ايام لا تُنسى
(2)
همام عبد الغني
كان " الكشك " فقيراً جداً , فكل رأسمالنا لا
يزيد على النصف دينار , ان لم يكن اقل , نشتري
يومياً صندوق او اثنين من المشروبات الغازية (
مشن وبيبسي كولا ) , وكان غذاؤنا يومياً صمونة
وقنينة مشن لكل منا , وفي المساء كما ذكرت
الدبس والراشي , وكنا نجمع عشرة فلوس يومياً ,
لتكون سبعين فلساً في نهاية الأسبوع , يأكل
احدنا وجبة باجة , بالدور .
بعد اسبوع من حادثة الرسالة , تمكنت من
الأتصال بالأهل بالتلفون , وعلمت ان الوالد
والوالدة اخلي سبيلهما بعد اربعة ايام , كما
اشرت سابقاً, وابلغت الوالد اذا ما طالبوهم
بتعهد جديد , ان يرفض , فلن يفعلوا لهم شيئاً
, وفعلاً بعث الأمن يطلبهما للسؤال عني ,
فأبلغوهم , بأنهم لم يعثروا عليّ وحين طلبوا
منهما توقيع التعهد من جديد رفضا بذريعة انهما
كبار السن وضعاف الحال , وليس بامكانهما
التفتيش عني , واخيراً اكتفوا بأن طالبوهم
شفوياً , ان يبلغوهم اذا اتصلتُ بهما . أما
اختي وابنة اختي فقد تعرضتا للضرب والتعذيب
الوحشي , لمعرفة مكان تواجدي , لكنهما انكرتا
رؤيتهما لي , وقد أُخلي سبيل الطفلة بعد
يومين, اما اختي فقد قدمت لمحكمة سريعة وحكمت
بالسجن عشرة اشهر لتدخل سجن النساء الى جانب
زوجتي واختي الكبرى . أما زوجتي , فقد حدثتني
بعد ان انهت محكوميتها , بأن لجنة تحقيقية
خاصة جاءت الى سجن النساء , وحققوا معها ان
كانت تعرف مكاني , فنفت ذلك , ثم عرضوا عليها
الرسالة لتتعرف على الخط , فأنكرت انها تعرفه
, او ان لها علاقة بالرسالة , وتقول " كنت
اغلي خوفاً عليك , ولم استطع ان اسأل إن كنت
وقعت بأيديهم ام لا ؟ . وفي نهاية التحقيق ,
سأل احدهم الآخر " واين هو هذا ال ….الآن ،
فردَّ عليه ,"هرب الجبان ..النذل , هرب بنفسه
وتسبب باعتقال اهله" , تقول عند هذه الكلمة
شعرت بانطفاء النار التي تأججت في صدري .
في اليوم الثالث لوجودي مع المناضلين عبد الله
وأمين , وبينما كنت احمل " سطلة " قناني
البيبسي كولا , بين ممرات المستشفى , التقيت
بالأخت الفاضلة ام حازم , حياة عودة , فأشحت
بوجهي عنها كي لا تعرفني , وكانت تعمل ممرضة
في المستشفى , وشعرت انها ما عرفتني , وزاد
اطمئناني , انها لم تحاول ان تكلمني اطلاقاً ,
وحين كانت تلقي عليّ السلام كانت تناديني عبد
الرحمن , واستمرت هكذا حتى سقوط البعث وحرسه
القومي يوم 18 تشرين الثاني 1963 , اذ جاءت
بعد ان فتحنا الكشك مرة ثانية لتسلم عليّ
باسمي " خويه همام شلونك " فسألتها مستغرباً ,
هل عرفتيني ؟ فأجابتني "عرفتك منذ اليوم الأول
, لكنني لم اشعرك بذلك لئلا ترتبك بسبب معرفتي
لك" .
بعد فترة قصيرة من وجودي في الكاظمية التقيت
بالرفيقة نجية حسين ( ام بشرى ) وكنت اعرفها
من البصرة , التقيتها حين جاءت بأحد اطفالها
للمستشفى , وكانت مختفية في مدينة الحرية على
ما اذكر , وصرنا نقدم لها ما امكننا من مساعدة
مادية لتعيل اطفالها , حيث كان زوجها المناضل
المرحوم عبد علوان الطائي في السجن قبل انقلاب
8 شباط الأسود .
استئناف العمل
الحزبي
بعد ان استقر بنا الحال , بدأنا
نفكر ونتداول موضوع عملنا الحزبي والسياسي ,
وقد وضعنا خطة من ثلاث نقاط:
الأولى , العمل الهادئ بعيداً عن
التهور او الخطأ , وتركز اساساً على ان نحافظ
على سلامتنا وسلامة من يرتبط بنا.
والثانية
, فهي ربط اي عنصر نعرفه جيداً, ولم يقع بيد
العدو , والمحافظة عليه , ويكون عملنا هذا
بمنتهى الحيطة والحذر والتكتم .
اما النقطة الثالثة , فهي البحث الهادئ
والحذر عن مركز الحزب , واعادة ارتباطنا
التنظيمي . وقد التزمنا بالنقطة الأولى
التزاماً تاماً , حيث لم نقدم على اي عمل او
خطوة تعرضنا للخطر . وفي تطبيق الفقرة الثانية
فقد فرضوا عليّ ان لا اتحرك او اتصل بأحد ,
باستثناء العناصر التي اعرفها تماماً كالرفيقة
ام بشرى مثلاً , بسبب عدم امتلاكي لأية وثيقة
تمكنني من التحرك , ولكوني ملاحقاً بشدة بسبب
موضوع الرسالة وذيولها .
اما بالنسبة لفقرة البحث عن مركز الحزب ,
وتحقيق الأرتباط , فقد كانت بمنتهى الصعوبة ,
اذ أن التنظيمات المقطوعة كثيرة , وربما نقع
بكمين للعدو , وكان الجميع يدّعون انهم مركز
الحزب.
تمكنا بفترة قصيرة ان نتصل بالكثير من العناصر
المنقطعة , وكانت الأتصالات فردية , او كما
يسمى ( التنظيم الخيطي ), وقد عثرنا على
تشكيلات لم يكن اعضاؤها شيوعيين قبل 8 شباط
1963 , مدنيين وعسكريين , بل كانت احدى
التشكيلات مكونة من رجال شرطة المرور فقط ,
وما يبعث على الأعتزاز ان تلك التنظيمات كانت
نظيفة , فلم يحصل فيها اي اختراق او اعتقال .
وطبعاً لم يكن لدينا احصائيات أو خلايا او
اشراف للتأكد من الأرقام الدقيقة , ولكن حجم
المنظمة بلغ قرابة 400 عنصر , وقد رحلناهم الى
منظمات الحزب بعد ان تم الأرتباط بالمركز بعد
انقلاب 18 تشرين الثاني 1963 , كما سيأتي
لاحقاً.
طوال فترة العمل
, التي استمرت قرابة اربعة اشهر , وحتى
ارتباطنا بالحزب , لم نجمع اية اشتراكات او
تبرعات من العناصر المرتبطة بنا , اذ لم يكن
لدينا اية مصروفات , فلا طباعة ولا وسائط نقل
ولا اوكار حزبية ,كما ان غالبية العناصر هم من
الهاربين والعاطلين عن العمل .
خلال تلك الفترة السوداء , ارتكبت خطأً صغيراً
, كاد ان يفضحنا , لكنه مر بسلام , وقد حاسبتُ
نفسي عليه حساباً شديداً . فقد كان بين
الأطفال المرضى , طفلٌ بعمر الورد , بين
الخامسة والسادسة من عمره , اسمه علي , من
عائلة ميسورة , كما استنتجنا , كان علي مصاباً
باللوكيميا "سرطان الدم" , وكان يحتاج الى
الدم بين فترة واخرى .
وفي احد الأيام , وبينما كنت ادور على الزائرين بقناني المياه الغازية , وجدت عدداً من عائلة علي , نساءً ورجالاً والقلق والحزن بادٍ على وجوههم , وفهمت من بعضهم ان علياً بحاجة الى دم , وان الحضور اعطوه من دمهم , ويرفض الأطباء سحب المزيد من الدم منهم , وليس هناك من يسعفهم ويتبرع بدمٍ على وجه السرعة .
كانت طبيبة الأطفال شابة يبدو عليها حديثة التخرج , وكان باب غرفتها مفتوحاً والعائلة متجمهرة هناك , فقلت لها: دكتورة افحصي دمي . قالت أتريد التبرع ؟ قلت نعم افحصيه. فأخذت عينة من دمي وفحصته , وقالت انه يناسب . تجمهرت العائلة حولي يرجونني ان اتبرع للصغير . فقلت خذي الكمية التي يحتاجها الطفل . وجرت عملية سحب الدم , وحين امتلأت القنينة التي استعملتها , قالت للممرضة باللغة الأنكليزية , لا تدعيه يراه , dont let him see it .
هنا ارتكبت الخطأ
الذي مر بسلام حيث قلت لها , لماذا دكتورة ,
انني لا اخاف , خذي الكمية التي يحتاجها الطفل
. فردت " انت تعرف انكليزي ايضاً , انا منذ
البداية غير مقتنعة بأنك بياع بيبسي " , قلت
يا دكتورة من يدري , ربما سيسل هذا الدم
مجاناً فخذي قنينة اخرى لأنقاذ الطفل " إلا
انها رفضت , وقالت هذا يكفي . بعد قليل من سحب
الدم , جاءتنا وجبة طعام من المشويات من عائلة
علي , وبينما كنا نأكل ضاحكين , كان الصغير
علي ينتعش تدريجياً بدمي الذي كان رخيصاً حقاً
في تلك الأيام , وكان عبد الله يمزح مع اهل
علي قائلاً " اذا تحتاجون باجر هم ينطيكم دم
وجيبولنه وجبة ثانية " . لم احدث الأخوان عن
ملاحظتي المتسرعة التي قلتها , لكنني أنبت
نفسي بشدة عنها .
يتبع
ايام لا تُنسى (1)
