ثورة 14 تموزالوطنية الوجه المشرق لعراق القرن
العشرين
همام عبد الغني
مهما تراكم غبار السنين العجاف , ومهما عوت
واستكلبت ذئاب التآمر والخيانة , ومهما
احلولكت ظلمة التردي التي يحاول اعداء العراق
فرضها بأشكال ومسميات مختلفة , فإن وجه ثورة
14 يموز 1958 , يطل علينا في كل عام مشرقاً
نظيفاً جميلاً , فيعيد الينا ذلك الأشراق
الرائع , لوجه الثورة الناصع البياض, وجه
الطفولة الرائع الذي لا يشيخ . فيعيد
للعراقيين ذكراها العطرة , واهدافها الكبيرة ,
وانجازاتها التي مازالت حيةً واضحة المعالم ,
مهما حاول اعداء الشعب العراقي تشويهها . وإذ
اصف وجهها بوجه الطفولة , لأن الثورة الوليدة
اغتيلت ووئدت قبل ان تكمل السنة الخامسة من
عمرها . ومعروف في كل الأديان , ان الأطفال
حين ينتقلون الى العالم الآخر , عالم الأنوار
,فهم لا يكبرون ولا يشيخون . فبالرغم من مرور
سبعة ٍ واربعين عاماً على اغتيالها , فإن
اهدافها وما رسمته لمستقبل العراق وشعبه ما
زالت قائمة وواجبة التنفيذ , بل انها طريق
النور المفضي الى السعادة والتقدم والسلم
الأجتماعي .
فبعد اسقاط الملكية واعلان النظام الجمهوري ,
حققت الثورة خلال اقل من خمسة اعوام , ما عجزت
عن تحقيقه كل الأنظمة التي حكمت العراق طوال
اكثر من تسعين عاماً من عمر العراق الحديث .
فقد اخرجت العراق من حلف بغداد المشؤوم , رغم
المخاطر التي كانت تترتب على هذه الخطوة
الجريئة , اذ كان محاطاً بالأعداء من كل حدوده
, ايران الشاه , وتركيا مندريس وارتباطاتها
المعوفة , والأتحاد الهاشمي ومن خلفه بريطانيا
واميريكا واسرائيل , والسعودية , الى جانب
اطماع الدكتاتور جمال عبد الناصر . بيد ان
الثورة وقيادتها احتمت بالشعب الثائر وقواه
الوطنية المخلصة , فكان لها خير حامٍ وخير
معين . وحررت الأقتصاد العراقي بفك ارتباط
الدينار العراقي من منطقة الأسترليني, واصدرت
قانون الأصلاح الزراعي الذي انهى النظام شبه
الأقطاعي في الريف , وانصف ملايين الفلاحين
الفقراء, والغى قانون دعاوى العشائر , الذي
كان يتحكم بمصير ملايين العراقيين داخل المدن
وخارجها , وقسم الشعب العراقي قانونياً
واجتماعياً .
واصدرت قانون الأحوال الشخصية , الذي يعتبر ,
وحتى اليوم من ارقى الأنظمة الأجتماعية التي
تحفظ كرامة المرأة العراقية من اضطهاد قرون
الظلام والتخلف , وبالتالي حماية العائلة
العراقية . وتأسست مئات المنظمات الديمقراطية
والأتحادات والنقابات العمالية والمهنية ,
وصدرت الصحافة الحرة , وأطلقت سراح السجناء
والمعتقلين السياسيين , واعادت الأعتبار
لشهداء الشعب العراقي , قادة الحزب الشيوعي
العراقي وشهداء حركة مايس1941.
وقد توجت الثورة مسيرتها الوطنية , باصدار
القانون رقم80 لسنة 1961, الذي انتزع99.5% من
الأراضي العراقية من ايدي الشركات النفطية
الأحتكارية , وبدأت باعداد قانون شركة النفط
الوطنية , الذي قيل ان الشهيد عبد الكريم قاسم
وقعه وهو يقاوم الأنقلابيين يوم 8 شباط 1963
الأسود .
لقد كان القانون رقم 80 قمة التحدي الذي
مارسته الثورة الفتية ضد الأحتكارات النفطية
والأنظمة الأستعمارية التي تقف وراءها .
والمؤسف ان صدور هذا القانون الذي يشكل احدى
قمم وطنية الثورة , وركائزها الأساسية , جاء
في وقت بدأت فيه قيادة الشهيد عبد الكريم
قاسم, بالتراجع امام ضغط القوى الرجعية
والقومية المتآمرة , وفي وقت حدوث الشرخ
الكبير الذي حصل بين قيادة الثورة والحركة
القومية الكردية , وفي وقت مارست فيه الأجهزة
الأمنية ذات التاريخ الأسود في معاداة
الديمقراطية والشيوعية حملاتها الشعواء ضد
القوى التقدمية , حيث امتلأت السجون بعشرات
الآلاف من المناضلين الشيوعيين والديمقراطيين,
وهم يناضلون لأخماد نيران المواجهة في كردستان
, تحت شعار ( السلم في كردستان ) مما تسبب في
اضعاف شعبية قاسم , مع حملة موازية في الجيش
لأفراغ الوحدات العسكرية من الضباط التقدميين
وتسليمها للضباط القوميين والرجعيين , الذين
صاروا الركائز الأساسية والبؤر التآمرية ضد
الثورة وقيادتها .
وبموازاة هذه الأنجازات الكبرى , تجلت الهوية
الوطنية العراقية بأروع صورها , فلم تجد
الطائفية او القومية الشوفينية , او محاولات
تسييس الدين , اية ارضية خصبة لوضع بيوضها
الشريرة في الشارع العراقي , وقد ظهر ذلك
جلياً في الهبة الجماهيرية العارمة للدفاع عن
الثورة ومنجزاتها وقيادتها يوم تمكن
الأنقلابيون الخونة وبدعم تام من الدول
الأمبريالية وشركاتها النفطية والنظام
الدكتاتوري المصري , من تنفيذ مؤامرتهم
الدموية القذرة يوم 8 شباط1963 , مستغلين
الثغرات والأخطاء التي ارتكبتها قيادة الثورة
, وتفكك وحدة القوى الوطنية وتناحرها.
ان ذكرى ثورة الرابع عشر من تموز1958 الوطنية
ودروسها الأيجابية والسلبية, تلقي على عاتق
القوى السياسية في عراق اليوم , مسؤولية
استنباط الدروس والعبر ,وقيادة العملية
السياسية بعيداً عن المحاصصة الطائفية
والمكاسب الحزبية والشخصية الضيقة , والتوجه
المخلص لمعالجة معاناة الشعب العراقي الذي
اتعبته الصراعات اللامبدأية وحب التسلط
والزعامة والفساد المالي والأداري . ان
المكاسب الشخصية والحزبية الضيقة , مهما كبرت
لن تحقق لأصحابها حب وتأييد الشعب العراقي
الواعي والأصيل , وامامنا مثلان واضحان
ومتناقضان , حب وايمان الشعب العراقي لشخصية
الشهيد عبد الكريم قاسم , ونبذ وتخلي هذا
الشعب الأصيل وجيشه الباسل عن الدكتاتور
الدموي صدام حسين , وتركه يواجه مصيره الأسود
المحتوم الى مزبلة التاريخ .
المجد لثورة الرابع عشر من تموز 1958 الوطنية
التحررية
المجد والخلود لقادتها الشهداء الأبطال , ولكل
شهداء شعبنا العراقي وقواه الوطنية المخلصة
