بشار قفطان
اختارت لقبا لنفسها وأصرت ان يبقى ملازما لها بالرغم من كل ما أصابها , لتوكيد أصالتها العراقية , وانتمائها إلى ارض العراق موطن الاباء والاجداد .
وهي التي قالت : ( حتى النخاع .. أحببت العراق ..!! ) , وكل من قرأ قصائدها ونصوصها الادبية يجد تلك البصمات عليها .
اسمها … فاطمة .. واسم أبيها..علي حمد شهاب الخفاجي ..!! الذي عاش لفترة في مدينة الخالص وغادرها قسرا مطلع ستينات القرن الماضي .
… كناها مركز النور .. نخلة من نخلات العراق .. وتعددت لها التسميات … من قبل القراء ومتابعي نصوصها , المتعددة الألوان , والرؤى التي تهدف خدمة العراق , وطرق هموم أبنائه .
… اديبة وشاعرة وقاصة بامتياز .. ولكنها لاتبالغ بامكاناتها الابداعية , لتواضعها , وطموحها الواضح , للتواصل في عطائها الثر .
حيث المشاريع الكبيرة . تملا رأسها , ولا مباهاة إذا قلت انها تملك ذخيرة واسعة من شعور الثقة , في الأمل , والعمل والوصول إلى شواطئ الأمان ..!
وهي المولودة في مدينة البرتقال محافظة ديالى , وتحديدا قضاء الخالص , انتقلت العائلة الى العاصمة بغداد وهي ابنة أربعة سنوات , لا هربا من دين بذمة رب العائلة , ومطالب بتسديده , ولا لذنب اقترفه , سوى جريمة , الوطنية .. ووطنيته في انتمائه إلى الحزب الشيوعي العراقي .. ! الذي كان مدرسة في حياة الوالد والكثير من الذين زاملهم او تعرف عليهم خلال تلك المراحل التاريخية في النشاط الوطني . ذلك الانتماء كانت ضريبته.. السجن , والتشريد , والاعتقال , في العديد من السجون التي انتشرت في معظم المدن العراقية , وحتى الصحراء , آوتهم في سجن نقرة السلمان , طيلة عهود حكومات الاستبداد والدكتاتورية
انتقلت العائلة الى العاصمة بغداد واستقرت في منطقة الصليخ والكريعات في مدينة الاعظمية . والبيت صار وكرا حزبيا وملتقى فكريا لزائريه .
كانت لتلك الاتنقالة تأثيرا مباشرا على حياة .. فاطمة .. المدللة .
.. نالها من معاناة العائلة , حرمانها من مواصلة دراستها , لم تكمل دراستها المتوسطة بسبب حصة رب العائلة من ذلك الاضطهاد والمطاردات والسجن والاعتقال الذي تعرض له , والتهم الكيدية الجاهزة التي طالت العديد من الأبرياء وقت ذاك .
ناهيك عن التهم الموجهة بسبب المطالب المشروعة التي استجدت المطالبة بها في ظروف ما بعد انتصار ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة , من تعزيز الديمقراطية وإحلال السلم في كردستان وغيرها كل تلك صارت جرائم , وعقوبات وأحكام صدرت على من يطالب بها , وجاء انقلاب شباط عام 1963 ليرسم الصورة البشعة لأعداء الديمقراطية وتطور البلد عندما اغرقوا العراق بدماء أبنائه وملئوا بهم السجون والمعتقلات وحتى دفن الإحياء في مقابر مجهولة .
الطفولة الغضة وعشق الطيور, وما أحاط بشواطئ دجلة من تلك المناظر الخلابة القريبة من الدار التي سكنتها العائلة جعلت من فاطمة …البريئة كالحمامة , لائذة بين ماء دجلة والطين .
تفتحت عيناها على الحياة . و عشقت كل شيء جميل يحيط بها . وحتى عشق الموسيقى , و صوت فيروز الرخيم صار من هواياتها .
لم تبتعد عن ما يجري في دارهم من اللقاءات والاجتماعات والزيارات لبعض الرموز الذين كانوا مع والدها الراحل امال , وألام , رب الأسرة , صارت لها تاثيرها المباشر على حياة اليافعة .. فاطمة . وصارت تترجم تلك الهموم والمعاناة الخبيئة في الصدر , إلى قصص وقصائد شعرية مستوحاة من كل مايحيط بها وبالعائلة التي اعتادت على الملاحقة والاضطهاد .
. . وكيف لا ..؟ وهي عشقت كل شيء لانها رضعت من لبان امها حليب المحبة الذي له طعمه الخاص و تأصل في جذورها .
اكتملت صورة هذه االفتاة العنيدة في حبها وعشقها لكل ما يدور حولها وما رضعته , عندما زوّجها المرحوم والدها الى رفيق دربه الراحل عبد الاخوة التميمي .. الاقتصادي , والسياسي المعروف , وهي ابنة اربعة عشر ربيعا لتهنأ مع رفيق العمر والحياة , في تحقيق أحلامها الوردية , لمواصلة المشوار وما تعلمته من الدرس , خلال مراحل سني عمرها منذ نعومة اظفارها .
بارتباطها معه حصلت على حرية اكبر في ابداء الراي والمشاركة في صياغة الاصلح من المواقف والآراء . ولكن المعاناة , صارت عندها لها طعم اخر بسبب ما تعرض له شريك حياتها , من الاضطهاد متنقلا بين السجون والمعتقلات سجن الحلة ونقرة السلمان وغيرهما , وما تعرض له من التعذيب الوحشي الى حد حجزه في زنزانة انفرادية لمدة ستة أشهرعام 1990, بسب ذلك الانتماء الوطني , وهذا لم يوقف تلك المرأة والإنسانة عن تحمل أعبائها كأم ومربية ومتابعة لزوجها الذي يتنقل بين السجون والمعتقلات وهي تؤدي دِيّتهِ , في مواصلة النشاط الذي حرمه عليه النظام الدكتاتوري البغيض .
غصة العيش وسغبه , وعدم الراحة كتب على تلك الإنسانة . ولكنها استطاعت ان تشق طريقها مرفوعة الرأس غير أبهة بالترغيب والترهيب , الذي كانت تلوح بها تلك الوحوش الكاسرة في ذلك الزمن الغابر والنحس ,
عام 1988 صدمة أخرى ليست كما نكتبها تتعرض لها أم نزار وهو رحيل معلمها الأول ومن تأثرت بسيرته , ومسيرته وجذرها الأساس الوالد , بعد فقدان احد أشقائها , وإصابة الأخر في الحروب العبثية , التي أجبرنا عليها النظام البغيض . صدمة وخسارة كبيرة , لا لفاطمة فحسب ’ وإنما لكل من عرف والدها من الرفاق والأصدقاء والزملاء الذين عاصروه . ألأم .. لم تهنأ , و تسعد بحياتها بعد رحيل زوجها لتلتحق به حزنا وكمدا بعد فترة قصيرة من رحيله الأبدي .
لم تكتحل العيون كما كان يتصور البعض برحيل الدكتاتورية ورموزها , لان بقاياها ضلت تعبث بأمن الناس , متحالفة مع اعتى قوى الإرهاب المتفننة في زرع الرعب والدمار بين الناس الأبرياء . بدون تمييز .
في عام 2004 ترتكب جريمة تفجير الدار الآمنة التي يسكنها أبو نزار في مدينته بعقوبة ,
وعلقوا عليه لافتة ( بيت العميل عبد الأخوة التميمي )
المطالبة بالديمقراطية ونبذ العنف والإرهاب عمالة من وجهة نظر هؤلاء الظلاميين
.. ولا ندري ..لمن .. تلك العمالة ..؟ ,
العائلة يفرض عليها التهجير ألقسري , لتسكن العاصمة بغداد ,
… وكان كل شيء يهون .. إلا الرحيل المبكر ..!! لمن عايشته وشاركته الحلوة والمرة , في ريعان شبابها حتى اخر لحظة من حياته .. رفيق حياتها ودربها .
.. أبا نزار .. يغادر الدنيا .. وإرهابها في شباط عام 2008 . ليتركها تخوض في لجج الخطوب تحمل بين جوانحها همومها الحبيسة بين حنايا الصدر , وهموم من عرفها ’ وتحملُ أعباء أبنائها وتربيتهم على ذات النهج ..! الذي سارت عليه ووثقته عهدا على نفسها , في اغلب نتاجها من النصوص , ومواضيع عديدة . وكأن لسان حالها يردد قول الشاعر الكبير ألجواهري
( إن المصائب طوعا أو كراهية أعدن نحتي كما أبدعن تلويني )
( واها لنفسي من جمع النقيض بها نقيضه جمع تحريك وتسكين )
وهذا ما تلمسه عندما نقرأه , في مجمل نصوص ام نزار .. الأدبية والشعرية التي تجاوزت حوالي المائة وسبعين نتاجا تم نشرها في معظم المواقع الالكترونية والصحف المحلية . لم تترك لنا شيئا من المستجدات لم توضحه لنا وصارت محط اهتما م ومتابعة للعديد من القراء والمتابعين .
وبقي ّمن فقدته جسدا أسكنته روحا في جسدها وصار نسغا يجري في عروقها , وفاء للوالد والمبادئ السامية التي تأصلت في من دّلها على الدرب . ويبقى الحديث عن الماضي مع .. ام نزار .. يثير مواجعها وهي تستذكر العديد من الرموز والشخصيات السياسية المعروفة في تاريخها النضالي .. منهم من استشهد , او رحل كمدا , او من بقى يشاركنا الحياة امد الله في عمرهم .
كتبت القاصة والشاعرة العراقية عن هموم العراقيين في شتى الميادين , كتبت للمرأة , وأحلامها , وحقوقها , وتحدثت عن الطفولة وبنائها , وعن العمال وحقوقهم , وعن بيئتها السياسية التي عاشتها وعن أشياء وأشياء كثيرة .
لابد من يساعدها على جمع وطبع نتاجها الذي سيغني الثقافة العراقية ومكتبتها .
عمرا مديدا للإنسانة والمرأة والأم التي انتسبت .. للعراق .. وكيف لا ..؟
وهي القائلة : لي الشرف عندما يشار لي بالبنان إني عراقية
أم نزار ما زالت تمنحنا من عصارة فكرها .. تحكي همومنا .. قبل همومها ..
… وهي المبتلية بعشق الوطن والناس … أنها الصوت المدوي … وتبقى فاطمة العراقية ….!!



