بلقيس الملحم
qadiiah@hotmail.com
بلقيس الملحم *
ليس كل ما يلمع ذهبا, وليس كل من يشعر شاعرا, ولا أميرا للشعراء, وليس كل من يغني مطربا, وليس كل من يكتب كاتبا, ولأن النماذج المطروحة, والمتواجدة في الساحة الإعلامية, والأدبية, والفنية, أو غيرها , وإن أوجدت نفسها, فإنما هي في الغالب وُجدت, لأنه أريد لها أن تُوجد من صاحب القرار وحسب!
لكنها لا تلبث حتى يضعف بريقها, وتنهار تدريجيا, عند تكرار التجارب والامتحان, وتفوق من له الجدارة, أقول الجدارة فقط..
لهذا السبب, كان من الصعوبة بمكان, أن تثبت أقدام الكثير من المثقفين والأدباء والفنانين والشعراء, ممن غرتهم بدايات الظهور, حين قفزوا على مسارح الوجود, وهم نائمون على سطوح الأحلام, و بسلطة المال, والجاه, والتبني غير المشروع, استطاعوا الوقوف ولو قليلا, ليس إلا لحاجة في نفوس أصحاب البهرج الخداع! أغراهم , فمشوا على أرض هشة زلقة سفلتت بالزئبق, والذي بدا من بعيد, زمردا, جذابا, مشوا, ومشى بهم قطار الزمن فتعادهم…
لكننا وحين نبحث عن سر من تمكنوا في الإبداع, واستطاعوا أن يُرضخوا التاريخ لهم, فيكتب أسمائهم , سنجد أن أسبابا مشتركة, جمعت كل المبدعين ليكونوا, فالنشأة, والتربية,التركيز, والمهنية, و الوعي, والتشجيع, والإخلاص, والمثابرة, وتأصيل الهوية, جعل منهم شخوصا يشار لها بالبنان, ولعلي هنا أسلط الضوء, على شخصية فنية, ثقافية, أدبية بالدرجة الأولى , استطاعت أن تتخطى حاجز الحروب والمحن, حاجز التحدي ذاته, إلى أفق أوسع, من العطاء المتواصل, والمتكامل في نسيجه, عطاء مخملي, فاقع اللون..
كريم العراقي, المولود في كرادة مريم, في بغداد, أثبتت عوامل شتى في وجوده كشاعر مبدع, وفنان راقي, فهو حاصل على دبلوم علم نفس وموسيقى الأطفال من معهد المعلمين ببغداد, وقد عمل معلما لعدة سنوات, ومشرفا متخصصا في الأوبريت المدرسي, هذا مما أذكى وأخصب موهبة الشعر والغناء لديه, وهنا يكمن سر من أسرار تفوقه على أقرانه, وإن كان ليس شرطا موحدا بين كل المبدعين, لكنه في الغالب يثري ويخصب الموهبة كثيرا, ذلك لأنه تأصل أكاديميا قبل كل شيء, في حين تتوفر كل الظروف المادية وغيرها, لبعض الفنانين العرب المشهورين, فلا نجد لأحدهم شهادة واحدة متخصصة, تخدم مشروعهم الفني, أو نظرتهم المستقبلية طويلة الأمد, فضلا عن عدم حصول بعضهم حتى على شهادة المتوسطة! لأن شهادة الرقص, والتمايل, والتعري, وتشويه الكلمة, أصبحت توازي في نظر الشرهين من صناع الفن, لشهادة البكالوريوس, فهي لا تحتاج إلاّ إلى جرأة عالية في الانحطاط!
صاحبنا كريم, لم يهمل موهبته التي بدأت في الظهور مبكرا, فقد كتب الشعر, وهو في المرحلة الابتدائية, فساهم ونشر قصائده في المجلات المحلية, مثل مجلة المتفرج, والراصد, والإذاعة, والتلفزيون, و الشباب وابن البلد وغيرها.., بينما نعيش تخبط معرفي ثقافي, حين لا يُعرف الشاعر شاعرا, ولا المطرب مطربا, إلا من نافذة برنامج, يصوت له الملايين, من غير المؤهلين أصلا للتذوق!
نعود لصاحبنا الذي نحت روحه, وأدمى قلبه, وسود دفاتره, وأسهر ليله, وبح حنجرته, ليصل إلى ما وصل إليه, ليتطور بعد ذلك فيعمل محررا فنيا في مجلة فنون, ومحررا صحفيا في مجلات عدة عربية منها وخليجية, هذا التألق استمر في نضوجه, وتسلقه لسلم الواعين, والمسئولين, لما يطرحوه من كلمة, ولحن, فصار عضوا في جماعة مؤلفي وناشري الموسيقى العالمية , وبقصيدته الرائعة “تذكر” والتي لحنها وغناها القيصر كاظم الساهر , وصل للعالمية, حين أخذ عليها جائزة اليونيسيف, لأفضل أغنية إنسانية, هذا الإنسان بمعنى الكلمة, بروحه الشفافة, وبكلمته الصادقة, المعبرة, الرقراقة, ذاع صيته, فتنقل بين الدول العربية, والعالمية, ناشرا رسالة السلام, والمحبة, فغنى له العشرات من المطربين العرب, و لربما اشتهر بعضهم بسببه, ليس كما يقال أنه اشتهر بسببهم! لأن الكلمة تضل هي الفيصل الأول في النجاح.
فأين هم صناع القرار الفني والأدبي ليأتوا بمثل كريم؟ لن نطالبهم بذلك, لأن المبدع الحقيقي, هو من يصنع نفسه, وليس غيره , يصنعه برسالته, بهويته, بصدقه, ومثابرته, وإخلاصه, لقد كتب الشاعر المبدع, كريم, أجمل الأبيات, فكان حقا على العراق, أن يمجده, ويخلد ذكراه حيا, ليكون قدوة ونبراسا, لكل من هو سائر في مضماره, فقد أصدر العراق, أربع طوابع, تحمل بعضا من أبيات قصيدته الرائعة عن بغداد, والتي يقول فيها: تعالي أقبل وجهك, تعالي أمشط شعرك, تعالي أضمد جرحك, تعالي أشرب دمعك. كريم العراقي –الساحر- يستطيع أن ينزع قلبك منك, ومن أول بيت في قصيدته المشهورة ” دِللُّول” حين يقول:
أعطش وبيتي نهر؟
أعرى وبلادي ذهب ؟
أشحذ وأنا ملك؟
وحين أراد أن يكون جوابه شعرا, لم يكن موفقا, فلم يُسأل إلا عن جراحه التي يحملها معه, فتفيض لحنا يعزفه على أضلاعه, لقد سألته إحدى الإذاعات, متى يحين وقت العودة إلى العراق؟
فأجاب وهو خاضع الروح, سابح الدمع:
– كان الحنين إليك جميلا
فأصبح الحنين عويلا
ليتني مت غربة
ولا أراك قتيلا..
وجدير بالذكر, فأن صاحبنا مثقف بالدرجة الأولى, فهو إلى جانب كتابة الشعر, فهو يكتب النثر و المسرحية والرواية والمقال, ويجيد العزف على العود, وله مؤلفات وأعمال من أشهرها”ديوان للمطر أو الضفيرة ” وهو من الشعر الشعبي العراقي, صدر في بغداد عام 1974/م كما له روايات للطفل منها:”الخنجر الذهبي” و ” الشاعر المهاجر” و” كسل وبغلته الرمادية”, كما كتب عدة مسرحيات, منها: ” عيد وعرس” و” يقظة الحراس” كما كتب قصص وسيناريو لأفلام سينمائية منها:” عريس ولكن” و ” افترض نفسك سعيدا” وله سلسلة تلفزيونية بعنوان: ” مناجاة للواحد الأحد” , ومجموعة من ألبومات تضم قصائده بصوته الشجي, كألبوم : ” ها حبيبي” و ” ياشاغل الفتيات”.. هذا الزخم الرائع هو فيض غيض, وقطرة من بحر, سغتها بين يدي كل من تهفو نفسه للإبداع, ومن ابتاع لحلمه الأمنيات فقط, واتكل على حظوظ, قد تأتي ولا تأتي, سغتها لمن اغتر بنفسه, ورأى أنه وصل للكمال, بتصفيق الصغار ! سغتها ليغار الآخرون من أقرانه, فلربما نصل بالتنافس المحمود, إلى ثلة ناضجة, في الشعر, واللحن, و الأدب, أما أنت يا كريم, يا فخامة العراق, أقولها لك وبكل صراحة بأننا طماعون جدا, ولأننا كذلك, فلن يكفينا كرمك, نريد من أمثالك راحلة من كل مئة بعير, فنحن أمة تحسن الكثرة, وتسيء النوعية والإنتاج!
* شاعرة وكاتبة من السعودية
