سلام إبراهيم كبة
المهندس الاستشاري/ سلام ابراهيم عطوف كبة
” يقضي الانسان سنواته الاولى في تعلمه النطق ، وتقضي الانظمة العربية بقية عمره في تعليمه الصمت “
تسهم رعاية اللغات الوطنية للشعب العراقي في تعزيز الثقافة العقلانية والديمقراطية التي تقطع الطريق على العقل الايماني الذي يعيد انتاج الدوغما والتصنيف الفئوي .. كما تسهم رعاية اللغات الوطنية للشعب العراقي في نبذ الثقافات الشمولية وبالاخص القومية البائسة والطائفية اليائسة ..
الترجمة .. والترجمة الآلية – الحاسوبية بين هذه اللغات ، ومنها الى اللغات العالمية وبالعكس ، … والاختزال – الاسراع في التدوين المعلوماتي ، والاقتصاد اللغوي ، ومضاعفة السرعة في الكتابة الاعتيادية ، ومعالجة الفرق بين سرعة الكلام وسرعة الكتابة ….تسهم جميعها في اغناء اللغات وتطورها لصالح وحدة الشعب العراقي الوطنية. تقوم الترجمة بالدور الحضاري والثقافي الكبير لتعميق التفاعل الحضاري بين الشعوب والاطلاع على المنجزات الكبيرة في عصر المعلوماتية والتقدم العلمي – التقني . .. ومن هذا المنطلق يجري فهم الابعاد الاستراتيجية للترجمة الآلية .
اللغات الوطنية في بلادنا هي : العربية ، الكردية ، التركمانية ، الكلدوآشورية ، المندائية ، الارمنية ، العبرية .. الخ… والعربية والعبرية (1) والمندائية(2) والكلدوآشورية (3) ( الكتابة السريانية ) من اصل لغوي واحد هو مجموعة اللغات السامية(4) . اما الكردية (5) فهي من عائلة اللغات الهندواوربية بينما تدخل التركمانية (6) ضمن مجموعة اللغات التركية المنتسبة الى عائلة اللغات الادرالية – الالطائية . واللغة الارمنية (7)هي سليلة اللغات التي تحدث بها الخورتيون والاوراديون والحيثيون الذين اسسوا حضاراتهم العريقة منذ القدم ودولهم المستقلة الاولى القرن السادس قبل الميلاد وتركوا آثارهم في المعابد والمنحوتات الحجرية ! .. تتوزع المجموعات اللغوية الرئيسية على 4 مجاميع هي : الاورال – التاي ، الهندوأوربية ، المغولية – الصينية ، السامية – الحامية . وتشمل الحامية المصرية القديمة والبربر والقبطية …. ، وتضم الهندوأوربية الكردية والفارسية واللغات الاوربية …. وتقع التركمانية الى جانب التركية في المجموعة الالطائية ومعها المجرية والتترية والمغولية … الخ .ان توزع المجموعات اللغوية في لغات شتى في جوهره من اهم مظاهر النقلة الانسانية من الهمجية الى التحضر ..!.
الترجمة الآلية مظهر من مظاهر العولمة الثقافية وحلول عصر ( المابعديات ) اي عصر ما بعد الكتابة والكاتب ، وافول دورهما ، ونزوع البشر الى اعلام وثقافة الصورة المسلية …. وعزوف الناس عن القراءة والمطالعة ، وقضاء جل وقتهم امام التلفاز والكمبيوتر والانترنيت والاستمتاع باستخدام الهاتف النقال ! . لا خوف على ثقافاتنا وخصوصيتنا وقيمنا الوطنية وهندسة النفس البشرية .. انما الخوف من تحجرنا وتقديس المعايير ووضعها فوق وخارج المراجعة والنقد ، وتسليط سيف الاصالة فوق رقبة الابداع وتكفير فكر التنوير ! . لقد حلقت الترجمة الآلية في فضاء الحرب الباردة منتصف القرن العشرين ورافقت تطور المعلوماتية الحديثة والنشاط الاستخباراتي والتجسسي … واقتصرت منهجية الترجمة في حينها على النمط النصي اي تفسير النصوص كلمة تلو الأخرى فخلق مشكلة فك طلاسم الترجمة الحرفية ..! وتفجرت امكانيات علماء اللسانيات واللغات في سبعينيات القرن العشرين مع انطلاقة برامج الترجمة الفورية !…لاسيما في ميادين واروقة الامم المتحدة والانواء الجوية والصناعات الفضائية والتسلح !…
الترجمة الحاسوبية الآلية ( Machine Translation – Automatic Translation ) هي مقدرة الكمبيوتر والماكنة على تطويع فهم لغة الانسان الطبيعية … وتعد الترجمة السريعة للمعلوماتية العلمية – التقنية ( Scientific & Polytechnical Informations ) من اهم اسباب حيوية ديناميكية الترجمة الحاسوبية … الترجمة الآلية – الاسم المعياري والتقليدي المتفق عليه للتعبير عن النظم الحاسوبية المسؤولة عن إنتاج ترجمات النصوص من إحدى اللغات الطبيعية( Natural) إلى لغات أخرى سواء كان ذلك بمساعدة الإنسان أم بدونه. ولا تشمل الترجمة الآلية أدوات الترجمة الحاسوبية التي تدعم المترجمين أما بتزويدهم بإمكانيات الوصول إلى القواميس وقواعد المعطيات الاصطلاحية عن بعد أو إرسال النصوص بالحاسوب واستلامها …
تشكل الترجمة الآلية ميدانا لبحوث معالجة اللغات الطبيعية بالحاسوب (Computer-Based Natural Language Processing) ، وتتبع ما يعرف باللسانيات الحاسوبية (Computational Liguistics)، وهي بدورها فرع من علوم الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence). وتستكشف اللسانيات الحاسوبية الآليات الأساسية التي تقوم عليها اللغة والعقل وذلك بوصفها وصياغتها رياضياتيا باستخدام اللغات الصورية والاصطناعية لوضعها في نماذج(Models) ومن ثم محاولة محاكاتها في البرامج الحاسوبية … أما الذكاء الاصطناعي فهو يدخل بوصفه أساسا في مكونات جميع نظم التحكم الآلي والنظم الخبيرة(Automatic Control Systems & Expert Systems)على السواء بإتباع أساليب مماثلة من الوصف والصياغة والنمذجة والمحاكاة الحاسوبية للعمليات المعنية .. وتعني الترجمة الآلية بأتمتة المراحل الجزئية المتتالية في عملية الترجمة الكلية والتي تشمل التحليل الصرفي والنحوي والدلالي في اللغة المصدر والتوليد الصرفي والنحوي والدلالي في اللغة الهدف .
تذلل الترجمة الآلية من امكانية استعادة السيطرة على الكم الهائل من المعلومات المتوفرة في اللغات المحلية (الوطنية ) وازاحة العقبات التي تحول دون التبادل المعلوماتي الواسع السريع ، فهي ميدان رحب للبحث العلمي الجاد والاعداد التطبيقي والانظمة الوظيفية على اساس عملية الترجمة من لغة وطنية الى لغة وطنية أخرى باستخدام الكمبيوتر والانظمة الحاسوبية . ويشترط التنظيم النصي للترجمة الآلية ثنائية القدرة اللغوية والرؤية الحضارية للنظام الخبير (Bilingual Ability)..وقدرته على التصرف في حل من القيود التي تحكم الترجمة الانسانية ! …
اذا كانت الكتابة بشكل جيد تكمن في أنها لا تلتزم دائما بقواعد النحو وفي الاستخدامات المطبقة والقواعد السارية للغة لأنها فعل تمردي وثوري دائم ضد المحيط الاجتماعي والأنظمة …فان الترجمة الآلية اليوم تستهدف الانتقال من الحرفية ونقل المعنى دون تحديد وضبط المدلولات المعرفية ( العمل الميكانيكي التراكمي) الى تدقيق الترجمة بالاستناد الى الذخيرة اللغوية البلاغية والمتراكم النقدي الموروث ، وتوظيف النص للحاجات العملية الابداعية. وتلقى برامج الترجمة الآلية بين اللغات المختلفة النجاح … الا انه لم تحظى بالرعاية والاهتمام اللغات التي يتكلم بها الشعب العراقي بسبب الفجوة التكنولوجية والتخلف والتبعية … ادى ذلك الى فقر الصياغات والنماذج (Models) النظرية لوصف قواعد اللغات الوطنية والخلل في معرفة مدى مواءمة الصياغات الرياضياتية والسيمانتيكية اللغوية للغات الاخرى معها . وعانت برامج الترجمة الآلية اللغوية الوطنية من الصعوبات الواسعة منها الاخطاء اللغوية الفاضحة … فاللغات نفسها غنية بالمفردات اللغوية وفضفاضة في المعاني وتحتاج دائما الى التشكيل والضبط !… بينما لازالت صناعة برامج الترجمة الآلية للغات الوطنية تجميعية وتقليد للصناعات الاجنبية .
لو فرضنا ان اللغات الوطنية للشعب العراقي سبعة لغات فهناك حاجة الى 42 برنامج ترجمة آلية بينها (عربية – كردية،كردية – عربية،كردية – تركمانية،تركمانية – كردية..وهلم جرا).من البرامج المتوفرة تجاريا اليوم برنامج ( كاتوا سوريايا 2000- Katuwa Suryaya™ 2000 ) للترجمة الآلية بين الكلدوآشورية(السريانية) والعربية والفارسية والانكليزية … ولم يجر حتى اليوم التوفير التجاري لجهاز (يوتي 130) للترجمة الفورية بين اللغات الوطنية للشعب العراقي والقادر على ترجمة مالايقل عن 3000 عبارة شائعة ومتداولة في الاستخدام اليومي عبر نطق العبارة المطلوبة .
تأثرت اللغات المحلية الوطنية في بلادنا بعضها ببعض ، واقتبست العربية منها الفاظا كثيرة كمعربات ! والعكس صحيح ايضا اذ يبلغ عدد الالفاظ العربية المنتشرة في الفارسية (60)% وفي التركمانية (50)%…. وتستخدم شعوب الارض اليوم الكثير من الكلمات السريانية مثل : أيل ، بعل ، ريمون ، مسيح ، آرام ، ابولو ، يوسف ، مامو ، آدم ، نوح ، كلكامش ،…وحافظت اللغات الوطنية على كياناتها وديمومتها مع تعاقب العصور والازمان ، وجاء تمسك الاقوام باصالتها بعد سقوط دولهم وكياناتهم السياسية عفويا للحفاظ على التقاليد والتراث والايمان والعادات واللغة من الاندثار ، وعلى الرغم من كل التقلبات التاريخية حافظت الامم العراقية على لغاتها وفنون كتاباتها وخطها وحروفها الابجدية ! . تبدو الأهمية الفائقة للترجمة الآلية بين اللغات القومية المؤلفة للشعب العراقي الواحد ومع لغات الشعوب المجاورة واللغات العالمية الأخرى الأمر الذي يستلزم مراعاة الآتي :
• الترجمة الحاسوبية صناعة ناشئة ودعمها يتطلب الاستثمارات اللازمة وتولي الهيئات الوطنية المتخصصة مسؤولية صناعة الترجمة الآلية … اي احتضان القطاع العام لهذا الميدان الحيوي الهام . .. مع تحفيز القطاعات الاقتصادية الاخرى لارساء اسس سليمة لصناعة الترجمة الآلية في بلادنا.
• من الضروري ان تاخذ وزارة العلوم والتكنولوجيا برعاية بحوث الترجمة الآلية في بلادنا … وهي الوزارة التي تاسست وفق القرار 24 الصادر من الادارة المدنية الاميركية في 24/8/2003 اثر دمج الهيئتين المنحلتين ” الطاقة الذرية ” و ” التصنيع العسكري ” بهدف قيادة التطوير العلمي – التكنولوجي واستنهاض البنية التحتية في البلاد والعمل مع القطاع الصناعي والوكالات الحكومية وغير الحكومية .
• رعاية المؤسساتية المدنية للغات القومية المؤلفة للشعب العراقي والترجمة والترجمة الآلية .
• مراعاة معايير الاستخدام وليس فقط المعايير اللغوية في صناعة الترجمة الآلية.
• التخلي عن فكرة ان الانكليزية هي لغة العلم الوحيدة .
• حل الازدواجية اللغوية والعمل على المقاربة بين اللغات الفصحى واللهجات السائدة في الاعلام والتعليم والمؤسسات الوطنية والاقليمية .
• تنشيط حركة الترجمة باعتبارها تجسيد للموقف الايجابي من الابداع في العالم ، وتكريس قواعد الترجمة الى اللغات الوطنية للشعب العراقي على اسس الحفاظ على نقاء هذه اللغات واثراءها ..
• تأسيس النظريات اللغوية التي تعتمد المستويات الصوتية والنحوية والدلالية السيمانتيكية وتتعامل مع الكمبيوتر والبنوك المعلوماتية والمصطلحات ، والاسهام في حل ازمة المصطلح العلمي وتعليم اللغات الوطنية للشعب العراقي للاجانب .
• التأسيس السليم للصناعة المعجمية اللغوية ، اساس تطور لا الترجمة فحسب بل ومجمل النشاط البحثي العلمي في العراق … والاهتمام بتأليف و صناعة المعاجم التاريخية التي تضم تطور دلالات الالفاظ اللغوية من عصور ما قبل الميلاد حتى الوقت الحاضر …. وتأليف المعاجم الاختصاصية في العلوم والفنون والآداب ، وقواميس المعاني ، والموسوعات …. فالصناعة المعجمية اللغوية اساس الترجمة الآلية وتستلزم الكفاءة المتقدمة في العلوم والمعارف الاختصاصية والعامة والالمام الواسع بآليات العمل في قطاع الدلالة في اللسانيات التطبيقية .
• تجديد قوانين المجمعات العلمية الأكاديمية ولوائحها الداخلية بما ينسجم وعراق ما بعد صدام حسين وهذا يشمل المجمعات العلمية السريانية والتركمانية والكردية وهيئات تدريس اللغات المحلية الوطنية في بلادنا والترجمة الآلية منها واليها .
• اعتماد البحث العلمي اساسا لتعزيز مفهوم الشعب العراقي للتطور اللغوي ومعرفة المعوقات التي تحول دون تطور اللغات الوطنية الفصيحة ، وازالة اللبس بين اللهجات وتقديم المعايير السليمة للصواب والخطأ في قضية الاغلاط الشائعة ، وحل مشكلة الاملاء ورسم اسماء الاعلام الاجنبية والمصطلحات الوافدة .
• تنشيط دور جمعيات وروابط واتحادات الترجمة والمترجمين في توحيد الجهد المشترك لرفع شأن مهنة الترجمة واستحقاقاتها .
• اهتمام الأعلام السمعي والمرئي باللغات الوطنية للشعب العراقي ورعاية محطات البث بها والقنوات التلفازية التي تستخدمها.
• صقل قابلية الكوادر التعليمية اللغوية،واستخدام الحاسوب في تعليم اللغات الوطنية للشعب العراقي للمبتدئين والأجانب ، ورعاية معاهد ودور تعليم هذه اللغات بالحاسوب.
• تطوير آلية أشراف ومتابعة دور الثقافة والنشر والجمعيات والنوادي الثقافية والاتحادات الأدبية والصحفية والنقابات عموما على أعمال وفعاليات الترجمة والترجمة الآلية في البلاد.
• تنظيم منح اجازات فتح مراكز الترجمة الآلية من والى اللغات الوطنية للشعب العراقي وتنظيم العقود مع مكاتب الترجمة العالمية.
• الحماية القانونية لمعدات الترجمة الآلية باعتبارها وسائل تقنية متطورة وحديثة توازي منجزات الانترنيت والتلفون الجوال والستلايت طابعها العام سلمي وسلبيتها تكمن فقط في امكانية استخدامها من قبل الايدي الخبيثة في التجسس الاستخباراتي والابتزاز.
في المجتمع المدني يتجلى الكل الاجتماعي في كل صغيرة وكبيرة من الحياة .. من الخطاب الاعلامي الى وحدة المشروع الوطني . التعددية مركز ثقل المجتمع المدني وشرط اساس لوحدته رغم اختلاف الالوان الاثنية والعقائدية ! والتنوع الفكري اساس وضمان الوحدة الوطنية !. العرب والكرد شركاء في هذا الوطن الى جانب التركمان والكلدوآشوريين والارمن والصابئة واليزيدية والشبك واليهود وباقي مكونات الشعب العراقي ، وساهم الجميع بنشاط في النضال من اجل الديمقراطية . الوحدة الوطنية ادانة للتمترس الطائفي الحالي ، وادانة لسياسات تصحيح القومية وفق قرار مجلس قيادة الثورة اللقيط رقم (199) لعام 2001 بهدف تفكيك الشرائح والاقليات الاثنية العراقية وتكريس العنصرية في بلادنا !. الفيدرالية – تعني الاتحاد الحر ، والاخوة العربية الكردية ، والوحدة الوطنية القائمة على اساس الاحترام والمساواة الحقة ، وبناء العراق الديمقراطي على ركام الروح الشوفينية والمشاعر القومية الانعزالية الضيقة ! ……… ان هدم الحضارات يبدأ بهدم اللغات ونشر النزعات الكوسموبوليتية والفوضوية وثقافات القطيع والعنف وتلك التي تخربش قلوب العامة وعواطفهم !ونشر تراجم الادب الهجين المستورد لحثالات لا تقرأ حتى في بلدان كتابها ! وتحويل الثقافة الى اسواق الضياع والمتاهات في الكانتونات المغلقة الطائفية والاثنية ! .












