوليين.واقتصرت اجراءات الدولة العراقية على البيانات الخجولة والاجراءات اقل ما يقال عنها انها لا تتناسب مطلقا مع حجم الجريمة التي تسببتها قوى الاسلام السياسي المتطرفة وميلشياتها المسلحة على نحو خاص،مع حجم الخسائر البشرية الفعلية الكبيرة جدا والمريعة حقا التي تحملها الشعب العراقي وعدد الجرحى والمعوقين والمصابين بعلل اجتماعية ونفسية كبيرة،مع حجم الخسائر المالية التي تحملتها خزينة الدولة والعواقب الوخيمة التي ترتبت عنها على الاقتصاد العراقي والتنمية الاقتصادية والبشرية والتي رفعت من الحجم الكلي للخسائر المادية والبشرية التي تحملها العراق عبر العقود الأربعة المنصرمة والتي كان الشعب العراقي بحاجة ماسة الى تلك الأموال والى اولئك الناس من اجل النهوض من كبوته وسباته الطويلين ومعاركه المريرة التي اجبر عليها،مع حجم الأموال التي سرقت من خزانة الدولة العراقية او من المساعدات التي قدمت له خلال سني ما بعد التاسع من نيسان ودخلت في جيوب القطط السمان والحديثة النعمة من مختلف الأصناف.

   الطامة الكبرى ان الحكومة العراقية هي دون مستوى المشكلة والمسؤولية،ولم تخطو الخطوات الضرورية التي تعبر عن الحرص على هذه الملايين من ابناء شعبنا،وهي ملايين تركت مصائرها الى مشيئة الأقدار.ورغم اتخاذها مجموعة من القرارات والتدابير الرامية الى تشجيع وتحفيز عودة النازحين واللاجئين الى ديارهم،ومع تحقيقها المكاسب الامنية النسبية،فان المهجرين واللاجئين مستمرون بالبحث عن انسانيتهم المهدورة لمواجهة المعاناة المريرة وابسط مقومات الحياة والبطالة وقلة فرص العمل وتردي الخدمات وغير ذلك،الى جانب اصوات التهديد والوعيد التي تدعوهم الى العودة من حيث اتوا،بعد ان امتدت جذور مشكلتهم في قلب الملحمة السياسية العراقية.ولا تتحرك الحكومة العراقية بالقوة والصرامة المطلوبة لمعالجة قضية المهجرين واللاجئين الذين يشكلون نسبة 10%من الشعب العراقي!والمشردين عن ديارهم المطوقين بالخوف واليأس!والذين انتزع العنف منهم ذكرياتهم ومنازلهم الاولى الحميمة!والعراقيين الذين تطحنهم رحى الغربة!

·        المعالجة الواقعية لا الحلول الترقيعية

   ان ازمة اللاجئين في العراق تزداد تفاقما،وان احوال العديد من الاسر ساءت الى حد الاملاق وهي تواجه خيارات مستحيلة ومخاطر مستجدة كتشغيل اطفالها او مواجهة احتمال الاضطرار الى العودة الطوعية الى ديارها بسبب تدهور ظروفها.وما قامت به الحكومة العراقية والجهات المعنية من اجل المهجرين ضئيل جدا بالمقارنة مع احتياجاتهم الضرورية،ومن المؤسف ظاهرة عدم سماح عدد من المحافظات للمهجرين البقاء ضمن حدودها الادارية.وتتغافل الحكومة ان عمليات التهجير في اطارها العام قد خضعت اصلا الى اهداف ومصالح واجندات،وجرت على مستوى التطبيق الميداني اساليب تهديد مباشرة وعلنية وبشتى السبل،وتسببت في نشر الذعر العام،وتوسعت السوق الرائجة لاصحاب الغرض السيئ وللعصابات الخارجة عن القانون والتي لم تترك وادي الا وسلكته،لترحل الكثير من العوائل احترازيا واستباقا للوقت ليكونوا اصحاب المبادرة قبل ان تفرض عليهم وتكون القضية بين الحياة والموت!وتتناسى الحكومة العراقية ان عمليات التهجير استهدفت بالاساس تمزيق النسيج الاجتماعي العراقي وابداله بصبغة طائفية او عرقية وتحويل نعمة التنوع الى مشكلة تؤرق العراقيين  وباب للاحتقان الطائفي يمكن ان يفتح في اي لحظة،وخلق جبهات متقابلة لدى جميع الاطراف واستخدام اصحاب الغرض السيئ والنفوس الضعيفة في تهديد جميع الاطراف!

   لحل موضوعة اللاجئين والمهجرين لابد من:

ان التقاعس في مواجهة قضية المهجرين واللاجئين يسهم بالتدهور الحاد الذي تشهده حماية حقوق الانسان في بلادنا،ويبقى الهدف المركزي الذي يوجه الفكر الرجعي ضرباته اليه هو وحدة القوى الثورية والوطنية والديمقراطية عبر تأجيج الأحقاد والضغائن بينها وتضخيم الخلافات الثانوية وطمس نقاط الالتقاء وتحقيق الاجماع الوطني حول التغيير الضروري للدولة وتحديد طبيعتها ودورها في المجتمع،والارتقاء بالجهود الى مستوى المرحلة السياسية وتحدياتها وما تحمله من مخاطر وصعوبات،وفي سبيل بلورة برنامج للعمل المشترك وصياغة الآليات وتحشيد القوى الكفيلة بتحقيقه،والحذر من الخطاب السياسي الذي يعيد انتاج السياسات العاجزة.

بغداد
3/11/2009