هروب من أمن الاعظمية (*)
أحمد السيد علي

الجو ملبد بالموت، رائحة الخوف تلف الشوارع، بدأ الرفاق بالتناقص، لا أحد يدري لم هذا التلاشي المضطرد للطلبة في كل الاقسام يزداد يوماً بعد يوم، والصمت هو سيد المشهد ، قادة التنظيم يتوارون عن الانظار الواحد تلو الأخر أما الى طريق الموت القسري أو الهروب المرير، كانت التصفيات السياسية والتسقيط الجبري لأعضاء الحزب يسير بلا هوادة.
في احدى بارات الباب الشرقي التقيت بنصير (1)…كان مضطربا وقلقا، الصدفة وحدها جمعتني به، كنا نتفرس بعضنا بعضاً بتوجس ، لأنه في تنظيم الكلية وانا في تنظيم المحافظة ولم أنقل تنظيمي الى الجامعة بل أبقيت ارتباطي هناك في مدينة البساتين، ولذا لم يعترف عليّ أحد في كلية العلوم من الذين أجبروا تحت التعذيب بالإدلاء باعترافاتهم على رفاقهم في الكلية.
تمتم نصير بأشياء كثيرة وبصوت منخفض وكنت اشاطره الهمس وفجأة استأذن مني دافعا حسابه… قلت له هل سنتلتقي ثانية، فهمس بأذني وقال اتركها للصدفة وخرج دون ان يلتفت، غاب نصير كالسراب، سمعت بعدها بسنين انه غادر الى سورية ثم الى براغ وبعدها عاد الى كردستان العراق كأحد الانصار متسللا عبر الحدود السورية، وهناك أصيب في فخذه وكان امام الدوشكا يقاتل في معركة غير متكافئة مع الاتحاد الوطني وسحبه رفاقه الانصار الى جبل قنديل ،جبل الظلام والبرد والموت ، لم يقو نصير على الاستمرار ونزيفه يشتد بغزارة، لذالك قرر وفي لحظة يأس مطبقة والظلام والموت يلاحقه ان يجبر الرفاق على تركه كي ينسحبوا صعودا الى قمة الجبل المرعب و المعتوه قنديل ، حيث هو الخط الفاصل للحدود العراقية الأيرانية ، وبعد إلحاح منه استجاب رفاقه وانصاعوا لنداءاته وتوسلاته فتركوا نصيراً أبا نادية في وحشة الانجماد والنزيف لكي يستريح من عناء الموت.
الطلبة اليساريون
العرب هم ايضا لاذوا بالصمت، كنت ألتقي بطلبة
سودانيين ومغاربة وأأخذ منهم التبرعات وأوصل
لهم نداءات الاستغاثة واعلام الحزب ، كنا
نلتقي في كورنيش الاعظمية…
كانت عيون وعيون ترصدنا في زمن الصعود
المتسارع للدكتاتورية والفاشية، حيث الارتفاع
الفلكي لمدخولات النفط.
استأجرنا غرفة انا وأخي والوالدة في كرادة
مريم في الطابق العلوي لدار أحد الموسيقيين
القدامى قرب مستشفى الطفل العربي ، حيث كان
ذلك بمثابة اختفاء مؤقت. أكملت امتحانات نهاية
العام بإلكاد، وبقى عليّ استلام النتيجة،
اعلنت الكلية النتائج في مطلع تموز، كان الصيف
لاهبا، اتفقت مع صديقي المغربي بابكر محمد
بلقاسم
(2)
على استلام النتيجة، وأثناء خروجنا من الكلية
بعد إستلام نتيجة الامتحانات بالنجاح لحق بنا
أحد الطلبة المشبوهين الذي يعمل بجهاز الموت
الى باب الكلية وخرج معنا، وفي الطريق هجم
علينا رجال الامن من الخلف وأخذوا هويتي
الجامعية . أطلق سراح صديقي المغربي بابكر
والشخص المشبوه وعرفت حينها أنني كنت الفريسة
المقصودة.
أدخلت مركز شرطة الاعظمية المحاذي لكورنيش
الاعظمية خلف كلية العلوم،
وكان الطابق العلوي هو أمن الاعظمية،
كان ممرا طويلا ،لا أسمع فيه إلا صرخات
تتعالى لأناس أبرياء، ورائحة الموت والتعذيب
تزكم الانوف، وحيث تقترب درجة الحرارة من 50
مئوية أسمع من يصرخ أريد ماء. أدخلني رجال
الامن الى غرفة محاذية للشرفة مساحتها مترا
مربعا دون ان يكبلوا يدي ، وقالوا لي انتظر
هنا، كان في
قفص الدجاج هذا برميل اسطواني طويل للنفط
وفوقه كوب بلاستيكي قديم وعلبة مسحوق الغسيل
التايت.
فكرت مليا بما
علي فعله وهل سأقوى على الصمود ، أم تراني لن
أتحمل عنف التعذيب وربما سأرشدهم لبعض من
الرفاق والاصدقاء، الزمن تكثف بعمر فراشة،
قررت ان أشرب النفط مع مسحوق الغسيل كي أذهب
الى المستشفى ومن هناك سأعلم الطبيب أو
الممرضة عن أسمي ورقم هاتف البيت الذي نسكن
فيه، استولت هذه الفكرة علي فأخذت الكوب وفتحت
صنبور البرميل وخلطت مسحوق الغسيل وإحتسيته
بامتعاض شديد وكان أهون عليّ من الاعتراف تحت
التعذيب، لم يؤثر الكوب الاول في فأحتسيت
الأخر،الذي لم يفعل شيئاً، وضعت أذني على
الباب فكان الصمت وحده سيد الموقف، تجرأت
وأخرجت رأسي المثقل بالخوف والنفط والهموم،
فلم أجد أحدا في الممر، وبسرعة خاطفة اسرعت
الى النافذة والشرفة الملاصقة لها ومددت رأسي
المسكين من بين القضبان فوجدت شرطيا في الطابق
الاول وفي الحديقة يحاول تشغيل البريمز
فرجعت مسرعا الى قفصي المحتوم، وبعد
بريهة طأطأت رأسي ثانية من القفص فكان الصمت
على حاله سوى صرخات متقطعة من ذلك المعتقل
المجهول …أريد ماء.
كررت المحاولة ثانية ومددت رأسي وعنقي
فلم أشاهد أي شرطي في الحديقة ولا في الباب
الرئيسية ولا
الخلفية من شدة نار الشمس المتقدة في ظهيرة
تموز، فلا أحد يستطيع ان يصمد تحت الشمس
لساعات طوال.
ودون تفكير طويل
مررت جسدي بعد رأسي من خلال الشيش الحديدي ولم
يكن هناك شبك خلف الاعمدة ووثبت على الشرفة
وكان تحت الشرفة ممر مباشر
(3)
، لكن ربما الشرطة جالسون هناك هاربون من
الشمس أو لربما هم في الممر
المفضي الى البوابة الرئيسة.
قفزت الى الحديقة ثم سرت بمحاذاتها وليس أمام الممر كي لا يشاهدني أحد، وبسرعة لا تقاس كالنيازك سطعت وإختفيت كشهاب ، ربما ركضت حينها أسرع من الارنب فتحت الباب الخلفية للحديقة وركضت في الشوارع الفرعية وكانت فارغة إلا من جسدي، ووصلت الى ساحة عنتر وبصرخة مدوية رفعت يدي محتجاً على الموت، وأشرت الى تكسي فوقف السائق مذعورا، فقلت له لقد دهس أخي الصغير وهو الآن في مستشفى الطفل العربي…لا أدري من اين جاءت تلك الفكرة الملعونة بهذه السرعة الممزوجة بالخوف والذعر وبسرعة البديهه هذه…
