غنائم !

عدد المشاهدات: 1التصنيف: مقالة

بلقيس الملحم
qadiiah@hotmail.com


بلقيس الملحم *

الحدث أكبر حجما من الكتابة, وشهود العيان أكبر من الحدث, لذا اتخذت قراري لوحدي, ودون أي تردد, لم أستشر مسؤول المخيم, المدرسة, الملجأ, فلتسميه الأمم المتحدة ما تشاء, كان علي فقط, أن أمضي في قراري وبسرعة, أمسكت بيد ولدي فادي وعمر, بعد أن ربطت على بطني قطعة قماش قصصتها من ستارة أحد النوافذ المهشمة, وعصبت ببقيتها رأسي الذي أخذ يثور بفعل نافورة هواجسه..

يبدو أن بوادر وقف إطلاق النار, قد بدأت التنفيذ, فالقصف متوقف منذ أربع ساعات متواصلة, والجميع يغرق في نوم مليء بالكوابيس.. لم أكن لأحسدهم على تمزق أرواحهم وأجسادهم من على إسفلت وبلاط الملجأ البارد, فعندي الكثير من الندبات التي رقصت حولها قرصات قبائل النحل المتخمة بالجوع والحيرة!

ولأن الموت هو القبلة التي توحدنا في الحروب والنكبات, كان لابد أن أشفع لكرامة موتنا نحن الثلاثة, واقفين, محنطين آخر أنفاسنا بكأس من الماء, لننهض يوم الزحام, ونحن نحتفظ بشيء من الارتواء والنداوة والرطوبة والعزة!

ملتحفين بظلمة الأزقة التي كنت أعرفها جيدا فأنا أدرك متى تصادفنا بيارات الصرف الصحي الطافحة برائحة الجثث, وبقايا الأطعمة.. ومتى ينحني بنا زقاق الشيخ راضي سكر, تماما عند مفرق خزان الحي.. ومتى ينتهي الطريق المؤدي إلى مكاتب الأنروا ..

فادي وعمر, كانا متجلدان لحد ما, كنت أعللهما بقرب خيط الفجر, والذي يمكن له أن ينسج لنا بعض المفاجئات السعيدة!!

وفجأة التحم نور الصباح, بظلمة القدر, وفاجعة الصور التي انحبست في مقلنا جميعا..

لم يكن شيئا ليطلق سراح دموعنا سوى صوت الرباط والثبات, والذي أخذ ينبعث من مذياع لا يزال صامدا وعلى قيد الحياة, وهو يردد على أسماعنا صوت القارئ عبد الباسط تاليا من الذكر الحكيم : ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون- أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) ….

بطرف ثوبي عصرت أنفي الذي تضخم بفعل البكاء وبرودة الجو, في حين أخذ عمر وفادي, يلتقطان بقايا صور وألعاب وملاعق وذكريات ممزقة, لنعود آفلين إلى مخيمنا, محملين بغنائم الحنوط الذي أبقانا بضع ساعات على قيد الـمومياء….



* شاعرة وكاتبة من السعودية