أكبر مقبرة في العالم!

عدد المشاهدات: 1التصنيف: مقالة

بلقيس الملحم
qadiiah@hotmail.com

بلقيس الملحم *


هل يمكن أن يكون الورد, والبخور, والشموع, هدايا للموتى في أعيادهم المتكررة؟

في بلد تتجاوز فيه الحياة البائسة , عظمة أسلافه الراقدين في المتاحف العالمية, أو في مقبرة, تعد ثاني أكبر مقبرة في العالم, بعد مقبرة في الصين, أو مقبرة الوسدروف في مدينة همبورغ الألمانية، أو حتى رهبة المنتصبين برونزيا في الساحات المكتضة سابقا بهم!

ولإنه جلجامش , الذي انهارت أحلامه بالخلود, فظل يبكي طويلا في مواجهة مصير البشر, بدأت رحلة الإنسان إلى الأبدية الحتمية..

هناك , حيث ترقد مقبرة وادي السلام, على ظهر النجف, هو المصير ذاته لمن نشد السلام في الآخرة, حيث تنسى تفاصيل الموت, وتبقى هنا خالدة, والتي انطلقت منه سفينة نوح عليه السلام, لتستوي على الجودي, ليعيد مكانتها, الإمام علي رضي الله عنه عام 41/ هـ, حيث دفن في ظهر النجف الأشرف, لتمتد إلى نحو ثلثي المحافظة, المقبرة التي ضمت بين رفاتها, شخصيات دينية واجتماعية معروفة, فهي دائمة التوسع , لتضم إلى جانب الرؤساء, والملوك, والوزراء, والجنود, 200 ألف جثة مجهولة منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 , كما تضم سراديب البيوت النجفية القديمة, رفات أبنائها الذين يمارسون الحياة مع ذويهم داخل حجرات تسكن أسفلهم في عليين! بل إن صدرها أرحب من ذلك, فهي تتسع لكل الأديان, والمذاهب, والطوائف, لتبقى شواهد القبور دلالة كبيرة , وكأرشيف ضخم , وتاريخ موسع, لأولئك الملايين الذين قضوا إما شرفاء, كمن دافع عن شرف قبيلته, أو قضى إنقاذا لغريق, أو حريق, وإما قضوا ضحايا مظلومين, ليكتب على شواهد أحدهم ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) ومنهم من اختار الصمت , ليكتب عبارة ” خير القبور الدوارس” أو سقطوا ضحايا حروب, يبدو أنها لن تنتهي, فهذا شهيد الحرب الإيرانية , وذاك شهيد الحرب الأمريكية, ولعل بقايا آلاف القبور المهدمة, و الحديد المتناثر, هي دليل على المعارك التي خيضت داخل المقبرة ذاتها, في أواخر التسعينيات من القرن المنصرم, والتي قام بها حسين كامل وزير الدفاع آنذاك, ضد الانتفاضة الشعبانية, وما لحقها من قصف الأمريكيين, حيث دارت معارك ضارية بينهم وبين الصدريين عام 2004

بيد أن ضحايا العنف الطائفي, والقتال المسلح, هم الأكثر هيمنة على مظاهر الحزن, وطقوس توارثتها نساء سومر, متشحات السواد, في أعياد تصارع الفرح فيصرع, في جثوهن على ركبهن أمام شواهد أبنائهن, أو أزواجهن, أو إخوانهن, مرتلات لسخاء عاطفي, يندلق من حناجر مبحوحة, معصورة من حنين وألم..

إنه الغائب الحاضر, والسلعة المجانية بكل تميز والمسرح الوحيد الذي لم تغلق ستارته عن الحياة, ليقدم عرضه القادم السخي, للصحفيين العراقيين, بتخصيص مقبرة لهم في الوادي, حيث الأمان الأبدي, وهذا ما صرح به محافظ النجف السيد أسعد سلطان أبو كلل مشكورا!! فبعد أن عجزت الحكومة عن توفير قطعة أرض, أو سكن مناسب, أو راتب تقاعدي, أو حماية, أو فتح ملف تقصي حوادث اغتيالات الصحفيين, جادت مشكورة بتوفير مساحة لأجسادهم الطاهرة..

ولعل من المفارقات, والتناقضات التي خلق معها الإنسان , هو الأمل العليل, في ظل صناعة السلام المزعوم, في العالم العربي, فأين توجد إسرائيل, يكثر الموت, والعنف, والإرهاب والفتن, والتشريد, والحصار, فلا سلام يرجى, بل هو ميت شر ميتة, ولا يستحق بأي حال أن يكرم, أو تمد له يد, أو تقام له المؤتمرات, أو حتى يدفن في مقبرة الوادي! فدار السلام لأهل السلام فقط, ولربما كان الحرق رمادا, هو الأليق به, والأكثر ضمادًا, لجراح أمة أغروها بلعبة السلام المزيف, فانتظرت مفاتيح الوطن, وأبواب العودة المشرعة في الهُلام, فلم تجني سوى أضغاث أحلام, ووطنا مستأجرا في الجنة ترجوه, يوم أن ( أضاعوني وأي فتى أضاعوا)

فعلى مقبرة وادي السلام وعليكم, ألف سلام.

* شاعرة وكاتبة من السعودية