أنا فرحانه!

عدد المشاهدات: 1التصنيف: مقالة

بلقيس الملحم
qadiiah@hotmail.com

بلقيس الملحم *

هي من احتلت زوايا روحي, وبدأت تأكل منها, حتى شعرت بخاصرتي وهي تنكمش.. وكأنها كبد فاسدة قد تخلص منها اللحام المجاور لبيتنا, ورماها في أقرب قمامة.

تلك الحشرة دؤبت منذ الصباح الباكر في تعكير مزاجي, بل والتفكير بجدية في دفعي إلى حاوية تدير الأرواح المتبلدة الغير صالحة للحفظ في برادة رطبة متعفنة, حيث قطع عنها الكهرباء منذ عشرون ساعة قبل الذبح!!

لم تسعنِ غرفتي الواسعة, ولا نافذتي المطلة على البحر, ولا صوت المذياع وهو يريق علي من أنغامه العذبة في أباريق الكلام المصفى..

فقد حاصرتني الهموم, وأسقطتني من أريكة كنت أناصفها أنين الخدادية التي كسرتُ ضلعها بعصري إياها بين ثنايا الوجع.. حتى مشت على جسدي الممدد يداها الصغيرتان, والتي أحرق لهيب جسدي أصابعها الرقيقة.. شيء ما في باطن عقلي يرتعش, ويريد النهوض, ربما ذكرى, أو أمنية, أو الانشطار عن الزمن, والحضور؟؟

ضغطتَ على زر تعرف مكانه جيدا, فورا وافقت على فكرتها, زحفت إلى واحتها المبتكرة, زحف عطشان ضيع قافلته في الصحراء, أقفلت المذياع, وأدارت القرص بلطف, وضعت سماعة الجهاز في أذني, دونها شعرت بأني تحت إصرار الجمال وبراءة الطفولة, دفعتني ابنتي عائشة مرة أخرى للعودة إلى أريكتي الناعمة, وأنا أفتح شفتي تدريجيا وأغرق في عنفوان اللون الأسمر, أمسح على شعرها الأشهب وأقبلها في كل مكان, أدعس في جيبها الصغير حلويات وفلوس جديدة لامعة.. أنسج من المسافات صوتا يدبك على بلاط صفته الملائكة لتبلط حديقة بيتها الناضج من مجالس العزاء المتكررة.. النائم في غابة الصدر الضيقة!

فاطمة,أنا اليوم فرحة بك جدا لأن عمك قاسم سيرقص معك في عيد ميلادك الثاني على إيقاع النشيد ذاته والذي فتح صدري للهواء وأنقذني من جشع القطط والكلاب السائبة, وسيغرس على شاهد قبر أبيك وردة الشهداء اللذين غزوا قلوبا لم تعرفهم يوما ما, وصادفتهم مرة واحدة في حياتهم كانت فقط في كركرات العصفورة المدعوة بكوكو!

……………….

فاطمة حسين هي :
(ابنة شهيد عراقي كان قد قضى قبل عامين في تفجير إحدى الأسواق الشعبية في مدينة الصدر بينما كانت يديه تعبث في الأكياس وهي تعد البطاطا والطماطم…)



* شاعرة وكاتبة من السعودية