ذكريات مسيرة
نضال عبد الكريم
احاول ان احافظ على ذكرياتي في فترة وجودي في
كردستان ، نصيرة ضمن عدد من النصيرات جنبا الى
جنب مع اعداد كبيرة من الانصار الشيوعيين ،
حملنا السلاح ، لنحارب الدكتاتورية ، منذ ان
بدأت حملتها ضد الحزب الشيوعي العراقي في عام
1978 . اريد ان اسجل هنا ذكرياتي عن مسيرة
الانسحاب من مقراتنا ، بعد خسارتنا معركة بشت
ئاشان اثر هجوم من قبل قوات الاتحاد الوطني
الكردستاني في آيار 1983 .
ولمن لا يعرف بشت ئاشان ، فهي قرية مهجورة في
اسفل جبل قنديل الشامخ ، والذي يشكل نقطة حدود
مع ايران ، تغطي الثلوج قمته وسفوحه اشهرا
عديدة من السنة . اختار الحزب الشيوعي العراقي
هذه القرية والوادي ليكونا مقرا خلفيا لقيادة
الحزب واعلامه ، ولكن التطورات السياسية
والعسكرية بين الحزبين الكرديين الرئيسيين
وضعتنا كطرف في الصراع بينهما ، وآلت تلك
التطورات الى هجوم عسكري من قوات الاتحاد
الوطني ضد مقرات الحزب في بشت ئاشان ، الأمر
الذي اضطرنا الى الانسحاب نحو سفح جبل قنديل
والانتقال الى الجانب الآخر الذي كان برعاية
الحزب الديمقراطي الكردستاني .
للأسف الشديد لم يكن انسحابنا منظما كما ينبغي
، ولم نكن نعرف خط انسحاب واضح ، ولم نكن
مستعدين الى الانسحاب اصلا ، لأن قيادة الحزب
لم تتوقع ان يهاجمنا الانحاد الوطني في مقر
المكتب السياسي في بشت ئاشان ، كما صرح الفقيد
فاتح رسول عضو اللجنة المركزية آنذاك . وهكذا
كانت مسيرة الانسحاب التي ابتدأت منذ عصر يوم
2 آيار 1983 طويلة وموحشة وقاسية .
قبل مسيرة الانسحاب بأيام ، وعندما كان التوتر
سيد الموقف ، كان النصير عبد الحسين شعبان (
ابو ياسر ) يجمع بعض الأوراق ويضعها في كيس
نايلون ويذهب بها الى اعلى الجبل لدفنها هناك
ووضع شاهدة عليها للتدلل على المكان عند
العودة اليه ، ومثله فعل النصير صباح
المندلاوي ( ابو النور ) الذي كانت لديه
كتابات ادبية ومسرحيات لا يريد لها ان تحرق ،
فوضعها في علبة حليب نيدو فارغة وذهب بها الى
اعلى الجبل لدفنها هناك .
ابلغوني بالانسحاب ،اعلموني ان آخذ وثائقي
واتجه نحو نهاية الوادي ، والصعود اعلى السفح
، مع الآخرين ، مررت بالحانوت الذي كان يبيعنا
بعض المستلزمات ، رأيته مفتوح الباب ، اخذت
منه بعض التمر والسكر ، ومجانا للمرة الاولى
والاخيرة ، وبدأت صعودي سفح جبل قنديل مع
الآخرين مثلي الذين لا يعرفون الى اين نتجه ،
وما ينتظرنا ، وماذا بشأن الآخرين الذين
تركناهم وراءنا ، اسئلة كثيرة تمر امامنا ولا
يستطيع احدنا الإجابة عنها .
في المسيرة ، كان الرفيق جاسم المخرج الاذاعي
الذي كان احد العاملين في اذاعة الحزب ، التي
كانت تبث من بشت ئاشان ، يجلس القرفصاء على
صخرة عالية نسبيا وينظر من اعلى الى مبنى
الاذاعة الذي يحترق بعد ان قرر الرفاق نسفها
وحرقها ، كان ثابتا في قرفصائه رغم اصوات
الانفجارات ، يحدق بالنيران وعيناه تشبه
جمرتين تقدحان شررا ، لم يكن ليسمع مناداتنا
له . بعد ان خفت لهيب النيران نزل من الصخرة
العالية ، وقال لي : امشي ، ابو جواد وراءنا.

في المسيرة كانت
الرفيقة لينا ، زوجة الرفيق خالد قد وضعت
طفلهما الأول قبل يومين ، ولم يسعفهما الوقت
حتى لتسمية المولود الجديد . كانت لينا تسير
امامي وكان طفلها عبارة عن فم يصرخ كل لحظة
طالبا للحياة . لينا لا تملك الحليب واصابها
نوع من الانهيار ، تناوبنا على حمل الطفل ،
ولينا تصرخ أين خالد ؟ هل استشهد ؟ كل ساعة
تمر تصبح الحياة اكثر صعوبة ، فالبرد قارس
والمجهول امامنا .
فجأة ظهر امامنا الرفيق الشهيد الطبيب ابو ظفر
، حمل الطفل وذهب الى لينا ، قال لها : اهدئي
، ضعي الحلمة في فمه حتى لو كانت خالية . لينا
كانت تهذي وبالكاد تمشي ، وبدأ لون الطفل يميل
الى الزرقة ، وضعه الدكتور ابو ظفر على سترته
واخذ بعض من السكر ، وخلطه بالثلج الذي تحت
اقدامنا ، فرك الثلج بالسكر ، ووضعه في فم
الطفل ، ولأول مرة بدأ الطفل يستعمل لسانه في
التذوق ، وبدأ يهدأ ، كان يصرخ للحظات ويسكت ،
وكان الرفاق يساعدون لينا في صعود جبل قنديل ،
كنا نصعد الجبل دون معرفة للوقت ، كانت غريزة
البقاء تدفعنا الى ذلك ، والبعض منا قد انهار
من التعب .
في المسيرة كان يظهر بشكل مفاجئ ، رفاق جدد ،
لحى خشنة ، وجوه جائعة ، تسأل عن بقايا تمر أو
سكر أو كسرة خبز ، كان الرفاق يبحثون تحت
الصخور عن سكر وشاي ، وكانت هذه عادة الرعاة ،
يضعون في كل مكان يمرون به ، السكر والشاي
والملح ، ولكن احلامهم كانت عبارة عن سراب في
صحراء قاحلة ، فأي راع يصعد بقطيع الغنم الى
جبل قنديل حيث الثلوج تغطي قمته على مدار
السنة ولا يوجد تحت الصخور سوى الافاعي في
سبات .
في المسيرة ، وحين اشرقت الشمس في 3 آيار 1983
، فجأة ظهر طفلان ، الاول له من العمر ثلاث
سنوات والثاني سنة واحدة ، كانا مع امهما
قادمين من منطقة نبي يونس في الموصل لزيارة
والدهما الذي كان رفيقا معنا في بشت ئاشان .
طلب الدكتور ابو ظفر مساعدة للطفلين اللذان
كانا يرتعشان من البرد وامهم التي تندب حظها
بالخروج من نبي يونس ، طلب من الرفاق حمل
الطفلين ، كل رفيق يحمل الطفل لمدة ساعة ثم
يسلمه الى رفيق وهكذا . ولم يكن الامر بالهين
، فلم يستطع احد تكملة ساعة ولكن في نفس الوقت
لا يمكن رمي الاطفال على سفح الجبل ، حين يحمل
الرفيق الطفل ذو الثلاث سنوات وهو نائم وملفوف
في بطانية لا يستطيع حمل بندقيته معه ، ولا
أحد يستطيع بسبب من التعب والجوع ان يحمل
بندقيتين ، وهكذا تخلى الرفاق عن بنادقهم ،
الا ما ندر ، امام بقاء الاطفال على قيد
الحياة . كان الدكتور ابو ظفر يقدم المساعدة
وتهدئة من فقد اعصابه ، لم يكن احدنا يكلم
الاخر ، الجميع اما صامتين أو في حالة هستيريا
.
ظهرت ام خولة امامي ، سألتها عن ابو خولة
أجابتني انه خرج مع رفاق آخرين منذ الصباح
الباكر ، وكنت قد خرجت معهم ، لكنهم اعادوني
الى المقر مع الدليل الذي رفض ايصالهم الى
الجانب الاخر بسبب الثلج الذي يغطي قنديل .
عند النزول الى سفح قنديل من الجهة الاخرة ،
كان على ام خولة ان تهبط تزلجا ، جلست ام خولة
على الثلج مباشرة ، اغمضت عيناها ، وغطت وجهها
بيديها ، واندفعت الى الاسفل
وفي الاسفل كانت هناك مجموعة من الرفاق تستقبل
الرفاق المتزلجين ، مشينا لساعات ثم جاءتنا
سيارات نقلتنا الى الداخل الايراني ، حيث
استقبلتنا قوات حدك ، اخذوا الرفيقات الى بيوت
اعضاء حدك ، والرفاق وضعوهم في المدارس .
الرفيقة الطبيبة اشواق ، العروس التي لم يمر
على زواجها شهر ، تبحث عن زوجها الرفيق رعد
بين الوجوه . الرفيق سالم يبحث عن زوجته
الشهيدة عميدة بين الرفيقات ، يسأل عنها ولا
يدري ان خاتم زواجهما كان اغلى من حياتها .
كان سالم لا ينام الليل ، يحوم حول اماكن
الرفاق ينتظر القادمين الجد ، ربما كانت عميدة
معهم ، كان يجلس في مدخل القرية ، ربما يراها
قبل غيره ، وقطع الأمل بشاهد عيان ، سقط سالم
منهارا لمدة يومين ، كنا ننظر اليه خلسة من
الشباك ، كان طعم الدم والغدر بين اسناننا ،
كانت المشاعر متضاربة ، ساخطة على الحزب
والحلفاء وعلى وعلى ، كنا دائما نحاول ان نسأل
ونسأل ونسأل شاهد العيان عن نفس الشيئ لعدة
مرات . كانت اوامر اوك لمقاتليه تقول ، من
مسدس وأقل فهي غنيمة لك ، ومن بندقية وفوق فهي
للحزب ، ولذلك قُطع اصبع عميدة لسرقة خاتم
الزواج .
سألت كثيرا عن زوجي ابو جواد الذي بقى في
المقر لانجاز شيئ ما مع رفاق آخرين ولم احصل
على جواب الا في اليوم التالي عندما اخبرني
الرفيق باسم ، بأن ابو جواد في الخلف ينتظر
القادمين ليدلهم على اتجاه الطريق الذي يتوجب
سلوكه ، التقيته في اليوم الرابع .
سألني النصير مكي حسين ( ابو وسيم ) بعد ابو
يحي هل سمعت عن شهيد آخر ؟ قلت نعم كان سعد ،
سعد وماجد اخوة شباب مراهقين لم يصلوا الى سن
الثامنة عشر آنذاك وهم كل ما تبقى من العائلة
التي تمت ابادتها من قبل المخابرات العراقية .
لم يبقى غير ماجد هل تعرفين اين هو ؟ لم اكن
اعرف اين هو ، ، ونحن نصعد الى اين ؟ لا احد
يدري وينضم الينا رفاق كانوا تائهين او الصدفة
قادتهم الينا .
الجميع كان في حالة ذهول ، والجميع يسأل
الدكتور ابو ظفر عن علاج لوجع المعدة التي
كانت جائعة لايام وامتلأت فاصوليا يابسة فجأة
، كان بعض الرفاق حفاة ، فقدوا احذيتهم في
الطريق ، والبعض كانت ملابسه ممزقة ، بقع دم ،
بقايا قيئ من معدات خالية ، البعض يحمل جروحا
في اماكن مختلفة .
بعد اسبوع بدأ الرفاق يلملمون بعضهم البعض ،
ويسألون عن المتأخرين في الوصول وعن شهود عيان
لمجازر البرابرة . ، احدهم حدثنا عن الشهيد
عبير وكيف سقط من اعلى الجبل وملأت صرخته
الجبل ، ام بهاء بدأت تفقد توازنها بعد
استشهاد رعد وعميدة ، كانت تنتظر ابو ظفار
اخيها ، تأخر شاهد العيان والأمل بالأسر أفضل
بكثير ، كانت كاللبوة الجريحة تهاجم كل من
يبتسم ، اما اشواق فكنا نصحو ليلا ، نحن
الرفيقات على نشيج بكائها ، لم تكن تكتمه لا
البطانية ولا المخدة ، وبعد يوم انضمت ام بهاء
الى اشواق ، كانت عايدة تذهب خلسة الى مكان
منعزل بعيد نوعا ما ، قررت ان اذهب خلفها ،
كانت تجلس متربعة على الارض متكأة على
بندقيتها وتبكي بحرقة ، كانت تبكي الجميع .
وفي يوم ، جاء رفيق يحمل بيده اوراقا ويجمع
الرفاق ويسألهم فردا فردا ، عن احتياجاتهم ،
من ملابس واحذية ، وماهي مقاساتهم ، حتى
يشتروا لنا ما نحتاج اليه ، وحينما سأل الرفيق
عبوسي عن حاجاته اجاب عباس : انه بحاجة الى
امرأة ، في هذا اليوم ضحك الجميع .
