المجتمع المدني وعقلية الوصاية في العراق

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

سلام إبراهيم كبة

تتخذ الدول والحكومات والبرلمانات احيانا قرارات واجراءات غير مدروسة اعتباطية تتضرر منها قطاعات واسعة من شعوبها،الغرض منها ديماغوجي ولاحتواء ازماتها،ثم تتراجع عنها،..الا ان اتخاذ هذه الاجراءات بحد ذاته يكشف لنا مدى الجهل والفوضى والخلفية البائسة التي تعكس نزعة التسلط والنفوذ وعقلية الوصاية التي عودتنا بمطالباتها الرعية السير خلفها لتمجيدها وللضحك على الذقون.عقلية الوصاية على العقل والعلم تتنافى مع مبادئ واسس المجتمع المدني وتنسجم مع المجتمعات الرعوية(من الرعية)!

مع الدمقرطة والمقرطة والمؤسساتية المدنية،في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة والاكتساح المعلوماتي المعاصر،وما يرافقها من انتعاش استهلاكي طفيلي براغماتي يخدم سياسات الاحتلال الاميركي في بلادنا،يجرف معه حتى النخب الاجتماعية والقيادات السياسية..لابد من فرزنة المفاهيم الاساسية في معجم المجتمع المدني والديمقراطية،والتمييز بالتالي بين:المجتمع المدني،المؤسساتية المدنية،المنظمات غير الحكومية،الحركة الاجتماعية،الجمعيات الاهلية،الاتحادات والمنظمات النقابية والمهنية،الجمعيات الخيرية،منظمات الاغاثة الانسانية،جمعيات حقوق الانسان،جمعيات حماية البيئة،النوادي الرياضية والفنية،الجمعيات الثقافية،الاعلام،جمعيات التضامن والدفاع عن انصار السلام،النوادي السياسية والاجتماعية،البرلمان،الاحزاب السياسية..الخ!

ظهر مفهوم المجتمع المدني مع التحول من دولة الحق الالهي الى دولة التعاقد الاختياري لابراز تحول اوربا من الاستبداد الى الديمقراطية البورجوازية،وترسخ المفهوم لاحقا مع محاولة الانظمة الشمولية القضاء على كل ما ليس تحت سيطرتها من دوائر مرشحة للعمل الاجتماعي والسياسي فيها.ويرتبط مفهوم المجتمع المدني بمفهوم الدولة الديمقراطية والدولة المدنية،والمجتمع المدني فكرا وثقافة وتاريخا ومؤسسات هو رديف لموضوعة الديمقراطية وممارساتها.ان ما يوازي المجتمع المدني الحديث من حيث دلالة استقلالية المجتمع عن الدولة عبر مؤسسات ومنظمات مستقلة او شبه مستقلة او وسيطة هو ما يمكن ان نسميه اصطلاحا(المجتمع الأهلي)في التاريخ السياسي والاجتماعي العراقي.يعني المجتمع الأهلي الولاءات القديمة دون الوطنية وريثة العلاقات ما قبل الرأسمالية حيث يبقي محافظا على كيانه ومقومات وجوده،الا ان المجتمع المدني يعني الولاءات الجديدة المنسجمة مع التقدم الاجتماعي.

تتداخل العلاقات الانتاجية والاجتماعية نتاج الانماط الاجتمااقتصادية من رواسب عشائرية وشبه اقطاعية وشبه رأسمالية وهويات جزئية وطائفية،وتتشابك بصورة غير طبيعية لتنتج المجتمع الاهلي.المجتمع الاهلي ينتج ظاهرات تمتزج بالديني والمناطقي والمحلي والاقليمي مما ينعكس سلبا على ادوار المنظمات غير الحكومية وتكوينها واهدافها واهمية فعالياتها المستقبلية.لقد بقي المجتمع الاهلي في العراق مهيض الجناح تهزه زلازل اعماق المخزون السلطاني والمملوكي الانكشاري وتتقاذفه حمم براكين القبلية والطائفية.المنظمات الاهلية هي غير المجتمع الأهلي لأنها جزء من آليات التحشيد الجماهيري واحدى الركائز التي يقوم عليها المجتمع المدني.

المجتمع المدني ليس فقط”المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال عن سلطة الدولة لتحقيق اغراض متعددة منها اغراض سياسية كالمشاركة في صنع القرار على المستوى الوطني ومثال ذلك الاحزاب السياسية ومنها اغراض نقابية كالدفاع عن مصالح اعضـائها ومنها اغراض ثقافية كما في اتحادات الكتاب والمثقفين والجمعيات الثقافية التي تهدف الى نشر الوعي الثقافي وفقا لاتجاهات كل جماعة ومنها اغراض للاسهام في العمل الاجتماعي لتحقيق التنمية”كما عرفته ندوة علماء الاجتماع العرب في بيروت عام 1992،وهو ليس فقط”الاطار الذي تنتظم فيه العلاقات بين افراده على اساس الديمقراطية ويمارس فيه الحكم على اساس اغلبية سياسية حزبية وتحترم فيه حقوق المواطن وتقوم فيه دولة المؤسسات بالمعنى الحديث للمؤسسات:البرلمان والقضاء المستقل والاحزاب والنقابات والجمعيات..الخ”كما عرفه الباحث العربي الكبير(محمد عابد الجابري)،وهو ليس فقط”التنظيمات المجتمعية بالقدر الذي تظهر وتنشط فيه وتقدم للانسان الفرد بعض البدائل خارج دائرة السطوة المباشرة للدولة”كما عرفه الباحث المصري عالم الاجتماع(الدكتور سعد الدين ابراهيم) عام 1988،وهو ليس فقط”مفهوما للعلاقات الاجتماعية يختلف عن المفهوم الذي اعتدنا عليه سابقا،هو مفهوم الوطن بدلا من مفهوم العشيرة او المحلة، وصارت الحكومة بمؤسساتها وقوانينها هي التي يجب ان يخضع لها الفرد بدلا من الخضوع للعرف الاجتماعي العشائري القديم”كما عرفه الدكتور(علي الوردي)في لمحاته ج1 ص285،بل هو ترتيب جديد للمجموعات الاجتماعية يقاوم رغبتها ومحاولاتها السيطرة على باقي المجموعات باسم الصحة المطلقة لعقيدتها،لكنه يحتكم الى الاعتراف المتبادل بالمصالح وحرية الاعتقاد ووجوب الاحتكام الى المؤسسات التمثيلية غير المقيدة بصفات اطلاقية دينية كانت او دنيوية.ان المجتمع المدني هو مجموع التنظيمات المجتمعية من مؤسسات وجمعيات وهيئات ومجالس ونقابات واحزاب ووسائل اعلام وشرائح اجتماعية لها تعبير تنظيمي في المجتمع او”مجموعة التنظيمات المجتمعية التي لها مصلحة فعلية في التحول الديمقراطي للمجتمع ويضمن الحد من السلطة القسرية للدولة”كما يؤكد الدكتور(سامي خالد).ويساهم المجتمع المدني في توفير قنوات المشاركة الاجتماعية وضبط السلطات الحكومية ورصد الاساءات الاجتماعية والثقافية بهدف دراستها وتطوير القدرات المعيشية ومراقبة البنى التحتانية والخدمات الحكومية والاهلية والتقنية عبر الموارد البشرية.

. الديمقراطية جوهر المجتمع المدني ومنهجية عمل الدولة المدنية معا وتعمل على اساسها السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والنقابات ومجالس ادارات الشركات الكبرى والهيئات السياسية والاحزاب والمنظمات غير الحكومية N.G.O.s،وهي تتطور في منظومة العمل المؤسساتي والجمعياتي الحقوقي الحديث،وتعني الاحتكام الى البشر والعقل البشري في شوؤن الحكم وتداول السلطات لانها التفكير السياسي الذي يعني بحكم الشعب.فالديمقراطية تعاكس الغربنة لانها هدم للتقليد وبناه بينما الغربنة توفر محاولات التكيف والتعايش بين اشكال مختلفة للسلطة دون تغيير جذري.وليست الديمقراطية ترفا يمكن العيش بدونه او هبة تمنح بل هي الحاجة الماسة بعينها لا استغناء عنها وتنتزع بالنضال المثابر الدؤوب فقط.الديمقراطية جوهر المجتمع المدني وحق المواطنة الف باءه ليتمتع المواطن فيه بالشخصية المستقلة للرأي والعقيدة والموقف،تتجسد فيه الكيانية الوطنية ذات المحتوى السياسي حيث تتفاعل المكونات الرئيسية الثلاث:الارض والشعب والدولة،ويعبر عنه في مفهوم الوطن.

تتركز مقومات المجتمع المدني في:

تأصيل مدرسة العدل مكان مدرسة الثأر وعدم وضع حدود قومية او اثنية او دينية او طائفية في الدفاع عن الضحايا. بناء الأسس الثقافية والتأهيلية لمنظومة حماية الاشخاص والجماعات في الوعي الجماعي والدستور والقوانين لوضع ترسانة وقائية مزروعة في الثقافة العامة والحماية القانونية،وتدشين مشروع وطني جديد على اسس جديدة تضع الاشياء بموضعها الصحيح وفق اعتبار الاهلية العلمية والثقافية والولاء للوطن وتراثه وقيمه قبل اي اعتبار آخر.

المسؤولية الاخلاقية حجر زاوية للفعل الديني والسياسي في ان واحد،وادانة صمت المرجعيات ايا كانت قدسيتها على الافعال التي تجبر الناس على اتباع اوامر رجال الدين وعن قتل الناس وعن انتهاك حرمات المنازل وعن ابداء الراي في تلك الجرائم التي ارتكبتها العصابات الارهابية ولازالت،وعن اعلان بعض الاحزاب بانها تعمل تحت امرة المرجعيات. الشرعية الدستورية ومقاومة فرض نماذج شرعية القوة ومنطقها الفج في العمل السياسي نتاج عصر الانقلابات العسكرية،التأكيد على ان اي اجراء تعسفي هو اعادة انتاج للحكم التسلطي وحجر عقبة امام اعادة بناء الانسان وخوض معركة التنمية،ولا يمكن فرض الديمقراطية بقوة السلاح. تحريم وتجريم العنف واساليب الارهاب ونزعات القوة والاكراه والابتزاز اي مناهضة الارهاب والرعب والفساد ليتاح للجميع سواسية الشروع بتكوين نماذجهم في التعاون والتنافس اللائق.ان مواصلة آلية انتاج الفساد هي انعكاس لسوء توزيع الثروة القومية توزيعا عادلا،وبقاء تطبيق القرارات اسير البيروقراطية.

تخليص المجتمع من عقابيل الحقب الفاشية بعقلانية وعدالة،وفي المقدمة مسألة تعويض الضحايا ومحاسبة كل المجرمين وامتلاك الرؤية التي تسمح بابصار انتهاكات اليوم وشجبها بالتعاون مع المنظمات الاقليمية والدولية.الزام الدولة تقديم من ساهموا بارتكاب المجازر والانتهاكات ضد حقوق الانسان الى القضاء العادل ليقول كلمته النهائية بهم.والتسامح لا يمر عبر اعادة هؤلاء الى العمل من اجل الاستفادة من خبراتهم. مناهضة الشمولية والفردية والتسلط والزعامات والوجاهات والعسكرية كي يتاح استعادة السلم الاجتماعي بتدرجاته المختلفة ليقترب من المستوى الممكن من العدل والتوزيع المنصف للادوار في الحياة. تجسيد الاقرار بالديمقراطية في المواثيق والبرامج بالتحالفات السياسية وفي الصحافة والممارسة اليومية وعلاقات القوى السياسية بعضها ببعض وتطور مختلف اشكال العمل المشترك الذي يلتقي فيه منتسبو هذه المنظمات والأحزاب. فصل الدين عن الدولة،فالدين لله والوطن والدولة للجميع. احترام”حقوق الانسان”اي وضع مفهوم الانسان في مركز الصدارة والاهتمام بدل مفهوم الرب والدين،فحقوق الانسان والديمقراطية وجهان لعملة واحدة،وثقافة حقوق الانسان تعني بالوعي العام المقاوم للظلم وحماية الشرعية الدولية لحقوق الانسان وفي المقدمة:الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الامم المتحدة في 10/12/1948 ويضم (30) مادة،والمواثيق الدولية الصادرة عام 1966 والخاصة بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.جميع حقوق الانسان عالمية غير قابلة للتجزئة،ويتوقف كل منها على الآخر ويرتبط به.

ترسيم الحقوق المتساوية للمرأة في تشريعات دستورية واضحة على هدى اللائحة الدولية لحقوق الانسان ووضع اتفاقية تحريم التمييز ضد النساء موضع التطبيق الحي وتأمين مشاركتها الواسعة غير المشروطة في عمليات اعادة البناء والاعمار. الحد من سلطات الدولة ليمنع قفز الشرائح الغريبة عن النمو الطبيعي للمجتمعات الى سدة الحكم ليجري تحرير عقل المغامرات وتبقي باب الاحتراب مفتوحا. الحل الديمقراطي للقضايا العقدية القومية،والركون الى منطق القانون المدني الذي يأخذ بنظر الاعتبار حق الاغلبية ولا يتجاهل اطلاقا حقوق الاقليات وبالتالي التوصل الى مبدأ التوافق المدني بالرغم من المجال الواسع للاعتراض والرفض(المعارضة)سلميا دون المّس بالحريات العامة واحترام الرأي والرأي الاخر وغيرها من المباديء الانسانية الصريحة. تنمية ثقافة المعارضة والثقافة الاحتجاجية والانتقادية والمطلبية. تحديث الوعي الاجتماعي بالوعي العقلاني العلمي القادر على مجابهة التحديات،فالعقلانية تقطع الطريق على العقل الايماني الذي يعيد انتاج الدوغما والفئوية والخطاب الذي ينادي بصرامة بالدولة الدينية المؤسسة على الحاكمية وتحويل الدين الى مجرد وقود سياسي. مضاعفة الوسائل العصرية التي تسهم في تحريك القناعات والقيم والمثل والمشاعر لدى المواطنين في اتجاهات التطور الديمقراطي. الربط السليم بين الديمقراطية السياسية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.لا معنى للتنمية الاقتصاديـة والاجتماعيـة والتنمية البشرية المستدامة في مجتمع يسوده الاستغلال والظلم الاجتماعي.المجتمع المدني وحده يضمن رعاية الدولة وحمايتها للحقوق المدنية والسياسية،وتأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحق التنمية. ثبات المنهجية والتخطيط في العمل السياسي بعيدا عن التجريبية والمحاصصات وما تفرزها من تراكم يعرقل استقرار المجتمع وثبات قيمه وقوانينه وروح العمل الجماعي وترسيخ المرجعية الدستورية.

حماية الذاكرة الوطنية.

ان نجاح المنظمات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني يعتمد على الخبرات التي اكتسبتها من جهة وتمكنها من الوصول الى الناس وتقديم المعونة لهم من جهة اخرى،والدرس المستنبط من هذه المنظمات هو المحفز على دراسة وتقييم عمل المؤسسات الحكومية والحزبية معا لا سن القوانين التي تضع العوائق امام منظمات المجتمع المدني.

· الوصاية في بلادنا

اسهمت عقلية الوصاية،وتخلف الانظمة الاجتماعية والاقتصادية،والرأسمالية المشوهة الكسيحة،والانظمة الشمولية،والاحتلالين البريطاني والاميركي،في ديمومة المؤسسات الخارجة عن طبيعة العصر داخل البنى التحتية في بلادنا،وهي مؤسسات عشائرية- طائفية.الطائفية والعشائرية يقبعان في صدارة الولاءات دون الوطنية التي تؤرخ وتعيد كتابة التاريخ واستحضار مأزقها وفق اسس وتصورات ومقاصد اضيق مما كان في الماضي في سبيل تهيئة فرص البقاء والتحكم في رقاب الناس،لانهما يكرسان نهج تمزيق الوحدة الاجتماعية والهوية الثقافية للشعب العراقي.الطائفية كتعدد ديني تتداخل فيها اضافة الى الدين العصبية القبلية او الجهوية فتتحول الى عصبية اجتماعية موجودة في لعبة الولاء والسلطة.

ولم تـأت الطائفية السياسية من التعدد الاثني والعرقي والمذهبي بل من سلوك الحكام وطبيعة المعادلات السياسية التي تتحكم في عقولهم،وهي معادلات تقوم على فكرة التفرد في السلطة وتحويل الناس الى خول وعبيد وتابعين.العبث الطائفي والعشائري نابع من المعادلات الصبيانية المدمرة الساعية الى تمزيق النسيج المنطقي للاحداث كي لا يجري الامساك بالاسباب والمبررات فتهوي وتضيع في غموض الصدفة والوعي.الولاءات دون الوطنية علاقات تاريخية للتراتب الاجتماعي المركب وانتظامه المتجدد على الصعيدين السياسي والآيديولوجي وفق الآلية الداخلية الخاصة بالنظام المركزي القائم.

لقد تجلى القمع الداخلي في العراق بعدائه ومنعه وقتله الحوامل الاجتماعية الديمقراطية وفي تفريغها من مضمونها ان وجدت وتحويلها الى يافطات وشكليات تخدم الانظمة القائمة وتعيد انتاجها.واعاقت التبعية والوصاية والافتقاد الى الدستور المدني وسيادة الاوضاع الاستثنائية وحالات الطوارئ وتهشم القضاء والاعلام وانتشار الطغم الثيوقراطية وتمركز السلطات والافتقار الى الوعي المجتمعي والمركزية البيروقراطية،واخيرا وليس آخرا الوصاية الدولية وقيام الدولة الكومبرادورية الحارس الامين للمصالح الاحتكارية والاحتلال الأجنبي،اعاقت جميعها التأسيس المدني ونهوض المجتمع المدني في العراق.رصيد المجتمع المدني العراقي والذي يكبح الانفلات الرأسمالي المشوه كان ولازال التاريخ الغني للشعب العراقي وحركته الوطنية الراسخة جذوره عميقا في الارض والتربة العراقية ولا يستطيع تجاهله وشطبه احد بجرة قلم او قرارات رعناء،والصرح الهائل من المؤسساتية المدنية العراقية التي اتقنت ثقافة المعارضة والثقافة الاحتجاجية والانتقادية والمطلبية وتوظيف مبدأ حقوق الانسان بشكل صحيح بعيدا عن الانتقائية في المعايير،والنظر الى الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سواسية دون تمييز وارجحية!.

يتجلى في المجتمع المدني الكل الاجتماعي في كل صغيرة وكبيرة من الحياة،من الخطاب الاعلامي الى وحدة المشروع الوطني،وتسخر ميزاته لترسيخ دعائم الاستقرار للمجتمع وجعل توفير الرؤية الوطنية الشاملة ممكنا،وهو ضرورة تاريخية اجتماعية لا يمكن اعتراضها الا اذا اردنا الاطاحة بالدولة في صيرورة تكوينها الى دولة رعوية بين احضان الفساد والطفيلية.ويتوافق مفهوم الرعية لا المواطنة مع تصورات ورؤى الدولة- الطائفة،الدولة- القبيلة،الدولة- المزرعة،ومفهوم النعاج والقطعان التي تسهل قيادتها مع الطغيان عندما تنتهي سلطة القانون لتتوفر التربة الصالحة لاتباع الفردية في اتخاذ القرارات ورسم السياسات،ولينهض التعصب والتطرف والاصولية وتنتعش الولاءات دون الوطنية التي تبرر النكوص الى الماضي وتقديسه ونفيه وتفريغه من محتواه بدعوى تجاوزه،ولتفتح الابواب مشرعة للارهاب والفاشية والظواهر الاجتماعية المعادية للتقدم الانساني.

استوعب الشعب العراقي مفهوم الوصاية طيلة تاريخه السياسي الحديث،بالاخص ابان:

كان جمع السلطات بيد الملك والانحرافات الدستورية والبرلمانية،والقطبية السياسية والاقتصادية لصالح نخب البلاط الاقلية والانحياز للغرب في السياسة الخارجية قد قوض من حلقات الديمقراطية السياسية.وفي خضم الاحتقان الشعبي اكتشفت الملكية والعشائرية مصلحتهما المشتركة فالتحم الطرفان للصمود بوجه التهديد لمواقعهما وامتيازاتهما،حتى ثورة 14 تموز التي دمرت الملكية ودونت مصير العشائرية.تفجرت ثورة تموز 1958 المجيدة لان الدولة لم يعد بمقدورها الاحتفاظ بالموازنـة الطائفيـة والطبقيـة في آن واحد!ودخل النظام طور الهرم والشيخوخة،وبدأ الحكم يفقد مواقع داخلية متزايدة،وترسخت في العقلية السياسية العراقية مشروعية الاستعانة بالجيش،ولم تعد مؤسسات النظام وبرلمانه موضع حرص من احد!كما تآكل المجتمع المدني وتحول الى ركام يتندر به الجميع!وفتح الانقلاب الاسود في 14 رمضان 1963 الابواب على مصراعيها للحقب الانقلابية والدكتاتورية الصدامية وارهاب الدولة المنظم!واخيرا الطائفية السياسية اثر التاسع من نيسان 2003.

ومثلما فعلت الوصاية الدولية،فقد حول الاحتلال الاميركي بيروقراطية الدولة العراقية الى قوة تجارية نشيطة لتكتسب السمات الطفيلية وتزدهر الى كومبرادورية قائدة تسير في ظلها فئات الكومبرادور في القطاعات غير الحكومية،وتحولت الدولة العراقية الى الوكيل التجاري الحارس المنسجم مع المصالح العولمياتية والرأسمالية وخلق الانماط الطرفية التي تتشابك فيها الوظائف التجارية للدولة مع الشركات والمؤسسات الدولية تنفيذا لتوصيات نادي باريس والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية.ويتواصل التهميش الطبقي والتطور المتفاوت الاقليمي وانتهاك السيادة الوطنية والاستقلال الوطني لتضيع القيم الحضارية العصرية وتنتعش الهويات دون الوطنية في لجة الاعمال الارهابية والفساد.سعت الولايات المتحدة الى ضمان الهيمنة على النفط العراقي وفرض نظامها الامني في الخليج العربي وان تجري السيطرة التامة على الاسواق العراقية وتأمين اسهام الاستثمارات والاحتكارات الغربية في عملية اعادة بناء الاقتصاد العراقي الذي يبقى ابوابه مشرعة امام الرساميل الامريكية،وتحقق لها ذلك!.تقيم الولايات المتحدة توازنها للقوى السياسية الداخلية في سبيل احكام السيطرة على بلادنا وتمرير المشاريع والخطط!

· وصاية الاسلام السياسي واصطناع المثل السياسية

يتربع الاسلام الطائفي السياسي اليوم على مقاليد السلطة في العراق،وهو اسلام يتسم بالتعسف العقائدي واصطناعه المثل السياسية على قدر حجمه،الامر الذي ساعد على ترسيخ ميراث ثقافة الخوف والشك بالمواطن والمواطنة.ومثلما اسلفنا بات للاسلام السياسي الحاكم في العراق باع طويل من القرارات والاجراءات غير المدروسة الغرض منها هو الادعاء بالديمقراطية وتواجد المجتمع المدني والتغني بهما،لكنه لم يقدم شيئا اذ لم يخرج ذلك عن ممارسة التكتيك السياسي والمناورة الوهمية،والايحاء بتنشيط المجتمع المدني وتفعيل الديمقراطية شعارا لاغراض التنفيس والاستهلاكية،ولغوا وسفسطة كأن الشعب العراقي بات تلميذا اما في كتاتيب الاسلام الطائفي السياسي او في مدرسة واشنطن التأديبية.قرارات واجراءات لا تدل سوى على التزمت والجهل المطبق والقصور في فهم ماهية المنظمات غير الحكومية والحركات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني،وقرع جرس الانذار مجددا عن جهد واع وتصميم مسبق لسياسات تحويل ابناء الشعب الى قطيع من الارقاء مغسولي الادمغة يسهل تسخيرهم لخدمة السلطات الحاكمة الجديدة والى بوق في الفيلق المهلل لها.

جوهر القرارات- التدخلات الحكومية هذه هو استخدام سلاح التشريع لفرض الوصاية الحكومية على المؤسساتية المدنية،وتعثر المؤسساتية المدنية عموما ووقوعها تحت سيطرة الجهات الحكومية وشلل المحترفين والمنتفعين والحرامية،او حتى تحت سيطرة الاتجاهات السياسية والطائفية والمافيوية من الولاءات اللاوطنية.غيض من فيض هذه القرارات:

· الاجراءات الحكومية التعسفية باستخدام القوة ضد الطلبة ومؤسسات التربية والتعليم والتعليم العالي في العراق،واخطرها:

محاولات تأطير المجتمع دينيا في مدن الجنوب والوسط العراقي،وفي بعض مناطق بغداد،ومحاولتهم في الموصل حيث جرى فصل الرجال عن النساء في الجهاز التعليمي،ومحاولتهم الفصل بين طلبة الجامعة التي لاقت مقاومة المنظمات الطلابية الديمقراطية.اما غرب العراق (الرمادي) فهي مؤطرة اصلا من زمن صدام.

الاعتداءات الاجرامية للميليشيات بالضرب على طلاب هندسة البصرة والكلية التقنية في الزعفرانية بالعصي واطلاق النار وتمزيق الملابس قبل اعوام.

تحويل الكليات والمعاهد الى بوق طائفي تفترشه الكراريس والكتب الطائفية.

اطلاق النار عبر حماية خضير الخزاعي وزير التربية على الطلاب في قاعات كلية التربية الاساسية في حي سبع ابكار بعدما احتج الطلاب على تأخر موعد الامتحان حزيران 2008.

عملية الاخلاء القسرية لبناية الاقسام الداخلية في كلية الهندسة الثانية/الخوارزمي التابعة لجامعة بغداد في الجادرية صباح 18/9/2008.

· الممارسات الخاطئة لوزارة الثقافة العراقية ومنها:

يبذل الاسلام الطائفي السياسي الجهد لاضفاء الاطار الوظيفي على مؤسسات المجتمع المدني والاشراف عليها ورقابتها والترحيب الحكومي بالدور الخدمي- التنموي لا السياسي لها سواء كان ذلك من خلال الجمعيات الدينية الاسلامية والخيرية او بعض المؤسسات المدنية الدفاعية العاملة فى مجال حقوق الانسان اي المنظمات غير الحكومية التي تنسجم مع سياساته واهدافه فقط.ويمكن فهم قرارات الاسلام السياسي حول المنظمات غير الحكومية في هذا الاطار،الامر الذي خلق ويخلق جملة القيود والمشكلات التى تحول دون تفعيل النقابات المهنية والجمعيات الاهلية العراقية،واسس للأزمة التى تمر بها العديد من هذه المنظمات من ناحية القدرة على الدفاع عن مصالح اعضائها وحماية المهن وتطويرها او نتيجة ضعف الممارسة الديمقراطية داخلها وتحولها الى حلبة للصراعات السياسية والطائفية،والقصور عن مواجهة تلك الازمة من جانب الجهات الادارية الحكومية والنخب النقابية والادارية للمنظمات معا،واستمرار ظاهرة تجميد الفعاليات الانتخابية رغم انتهاء الفترات القانونية لمجالسها منذ فترة.وتعيد الاجراءات اللامسؤولة انتاج السلوكيات والوعي الشمولي والبراغماتي الذي ساد العهد الدكتاتوري البائد.

ليست المنظمات غير الحكومية والمؤسساتية المدنية امتدادا لبعض الاحزاب والتيارات الدينية او الطائفية او الاثنية او واجهة للحركات والتيارات السياسية والدينية والعقائدية والولاءات اللاوطنية،كما يريدها البعض،لتتحول الى جزء من الآلة السياسية،همها ليس الدفاع عن حقوق الناس او العمل التنموي الخيري واغاثة المنكوبين،ولكن دعم السلطات الحاكمة وموالاتها،وموالاة السياسات النفعية والروزخونية(السفسطة الدينية).ويسير الاسلام السياسي في العراق على هدى الدول العربية بشكل عام وايران،فدولته تسمح بقانون الجمعيات والتنظيمات المدنية،لكنها تضع لها من القيود القانونية والادارية حيث يكون للدولة اليد الطولى في حلها او الحد من حريتها.ان المشكلة الاساسية للمجتمع المدني في العراق كانت ولا تزال تتركز في سعة سطوة الدولة في كل الاتجاهات والمجالات الاجتماعية في اطار مشروع شمولي.

يتخوف التحاصص الطائفي والاثني من قوة منظمات المجتمع المدني،ويعتمد على معيار حاجة احزابه وآيديولوجياته وكراسيه اليها لا على قياس مدى حاجة المجتمع الى تلك المنظمات فهي منظمات غير حزبية وغير حكومية ولا تسعى الى الوصول الى السلطة ولا حتى المنافسة عليها،وانما هي منظمات الشعب العراقي.من هذا المنطلق يسعى الاسلام السياسي لشرذمة هذه المنظمات الى معسكرات سياسية وجماعات ضغط متنافسة،كل منها يناور من اجل الحصول عل المزيد من المنافع.الاسوأ ان تصبح هذه المنظمات بمثابة دمى في ايدي الدول والمؤسسات المانحة لتحقيق اهداف تتعارض وتتناقض مع مهامها واهدافها.