المانيا: اقتصاد السوق الاجتماعي

عدد المشاهدات: 1التصنيف: مقالة

سامي مَدالو
(موقع الناس)

لم يكن في المانيا (الاتحادية لاحقاً) في عام 1946 من يحلم بالانتعاش والازدهار الاقتصادي، ناهيك عن ما سميَّ بعدئذ بـ “المعجزة الاقتصادية الالمانية”. فسنة واحدة فقط بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت المانيا لا تزال تئنّ تحت الدمار الكامل الذي اصاب مختلف نواحي الحياة المادية والانسانية، من جهة، والحلفاء يتحكمون كليّاً في الاقتصاد الالماني من الجهة الاخرى. فسلع كثيرة كانت غير متوفرة بتاتاً في السوق، او انها وبسبب شحتها، واقعة تحت نظام التموين الرسمي وبأسعار محددة. فالازدهار الوحيد الذي كان ظاهراً للعيان انذاك، والذي ولّدته بلا شك تلك الظروف الاستثنائية، طرأ حصراً على ما يسمىّ شعبيّاً بـ “السوق السوداء”.

الصراع حول الطريق الصحيح لاعادة بناء المانيا؟

من المعروف بأن المانيا قسّمها الحلفاء بعد سقوط النازية الى 4 قطاعات. بالنسبة للقطاع السوفيتي (الشرقي جغرافيّاً)، كان الامر منذ البداية واضحاً وضوح الشمس بخصوص الطريق الصحيح لاعادة بناء المانيا: الطريق الاشتراكي على النمط السوفيتي بقيادة الحزب الشيوعي (وأن كانت تسميته ليست هكذا)، مبنيّاً على ما يسمّى بـ ” الاقتصاد المُخطّط “. فلا حاجة اذاً هنا للجدال والتخاصم حول الطريق الصحيح للوصول للهدف.

امّا السؤال حول الطريق الصحيح لاعادة بناء المانيا، وبأي نظام اقتصادي يمكن تحقيق ذلك، ادّى في القطاعات الثلاثة الاخرى (الامريكي والانكليزي والفرنسي) الى نشوب صراع حاد في الاوساط السياسية والاقتصادية الالمانية، بالاخص بين انصار السوق الحرة الغير المنَظّمة (المطلقة)، اي على الطراز الانكلوساكسوني من جهة، وبين دعاة الاقتصاد المُدار من قبل الدولة، من الجهة الاخرى، حيث كانت النزعات المعادية للرأسمالية انذاك منتشرة على نطاق واسع.

الحزب الديمقراطي المسيحي: اشتراكي أم رأسمالي محافظ ؟

والذي يقرأ اليوم مثلاً البرنامج المقرر في 3 شباط 1947 للحزب الديمقراطي المسيحي في القطاع البريطاني، قد لا يصدق بأن ما يقرأه هو بالفعل جزء من تاريخ هذا الحزب، الذي قاد لحد الان اغلبية الحكومات منذ تأسيس جمهورية المانيا الاتحادية. فهو حزب الشخصيات الشهيرة على النطاق العالمي مثل: اديناور و كول و مركل. وسيندهش القارئ لا محالة من المقطع التالي، الذي تصدّر ذلك البرنامج، وكأنه يقرأ برنامج لحزب اشتراكي وليس لحزب محافظ. وبالفعل، فقد اطلق مؤيدي هذا البرنامج عليه انذاك تسمية “الاشتراكية المسيحية”، كتسمية غير رسمية.

اقتباس:
“ان النظام الاقتصادي الراسمالي كان عاجزاً عن تلبية متطلبات الدولة والمصالح الاجتماعية للشعب الالماني. فبعد الانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي المريع كنتيجة لسياسة القوة الاجرامية، يتوجب اعادة تنظيم الاقتتصاد من الاساس. فالمحتوى والهدف من نظام اقتصادي واجتماعي جديد، لم يعد الربح الراسمالي والسعي من اجل السلطة، بل فقط رخاء شعبنا”.
انتهى الاقتباس.

لا شك بأن المقصود هنا هي الراسمالية المطلقة التي ادت في المانيا الى كارثة اقتصادية واجتماعية في العشرينات من القرن الماضي، التي كانت بلا شك احد الاسباب الرئيسية التي مكّنت “الحزب القومي الاشتراكي العمالي الالماني” (النازي) من الصعود الى دفة الحكم، حيث تمكنوا من خدع جماهير واسعة من الشعب الالماني باشتراكيتهم المزعومة والمثبتة في اسم حزبهم.

كما ودعى البرنامج المذكورالى تأميم جزئي للصناعات الثقيلة وطالب بحقوق فعّالة للعاملين (*) باتخاذ القرارات. ولكنه كان في الوقت ذاته ضد اشتراكية الدولة. الا ان هذه المبادئ الاساسية في ذلك البرنامج، لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق التاريخي، حيث كانت سلطات الاحتلال الغربية، الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا، متشككة أوعدائية تجاه الصناعة الالمانية والشركات الكبيرة بسبب علاقتهم وارتباطهم الماضي بالنازيين.

اقتصاد السوق الاجتماعي ـ مبتكره ومنفّذه

وبالتحديد في عام 1946، اصدر البروفسور في علم الاقتصاد في جامعة مُنستر”الفريد مُلرـ أرماك” كتابه المعنون بـ “ادارة الاقتصاد واقتصاد السوق”، يصف فيه امكانية التوفيق بين نظام اقتصاد السوق الحر والعدالة الاجتماعية، معتقداً بأن مصير الحضارة الاوربية متعلقة بهذا “الطريق الثالث”. والمهمة المركزية للنظام الجديد، الذي اطلق عليه “اقتصاد السوق الاجتماعي”، هي برأيه “الربط بين مبدأ حرية السوق مع مبدأ التكافؤ الاجتماعي”. فهو بحق مبتكر هذا النظام الاقتصادي الالماني وأول من استعمل هذا التعبير.

الاّ أن المُدهش في الامر هو أن غالبية الالمان لا يعرفون من هو هذا الشخص، في حين انهم يدينون له بلا شك الكثير في حياتهم. فنادراً ما قد نصادف شخصاً المانيّاً سمع على الاقل بأسم هذه الشخصية المتميّزة. ولكن، ما هو سبب هذا التجاهل العام يا ترى؟