خريج جامعةٍ ببابكَ واقفٌ ……… يرجو الوظيفة هل لديك وظائفُ

عدد المشاهدات: 2التصنيف: مقالة

سلام إبراهيم كبة

العملية التربوية التعليمية في العراق..التحديات والمعوقات

قيل ان خريجا جامعيا متفوقا لم يحظَ بوظيفة في قطاع التربية والتعليم، فبعث قصيدة الى مدير القطاع يشكو اليه حاله قائلا:

حـرقَ السنينَ دراسةً وفلافلاً ……….واذ تبرجزَ فالطعامُ نواشفُ

تقديرهُ الممتازُ يشكو للورى ………فقرَ الجيوبِ و من قراركَ خائفُ

رد عليه المدير قائلاً : ــــ

ليسَ المؤهِّلُ يا فتى بشهادةٍ ………غيرُ الوساطةِ كلُ شيءٍ تالفُ

تقديرُكَ الممتازُ لا يكفي هنا ……….ان الحياةَ معارفٌ و مناسفُ

انقعْ شهادتكَ التي احرزْتَها ………. و اشربْ فانَّ العلمَ شيءٌ زائفُ

اليوم… صباحا
مات يتيم بلا اهل
من الجوع
في قريتنا
الناس كلهم
ذهبوا في حال سبيلهم
فقط، بقيت انا
وختمت رسالة
بدمعتين من مقلتي
كتبتها
وارسلتها له!

تستهدف العملية التعليمية التربوية في بلادنا بناء جيل واع حاملا لثقافة قادرة على التكيف مع التطور المعلوماتي العاصف ومعطيات التكنولوجيا الحديثة والمجتمع الديمقراطي الحديث،عبر الالمام بالعملية التعليمية التربوية ذاتها من جوانبها المختلفة،طلابا وادارات وعمادات ومعلمين واساتذة ومناهج دراسية(تربوية واجتماعية)واشراف تربوي،وانماء النزعات الفكرية والعاطفية للتلاميذ والطلبة وتوفير فرص التعبير الحر عنها،لفهم اسرار العالم المادي والاجتماعي،والتي تمكنهم من كسب المهارات العقلية واللغوية والاجتماعية والتطبيقية واشباع الحاجة للامن والاستقرار!والعملية التعليمية التربوية هي الوسيلة المتيسرة الناجحة لتغيير هيكلية المجتمع وتشكيل خواصه وثقافته وتأهيل العناصر البشرية القادرة على النهوض بالمجتمع.

جوهر العملية التعليمية التربوية هي اعداد التلاميذ والطلبة للحياة الاجتماعية ومواجهة تحدياتها،عبر التفاعل الاجتماعي وسبر غور العلاقات الاجتماعية على اسس ديمقراطية..ضمان المستوى الاكثر رقيا للكادرالتعليمي والاكاديمي لانهم ادوات التغيير الحقة في المجتمع الديمقراطي الذي يعتمد بأسسه على التعايش والاحترام والتسامح ونبذ الافكار العدوانية!..تطوير وتحديث طرائق ومنهجية التربية والتعليم والتوجيه وتجاوز الاساليب التي تكرس الحفظ والتلقين وتبرر الاخلاق الرأسمالية على علاتها وتنشر الخرافات والعقائد الجامدة المناهضة للعلم والمعرفة!…جعل المدرسة مركزا هاما من مراكز الاصلاح الديمقراطي،وبالتالي تنظيم دور الجهاز التعليمي في اعادة الانتاج الموسعة للطبقات الاجتماعية!.

يعتبر اصلاح النظام التربوي التعليمي في العراق حجر الاساس لبناء عراق مزدهر متقدم وواعد،فجزء كبير من المعوقات الراهنة متأت من الوضع الاستبدادي السابق والحروب وسنوات الحصار الطويلة،وجزء مهم يقع على عاتق ومسؤولية الانظمة والحكومات التي تلت مرحلة اسقاط النظام الدكتاتوري،لان السجالات والصراعات السياسية والمحاصصة الحزبية والطائفية القت بظلالها على واقع التربية والتعليم والقت باعباء اضافية على الازمة!

يشير الواقع الموضوعي للعملية التعليمية التربوية في العراق الى تدني المستوى العلمي في الجامعات والمعاهد والمدارس منذ ما يقارب العقدين من الزمن،بسبب ارهاصات النظام السياسي في البلاد واولوية التخصيصات المالية التي اعتمدتها الدولة لتغطية الحروب والانفاق العسكري،وبسبب العزلة العلمية التقنية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية عن العالم.كانت سياسة تبعيث النظام الافدح ضررا والاقرب الى الكارثة التي انزلت الخراب بجميع مستويات التعليم من رياض الاطفال الى التعليم الجامعي،ويكفي ان نحدد شعارهم الكاريكاتيري الذي تصدر ملصقاتهم الجدارية”الطلبة مشروع دائم للاستشهاد”.وبعد سقوط الدكتاتورية دخلت عوامل اخرى،منها تعطل التنمية والاعمار وانعدام الوضع الامني واستفحال الارهاب بمختلف اشكاله،والفساد السرطاني،الى جانب المعوقات الداخلية،كتردي النظام الاداري للمؤسسات التعليمية، وغياب الجهات التي تعمل على تقويم مؤشرات الأداء لهذه المؤسسات،لتبيان مدى مواكبتها للتقدم والتطور العلمي المتسارع في عصر العولمة والانفجار المعرفي الذي يحتاج الى نوعية متميزة من التعليم تواكبه وتستطيع التعامل معه!

الذي يحصل في العراق هو التوسع في فتح الجامعات الرسمية والاهلية وفتح الدراسات المسائية بعيدا عن التخطيط المسبق ومدى الحاجة الفعلية للاختصاصات في الوقت الحاضر وفي المستقبل،فضلا عن توفير المستلزمات الضرورية مثل التدريسيين والبنى التحتية من ابنية ومختبرات ومكتبات ومستلزمات اخرى!الامر الذي انعكس في تدني كفاءة الخريجين في عملهم الميداني والمهاري!وتواجه بلادنا اليوم الفوضى في التربية والتعليم،وكل قطاع يغني على ليلاه،والطلبة اليوم يعيشون واقعا صعبا لاسيما ابناء الكادحين بسبب المتاهة التي عمت المجتمع بعد عقود من الدكتاتورية!وتتلخص المعوقات في:

في بلاد تطفو على بحر من الذهب الاسود تتحول رياض المعرفة الى انقاض مزدحمة كريهة الرائحة بسبب انهيار نظام الصرف الصحي في معظمها،وتنتشر المدارس الطينية،وتكتظ اخرى بطلبة نازحين،وتستقبل ثالثة متهرئة ثلاث وجبات في اليوم.طالبات وطلاب العراق لازالوا يسكنون مدارس من الطين والقصب في المدن القصية،ولازالت مظاهر من قبيل رصف اكثر من 70 طالبة وطالب في صف واحد وتواجد ثلاث مدارس في مدرسة واحدة،مظاهر قائمة امام الملأ وبتعمد مع سبق الاصرار،مدارس اغلبها لازالت رثة تفتقر الى الكثير من مظاهر النظافة والجمال،تفتقد الى ساحات اللعب المدرسية المنسقة الجميلة والى توفر الماء البارد والتدفئة والتبريد.ان ذلك ليس ترفا او امنيات وخيال بل حقا مشروعا نصت عليه اللوائح الدولية لحقوق الانسان والتعليم،وكل التربويين واختصاصي علم النفس يعرفون مدى الانعكاس السلبي لمثل هذا الوصف على اندفاع التلاميذ لاستيعاب المواد الدراسية وتواصلهم في تلقي الدروس.

في العراق الجامعات تنعزل وتتكلس وتتحنط والأجراس تقرع من حولنا بالخطر،ويجري اهمال دور اقتصاد المعرفة وما يتطلبه من زيادة الصرف على التدريب والبحث العلمي والاستثمار في تنمية الموارد البشرية العلمية والهندسية والتكنولوجية،وتطوير البنية التحتية للتعليم العالي في جميع المجالات.ان التهديد الذي يتعرض له الاكاديميون والمدرسون والعلماء والاطباء تهديد لديمومة المجتمع وتطوره!اما مساهمة الكفاءات في اعادة بناء العراق فهي مرهونة بما تقدمه الدولة من الاهتمام والدعم للكفاءات الموجودة في داخل العراق.ومن العبث الحديث عن عودة كفاءات المهجر،فيما تعيش كفاءات الداخل حالة الاحباط والاغتراب،مما يضطر الكثير منها الى التفكير في ترك الوطن هربا من الاوضاع الكارثية،حيث البيئة غير الآمنة وتسلط عناصر غير كفوءة على المراكز المهمة والتي لا يروق لها وجود الكفاءات الحقيقية وتعدها بمثابة تهديد لوجودها.

المدرسة بيت نموذجي مبهج ومنسق للطلبة والطالبات،وليست رث كئيب يتحول فيه المعلمين والمدرسين الى سجانين،وهم يحملون الصوندات والعصي واساليب التعذيب والترهيب والزجر والاذلال،ليجر احياء المراسيم الروزخونية وعهود الكتاتيب،مما يولد للطالب احساس وكأنه يساق الى محاكمة وساحة تعذيب،دون ذنب ارتكبه او مخالفة قام بها،لكنها ارادة الأهل والمجتمع،فيتمرد عليهما معا او تخلق منه مثل هذه الممارسات فردا سلبيا منطفئ القدرة على الخلق والابداع والتواصل والتفاعل مع اهله ومحيطه ومدرسته ومجتمعه!