سلام إبراهيم كبة
سلام كبة
تلقيت نبأ افتتاح قسم صغير في مكتبة كلية الادارة والاقتصاد / جامعة بغداد يحمل اسم الدكتور ابراهيم كبة الشهر الرابع من هذا العام بارتياح وارتياب في آن،لعدم اتساق هذه المبادرة الشجاعة الخجولة مع التوجه العام السائد في العملية التربوية-التعليمية!وهذه المشاعر هي امتداد ايضا لنبأ اوردته الموسوعة الحرة – الويكيبيديا – يذكر ان مكتبة الجامعة المستنصرية اقتنت بعض المكتبات الخاصة ومنها مكتبة الاستاذ ابراهيم كبة!وللأمانة والتاريخ كان على المؤسستين الاكاديميتين الأستئذان اولا من تراث المرحوم الدكتور كبة قبل ان تقدم على اجراءآت كهذه!وهل تنصف هذه الاعمال الدكتور كبة الذي ذاق الأمرين من النخب الفاسدة التي ادارت ملف التعليم العالي طيلة نصف قرن مضى؟!وهل اعادت الاعتبار لشخصه الكريم اولا ولتراثه – الكنز الثمين ثانيا؟بعد ان حاربته ورفضت منحه درجة الاستاذية فترة من الزمن،واحالته على التقاعد عام 1977 لدرء مخاطر الاشعاع الاشتراكي العلمي!وكانت فترة(1977- 2004)من اكثر الفترات ظلامية في تاريخه،حيث بقي في شيخوخته حبيس الضغوطات الدكتاتورية القومية – الطائفية المنهالة عليه من كل حدب وصوب وذكريات الماضي البعيد والقريب وذكرى رفاقه واصدقاءه الذين رحلوا وغيبتهم زنازين الاعدام والسجون والنسيان،لكنه خلف لنا خزين من التجربة السياسية والاكاديمية والفكرية والمؤلفات والترجمات عن الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية،والتي نشرت بعضها بأسماء مستعارة.
الدفاع عن الطائفية والمحاصصات الطائفية هو طبل فارغ يتعامل مع جسد ميت.هكذا تنتعش الطائفية عند المكونات الاثنية الدينية شبه المستقلة قوالبا جاهزة لتقوقع الانقسام الطائفي ومؤسساتا شبه معبأة لخدمة المصالح الفئوية الضيقة ولتهديد وحدة الشعب الوطنية!والطائفية ركيزة اساسية في رحم المجتمع القديم تعرقل المفاهيم الديمقراطية والاستقرار الامني والاجتماعي والشرعية المشتركة والمشروع الوطني المشترك والتداول السلمي للسلطات.وهي تعرقل الديمقراطية كمشروع للعقل الاجتماعي والسياسي في المجتمع اي مشروع المعقول الاجتماعي والتشارك السياسي والترابط بين العاقل والمعقول!
لم تتخلص الجامعات العراقية من مخلفات الدكتاتورية البائدة،ولازال العديد من رؤسائها وهيئة رئاساتها وعمدائها ونوابهم ومعاونيهم لشؤون الطلبة يحاولون تسيير الشؤون الاكاديمية اعتباطيا ووفق المزاجية المفرطة والهوى الطائفي السياسي القائم بعيدا عن العقلية المؤسساتية العصرية،في الوقت الذي يعاني فيه الاساتذة الجامعيون من الذهنية التي كانت سائدة في العقود الأخيرة – العقدة المستعصية في مقاومة الاشتراكية لا بالعلم والجدل العلمي بل بتعريض اصحابها الى الاهانة المعنوية والايذاء المادي!وتحولت كليات جامعية غير قليلة الى بوق طائفي تفترشه الكراريس والكتب الطائفية،ليجر تحميل لوحات الاعلانات فيها والتي من المفترض ان تكون وسائل اعلامية اكاديمية ومهنية وتحوي أسماء الاساتذة والتبليغات الجامعية،تحميلها بدلا من ذلك الفتاوي ومنها مشروعية الحجاب والفتاوي البليدة!وبدل صور اسحق بن حنين والفارابي وابن سينا والفراهيدي وابن خلدون ونيوتن وغاليلو وآينشتاين ومندلييف ومدام كوري يجري تعليق صور خميني ورجال الدين في العراق.وليس غريبا ان نجد اليوم وزارات كالثقافة والتربية والتعليم العالي تعج بالموتورين من الحثالات الثقافية – القطاعات المنبوذة المتساقطة في معمعانة الصراع الثقافي حامي الوطيس.حثالات تشيع مشاريع الجهاد واحتراف القتل الى ما لا نهاية”شعوذة المخصيين”،وتنشر ثقافة الخداع الدائم والشقاوة الابدية والرايات السوداء والملابس السوداء والبكاء على الأموات والاطلال واللطم على الصدور وضرب الرأس بالقامات واسالة الدماء منها ولبس الأكفان البيضاء والتباهي بها وضرب السلاسل وتعذيب الذات.
الاعتداءات الاجرامية والاختطافات والاغتيالات تطال الاكاديميين،وتقر الحكومة العراقية بمسؤوليتها عن العديد منها،والتفجيرات الارهابية تطال الجميع!الطلبة والطالبات يواجهون اعتداءات الميليشيات الحكومية ببطولة متناهية،اعتداءات بأغلظ العصي والكيبلات واللكمات واطلاق النار وتمزيق الملابس على طريقة الحرس الايراني اللا ثوري ومن قبله المخابرات الصدامية،وبمباركة وحضور رؤساء الجامعة انفسهم احيانا(انظر جامعة النهرين مثلا في حفل تخرج آخر وجبة)!أبهذه الذهنية والعقلية المسيطرة على بعضهم والوضع الامني الاكاديمي المتردي تريدون ان يقف التعليم العالي شامخا؟لا عجب ان الجامعات العراقية تحتل ترتيب متدني قياسا بالجامعات الموجودة سواء على مستوى المنطقة العربية او العالم وفق”التصنيف الانترنيتي للجامعات في العالم”او موقع”Webometrics” الذي يصدره”المجلس الاعلى للبحث العلمي”في اسبانيا،وهو احد اهم المراجع الدولية المعتمدة،مما يؤشر للهبوط الحاصل في مجال البحث العلمي في بلادنا وما آلت اليه السياسات غير المتوازنة تجاه المسيرة التعليمية والعلمية!
تركز قوى الظلام اليوم مثلما ركز البعث وجرابيعه بالامس على الاستاذ الجامعي العراقي كونه قائدا اجتماعيا وسياسيا ورائدا في التنوير الفكري الفلسفي،وكونه رمزا للعقل الجمعي لمجتمعنا.فكان الاحتفال الشعبي بالأستاذ العراقي علما محفورا في الذاكرة الشعبية العراقية مثلما تحتفظ تلك الذاكرة بالزعماء والقادة والابطال!والسنوات القليلة الماضية شهدت تهديد واختطاف واغتيال افضل الاساتذة،واضطر من تبقى على قيد الحياة للهرب الى الخارج!وقد عينت الحكومات العراقية المتعاقبة في ادارة الجامعات والكليات الافراد الموالين لها،و”جاءت التعيينات على اسس طائفية وبشهادات مزورة تم شراؤها بسهولة لاستشراء وتفشي الفساد في التعليم العالي”.ولم تظهر الحكومة العراقية اية رغبة في اعادة بناء التعليم في العراق ولا اعادة بناء البنية التحتية المدمرة ولا تغيير نوعية التعليم،وان نفوذ الميليشيات الحزبية الطائفية داخل الجامعات هو احد اسباب تردي الاوضاع في هذه الجامعات!
المؤسسة الاكاديمية روح المجتمع المدني الحديث وقلبه النابض يشغل الاكاديميون موقعهم الطبيعي فيه بالإسهام الجاد في تاريخ العراق المعاصر عبر المؤسساتية الاكاديمية وباقي المؤسسات المدنية،سواء كان ذلك عن طريق المهنة – الاختصاص أو من خلال أدوارهم السياسية كمواطنين مشاركين في الشأن العام او عبر نشاطهم في الحركة الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية.المؤسسة الاكاديمية وطنية ديمقراطية الطابع وحرة ذات شخصية متميزة،وهي جزء من حركة شعبنا الوطنية لا تنفصل عنها وتناضل من اجل سلامة العمل الاكاديمي في بلادنا.
العقلية الاكاديمية المؤسساتية العصرية عقلانية الطابع تحكم العقل في التفكير والسلوك وتنبذ الفردية في اتخاذ القرارات ورسم السياسات،وتقوم على صرحها العلمانية أي التفكير الاجتماعي القائم على فصل الدين عن الدولة والحماية الحقة لحرية الدين والعقيدة والفكر والابداع،وبالتالي المجتمع المدني.وتقطع العقلانية الطريق على العقل الايماني الذي يعيد انتاج الدوغما والفئوية والخطاب الطائفي والديني الذي ينادي بصرامة بالدولة الدينية المستبدة المؤسسة على الحاكمية وولاية الأمر وفقه الغلبة وولاية الفقيه ولو بصيغ جديدة!وتحويل الدين الى مجرد وقود سياسي!وينبذ المنهج العلماني التوفيقية ليؤكد ثورية العلم واخلاقيته!
منذ 14 رمضان الاسود وحتى يومنا هذا تفرض الطبقات الرجعية كلمتها القذرة النتنة على الطبقات ذات المصلحة في التقدم الاجتماعي بالارتدادات والنشاطات الرجعية والارهابية التي تعرقل تقدم المجتمع او البشرية والدفاع عن القديم البالي ضد الجديد الناشئ الثوري ليدفع الشعب العراقي ثمنها من دماءه الغالية ويتحمل اعباءها المادية!وسفسطائية عهد ما بعد التاسع من نيسان 2003 امتداد لحركات الارتداد عن مسيرة ثورة 14 تموز ومواصلة نهج خداع الشعب العراقي بالنفعية والانتهازية وموالاة احضان مراكز العولمة الرأسمالية!المؤسسة الاكاديمية العراقية تتأرجح بين العمل الحر المستقل والظاهرة السفسطائية نصف قرن من الزمن،ولا توجد اية بارقة امل في الافق!
لا يسمح شعبنا العراقي مطلقا باستنساخ نماذج لا تجلب الا الويل والثبور ومنها تحديدا الديمقراطية الطائفية او ديمقراطية المحاصصات او عفوا الدكتاتورية الطائفية،تبا لها وتبا لطباليها وتبا للفكر الرجعي المتجدد دوما في العراق!وتبا لصعاليكه!بينما تعلمنا منهجية الدكتور الراحل ابراهيم كبة ضرورة البحث والتعمق في مجتمعاتنا والنظر بأحترام للموروث الحضاري والثقافي وادراك طبيعة التزاوج الاجتماعي والديني ونسيجه المؤثر في دفع حركة التغيير والكف عن التسطيح والطفولية الفكرية في تناول مسألة الدين والموقف منه.وتعلمنا منهجية كبة بضرورة ادراك التشابك الذي لا ينفصم بين المسؤولية الوطنية والاجتماعية،فالفشل هو من نصيب من يحاول التضليل لتبرير توجهاته الفكرية والسياسية والقول بأمكانية تحقيق المصالح الطبقية والاجتماعية للشعب العراقي في ظل سلطة الاحتلال وتوابعها،والتي ساهمت في تدمير بلادنا وسرقة ونهب ثرواتنا،ومحاولتها لضرب وتفتيت البنية الاجتماعية لنسيجنا الوطني.كما تعلمنا منهجية العالم الجليل كبة ان الطائفية السياسية والدينية ولاء عصبوي دون وطني،كالعشائرية مرادفة للجهل والامية والاقتتال الدموي المستمر،وتمتلك امكانية الانفلات من العقال وخوض الحروب الاهلية واقتراف الجرائم والاعمال الارهابية او التحول الى عصبية اجتماعية في لعبة الولاء والسلطة مالم يجر اخضاعها من الدولة والحكومة المركزية.
في “الفكـر الرجعـي في العـراق ” كتب ابراهيم كبة :”ان انبعاث الفكر الرجعي في العراق …. لا يعود لأسباب فكرية خالصة تتصل بتشبثه بحجج جديدة مقنعة تستحق المناقشة،بل هو يعود في الاساس الى دوره القديم – الجديد كسلاح من اهم اسلحة الردة المستشرية في البلاد،والتي بدأت طلائعها في الواقع منذ السنوات الأخيرة لحكم الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم،وذلك لاسباب موضوعية كثيرة اهمها تغير المواقع الطبقية بعد تموز،قيادة البورجوازية وبعض مراتب البرجوازية الصغيرة لحركة الردة،وتطلعها للسيطرة السياسية المطلقة في ظل الاستعمار الجديد واعتمادها على جبهة رجعية واسعة تضم اليمين الرجعي القديم(الإقطاع،البورجوازية العقارية الكبيرة،البورجوازية الكومبرادورية)والوسط الرجعي الجديد(البورجوازية الوسطى او الوطنية)وبعض مراتب البورجوازية الصغيرة المتخلفة المتقنعة بالأقنعة القومية والطائفية”ان الهدف المركزي الذي يوجه الفكر الرجعي ضرباته اليه هو وحدة القوى الثورية عبر تأجيج الأحقاد والضغائن بينها وتضخيم الخلافات الثانوية وطمس نقاط الالتقاء ضد التخلف الاجتماعي والاقتصادي.والتكنيك الرئيسي الذي يستخدمه هو تكنيك “اللاديمقراطية”،بالترويج لنظم الحكم الفردية والمؤسسات السياسية القائمة على المبدأ الأبوي والعشائري والطائفي،مبدأ الوصاية على الجماهير الشعبية،وفلسفة وتبرير الاحتكار السياسي والقيادة الانفرادية والدكتاتورية.والشعار الرئيسي الذي ما زال يستخدمه للتغطية والتضليل هو شعار”معاداة الشيوعية والعلمانية والعقلانية”مع توسيع هذا المفهوم ليشمل جميع المؤمنين بالديمقراطية وسيادة الشعب والحقوق القومية والاشتراكية العلمية”!
