بلقيس الملحم
qadiiah@hotmail.com
بلقيس الملحم *
هي أختي (آسية) غالبا ما تؤازر دمعتي العراقية بدمعتين كبيرتين وزفرة طويلة ألمس حرَّها من وراء صوتها البعيد وهي تهاتفني عبر الأسلاك : بلقيـــــس, العرااااق.. قتلى جدد, لقد ذبحوهم كالعصافير.. ثم ننتهي بصمت يطول ويطول.. حيث نبتلع ما تبقى بيننا من حديث, نؤجله من حيث لا ندري إلى وليمة أخرى للبكاء..
ولما كنتُ معها في سفر قريب, وقد افترقنا للتو, أتاني صوت جديد لأختي الكبرى – أسماء- لم تكن تختلف عن تلك العصافير المذبوحة, فقد سمعت صوت بكائها وهي تقول: ستين, ستين راحوا يا بلقيس في لحظة واحدة..
يستمر بيننا صمت يُخلف تنملا في أطرافي المرتجفة وهو يعبث أمامي بصور لذبائح معلقة, يتصرف كمجنون يوزع بطاقات عرس على موتى..!
وأنا من فرط دهشتي أقفز من سريري الوثير إلى حصيرة أبكي فيها فجيعة الورود الحمراء وقد كرهت لونها وكفرت بكل الباقات والأعياد, أبكي بقع الضوء كيف خبا في روح مُتيَّمة, حتى النعل المكوَّمة بكيتها, كيف كنسوها بعد أن نزعوا منها الأقدام؟ هل ذابت أصابعهم ببلاستيك الحلوى؟! أم أن توسلات المتطوعين فشلت في التوسل بنصب المقاتل المُغيَّب؟!
أسأل نفسي: ولكنها العصافير أقدامها هشَّة, صغيرة ولا تحتمل كل هذا الزحام.. ربي إنهم خرجوا من صلاة قيامة طويلة, فالعن قاتليهم لعنا كبيرا..
– كتبت هذه السطور إثر انفجار باب المعظم مستهدفا مركزاً للتطوع بالقرب من مبنى وزارة الدفاع القديمة في 17-8-2010 وقد خلف أكثر ستين قتيلا وأكثر من مئة وعشرين جريحا
* شاعرة وكاتبة من السعودية
