مقالات وآراء حرة
الأثنين 18/7/ 2011
خالد غني
حسين فليح معروف لجميع ابناء مدينة الناصرية ،
وجه اجتماعي بارز وأحد رموز المدينة الجميلة ،
مناضلا باسلا عرفته شوارع الناصرية ومعتقلاتها
، رياضيا مشهورا تشهد له الملاعب والساحات
الكروية ، وكان من أفضل حمات الهدف في
الناصرية .

الرياضة كانت سببا لعلاقتي مع أبي علي منذ
أيام الصبا ، حيث كانت المنافسات الرياضية في
أواسط الخمسينات بين المحلات السكنية تتجاوز
لعبة كرة القدم لتشمل العاب الساحة والميدان
مثل الركض ، القفز العالي ، الثلاثية ، الطفر
الطويل وغيرها من الألعاب . تطورت علاقتنا
أكثر وأكثر في مرحلة الشباب ، وتطورنا نحن
رياضيا ، وصرنا نلعب سويا في فريق واحد سواء
في منتخب الناصرية أو في فريق نادي الفتيان أو
فريق المعارف أو فريق اتحاد الطلبة العام لكرة
القدم ، ومعنا الكثير من اصدقائنا منهم اللاعب
الاسطوري عباس هليل والفقيدين شريف نعاس
ونعمان السيد محمد وآخرين . زرنا مدن عراقية
عديدة ، وفي كل تلك الزيارات كان للفقيد ابا
علي حضور جميل لمرحه ورحابة صدره . وكان بارعا
في كرة الطاولة .
كونه عضوا في الحزب الشيوعي العراقي وعضوا في
اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية ،
لعب دورا بارزا بعد ثورة الرابع عشر من تموز
الخالدة ، ولتميز نشاطه ، لحق به الكثير من
الأذى حيث امضى معظم سنوات شبابه بين المطاردة
والتوقيف والسجن . القي القبض عليه اثناء
نشاطه في حملة لجمع التواقيع من اجل انقاذ
ابناء الموصل المحكومين بالاعدام زورا وبهتانا
، شارك بحملة الخط على جدران الابنية للمطالبة
باحلال السلام في كردستان .
وبسبب نشاطه السياسي حكم عليه المجلس العرفي
بالسجن لمدة سنتين أمضاها في سجن الرمادي
وأكتسب احترام وتقدير رفاقه لوقوفه في وجه
ادارة السجن سيئة الصيت التي ارادت اذلالهم ،
حينها كان يكنى حسين ناصرية .
تجاوزت الثقة بشخصيته ، رفاقه واصدقائة لتصل
الى الشرطة ، التي كان زبونها الدائم في
المناسبات الوطنية . في بداية ستينات القرن
الماضي اودع الفقيد ابا علي في مركز شرطة
السديناوية في الناصرية لفترة تقارب الثلاثة
اشهر ، حينها كان في الصف الثالث المتوسط
ومطلوب منه انجاز الامتحانات الوزارية في تلك
الفترة .
كان على شرطي واحد ايصال الفقيد الى مركزه
الامتحاني في قاعة روضة الناصرية ، وايصال
موقوف آخر من رفاق ابا علي الى مركز امتحاني
آخر في قاعة دار المعلمين الابتدائية ، بفارق
مسافة كيلو متر بين المركزين . الشرطي عنيطل
المكلف بايصال الاثنين الى المراكز الامتحانية
كان يثق بان الفقيد لايمكن ان يؤذي من يثق به
، كان يفتح اصفاد ابا علي ويدعه يصل الى
المركز الامتحاني كأنه طليق ، ويوصل الموقوف
الآخر الى مركزه الامتحاني . وفي العودة يجد
الشرطي عنيطل الفقيد حسين فليح ينتظره في نفس
المكان الذي غادره منه . كان محترما وموضع ثقة
الجميع بما فيهم الشرطة ، انها احدى مآثر نبله
وشجاعته واخلاقه السامية .
غادر الى المانيا في سبعينيات القرن الماضى
وعاش هناك مايقارب اثني عشر عاما ، أمضى فيها
حياة رتيبة ، اضطرته للعودة الى العراق تاركا
ورائه كل المغريات ، ليرتوي من ماء دجلة
والفرات الخالدين ، وليسير فيى شوارع مدينته
الناصرية ، التي لاتضاهيها كل شوارع مدن
العالم ، عاد لمدينة انتمائه وعشقه الاول ،
حبيبته الناصرية ، ويزور اصدقائه في بغداد بين
آونة واخرى .
في منفاه الآخر سوريا ، لم يصمد طويلا امام
فقدان حريته في الحديث في كل الامور ، وبصوت
مسموع ، بعيدا عن لغة الألغاز ، التي تسمى (
الحسجة ) وعاد الى مدينته ، الى معشر اصدقائه
وتأريخ حياته ، حتى نال منه مرض السرطان .
جمعتني مع الفيد حسين فليح أماكن متعددة
ومناسبات كثيرة ، عشناها بحلوها ومرها ، وبعد
ان ابعدتنا المسافات ، صار الهاتف وسيلتنا
للتواصل واسترجاع الذكريات المغروسة في
اعماقنا . نتهافت اسبوعيا ، واحيانا بشكل يومي
، يخبرني بزهوه باسرته وصداقاته ، القديمة
منها والجديدة . كان موضع فخر واعتزاز شمل كل
محبيه ، رحيله كان خسارة كبيرة لعائلته ورفاقه
واصدقائه ، وستبقى ذكراه عطرة معنا ، مادام
فينا نفس ، وينبغي علينا الصبر .
تموز 2011
