مقالات وآراء حرة
الرحيل .. وحزن اوتار العود
رحمن خضير عباس
هذه الروح المتمردة
والمبدعة , هل استراحت في هدأتها الأبدية وهي
ترخي اناملها عن الوتر الذي رافقها طويلا ..اي
عشق بوهيمي بين طالب وبين اوتاره ؟ تلك
الأوتار التي ذبلت لحظة موته . وكأن العود كان
يشارك فناننا الراحل طالب القرة غلي لحظات
الأحتضار , وكأني اشعر انه قال لمن حضر نزعه
الأخير كما قال سيد النغم بتهوفن في لحظة
مشابهة لأستقبال الموت " صفقوا .. لقد انتهت
المهزلة ." مهزلة بحجم الحياة بجدها ولهوها
وحزنها وفاقتها , مهزلة ان ينهار هذا الكيان
الأنساني بابداعاته , بقدرته على البوح ,
واشاعة روح متوثبة خلاقة لجيله .لقد كانت ردهة
في زاوية معتمة من مستشفى الناصرية كافية
لأسدال الستار عن حياة عريضة متوثبة مبدعة
عاشها هذا الفنان .
ولد طالب القرة غلي في مدينة سويج غازية التي
سميت بناحية النصر . عام 1939 , والتي تقع على
مرمى عصا من مدينة الشطرة . ويبدو ان هذه
المحيط القروي لم يستوعب قدرته على العطاء
فانتقل الى الناصرية التي بدورها لم تلب كل
طموحاته ولكنها عطّرت رؤاه , وقومت موهبته
اللحنية والغنائية , لينتقل الى بغداد , التي
كانت قبلة عشاق الفن والأدب والموسيقى . ومن
هناك تبدأ رحلته الفنية المتوهجة , والتي منحت
الجيل السبعيني والأجيال اللاحقة اجمل الأغاني
واعذب الألحان . هذا الشجو الذي انصهر في
وجدان العراقيين , وطفا على سطح الأحزان
العراقية ليغسلها بامطاره الربيعية . هذا
الشاب الفاحم العينين والمتوقد الأحساس دخل
الى بغداد فاتحا , ليقتحم روحها الغنائية ,
ويؤكد قدرته على مزاحمة كبار الملحنين من
امثال عباس جميل ومحمد جواد اموري وحسين
السعدي رضا علي وغيرهم , و ليؤكد لونه المتميز
وذالك بانتاج اجمل الألحان, التي غناها مطربون
كبار امثال فاضل عواد وياس خضر وسعدون جابر
وغيرهم . كانت هذه الأغاني علامة بارزة في
تقدم الأغنية العراقي ومنها (حاسبينك وكذّاب
وتكبر فرحتي وانتة انت وروحي وعزاز ووداعا يا
حزن .. وغيرها ) .
لقد تميزت الحان الفقيد بالمقدمات الموسيقية
الطويلة , وكأنه يريد ان يمهد الطريق امام
الكلمات بقصيدة من النغم الراقص وكأنه يتحدى
اجواء الكلمات وحزنها . كما تميزت الحانه
بانها منحت الكلمات والقصائد المغناة روحها ,
فيجعل المستمع منشيا ما بين جمال الكلمة
وشفافية لحنها وهذا ينمُّ عن ذائقته الشعرية
والموسيقية واصالته الفنية . ومن خلال الحانه
تسربت الأغنية العراقية الى الدول العربية حتى
النائية منها , وامتلكت الأغنية العراقية
بجهوده ملامح فاتنة ومؤثرة ليس لدى المستمع
العراقي فحسب وانما تجاوز ذالك الى المستمع
غير العراقي .
لكن هذا العطاء الفني المتميز لم يحصّن فناننا
طالب من قسوة النظام الصدامي وسطوته , فحمل
عوده ورحل كسلفه زرياب , ولكنه لم يتوجه الى
الأندلس وانما استقر في السويد . ومن هناك
استطاع ان يبدع في الغناء وينقله الى ربوع
منفاه , وليقدمه الى المتذوق السويدي والعربي
. لقد اصبح سفيرنا في المهجر الأسكندنافي .
وقد قدم الكثير من الحفلات لألحانه الخالدة
والتي قدمها برخامة صوته وعذوبة عوده .
ومع ان الحياة في السويد احلى واجمل , ولكنه
ابى الا العودة الى الوطن . وكأنه يردد ماقاله
الشاعر بدر شاكر السياب " الشمش اجمل في بلادي
من سواها.. حتى الظلام هناك أجمل …" وقد عاش
بين عشاق فنه من العراقيين الذين رحبوا به ,
والتصقوا به , واقاموا له الندوات التكريمية .
بعكس الحكومة العراقية التي تجاهلته كعادتها
مع المبدعين .
لقد كان طالب القرةغلي علامة بارزة في مسيرة
الأغنية العراقية . فقد روّض حروف القصيدة
للجملة الموسيقية , ومنح الشعر بهاءا وروعة ,
فقد جعل الكثير من القصائد تتدلى على صدور
العذراوات كالقلائد . فقد كان ينحت الكلمات
لحنا , ويعطرها بالموسيقى " ليالي الشوك ليلة
بليلة عشناها .." . كما تسللت اغانيه بين
اسوار السجون والبيوت المغلقة , وانتشرت في
المقاهي والنوادي والحدائق العامة وغرف العشاق
وهي تفوح بالحزن والأمل والمحبة .
عندما علمت بموته . لجأت الى اغانيه حيث أجد
فيهما طقوس تأبينه .. لقد شعرت بالحزن العميق
وانا اغرق في الحانه التي حملتني الى افق
سبعينات القرن المنصرم . كانت تشعّ كالشمس في
ليالينا الدامسة .
وها نحن نتذكر ما ابقاه لنا من ذكريات تتمرغ
بالأمل , وتمتلك القدرة الهائلة لمواجهة الألم
والعنف والظلم " ياليل .. صدك ما اطخ لك راس ,
واشكيلك حزن .. ياليل .."
