يوسف أبو الفوز
haddad.yousif@yahoo.com
الخميس 29 / 8 / 2013
ولاجل استكمال الصورة التبريرية للاحداث لم ينس مسلسل "الولادة من الخاصرة " في جزءه الثالث "منبر الموتى " ان يقدم رسالة غزل مباشرة يوجهها للجيش من خلال شخصية الضابط الوطني المقدم فايز (الفنان ماهر صليبي) ، فالجيش هنا نجده وطنيا بامتياز ، يرفض منتسبوه اقتحام البيوت وتعنيف الناس ، ويتعارض مع سياسات رجال الامن التي تدعوا للمزيد من العنف ، وكأن رجال الامن هم تابعين لدولة ثانية والجيش لدول اخرى ، وليس هما مرتبطان بسياسات نظام حكم واحد يقوده حزب واحد . ان حجم التبريرات وتكرارها جاء منفرا ، وبشكل لا يتناسب مع ما ذكر بأن السلطات السورية اعتقلت الكاتب بسبب المسلسل ، خصوصا الابتذال في النقاشات السياسية التقريرية التي جاءت على لسان شخصيات بسيطة لا تملك مقومات تلك اللغة السياسية ، ومنها الذي كان يجري على لسان ام المجند عزام (الفنانة سمر سامي) وام المجند نوار (الممثلة مي سكاف) ، اللواتي حاول المسلسل ان يجعلهن صوت لطرفي الصراع وانتهى المسلسل بصورتيهما تتقاسمان الشاشة .

لم
ينجح المسلسل بتوفير الاقناع الدرامي للكثير
من الاحداث التي تناولها ، فشخصية جابر
(الفنان قصي الخولي) ومن خلال الجزء الاول
والثاني كانت شخصية بسيطة ، متواضعة في وعيها
السياسي ومداركها ، بحيث يسهل استغلالها من
قبل الاخرين ، لكنه فجاة في الجزء الثالث
يتحول الى قائد سياسي وقائد ثورة وانسان مفوه
وذو حكمة متميزة . ولم توفر بعض الاحداث
والمشاهد المفبركة منطقا مقنعا للمشاهدين ،
فلا يعقل ان المجند عزام (الممثل سامرأسماعيل
يذكره المشاهد في دور عمر الخطاب ) والمصاب
بطلق ناري لا يتأثر بالنزف ، خصوصا انه معرض
لاخطر انواع النزف وهو النزف الداخلي ، ونجده
يبقى حيا لفترة اكثر من يوم من دون اسعافات
ملحوظة ، بل وحتى بعد اكتشاف عدم موته لم نر
اسعافا طبيا مقنعا، سوى مسح وجهه بقطع الشاش،
لم نر ادوية او قناني مغذي او استخراج رصاصة .
اضافة الى ان هذه الفوضى في رسم الشخصيات ،
دفعت لظهور شخصيات جديدة غير مقنعة ، مثل
شخصية الدكتورة لمى (الممثلة لينا كرم)، فهي
دكتورة نفسية كان المتوقع ان تقوم بدراسة
شخصية المقدم رؤوف ، لكنها احداث المسلسل
اظهرتها بشخصية امرأة هوى لعوب ، علمت المقدم
على تعاطي الحشيشة وهي الطبيبة ، وحاولت
اختطافه من زوجته صديقتها الدكتورة سوزان ،
لكن المقدم رؤوف الذي أنقاد لشهواتها
واغراءاتها على مدار احداث اكثر من عشرين حلقة
فجأة ودن مقدمات يكتشف تجسسها عليه وتعاملها
مع المجموعات المعارضة وتسريبها الاخبار
والمعلومات لهم ، وخلال أقل من دقيقة من
التفيش السريع لمكتبها عثر على جهاز التسجيل،
حيث لم تكلف الجاسوسة نفسها عناء اخفاء وابعاد
ادلة تورطها ، اما صديقتها الطبيبة سوزان التي
تعرفنا عليها في الاجزاء السابقة امرأة قوية (تمثيل
المخرجة رشا شربتجي) ، وتحاول ترويض المقدم
رؤوف المتنمر ، ففي هذا الجزء (ادت الدور
الفنانة اللبنانية نادين الراسي ) انقادت لكل
رغبات العقيد رؤوف ، بما فيها طلبها منه
الزواج منها ، ولتكون أمامه وبدون تبريرات
منطقية مجرد امراة تابعة وخانعة ، بما في ذلك
سجنه لها في بيته وغيابها لأيام دون ان يبحث
عنها احد أويسأل وهي الطبيبة في مستشفى عام .
هذا ناهيك عن تلك المصادفات الميلودرامية التي
شبعنا منها في الافلام الهندية، فالمجند عزام
، الذي يصبح متمردا على الحكومة نتيجة ما
لاقاه من عسف على يد المقدم رؤوف ، وانتقاما
لكل الضيم الذي واجهه وافراد عائلته يقتل ـ
وصدفة ! ــ المقدم فائز الضابط في الجيش
الوطني النظيف الوحيد الذي عطف عليه وساعده
واحترم والده وعائلته وكان يتصرف على النقيض
من المقدم رؤوف وقتل معه المجند نوار ( الممثل
طارق حلوم) ، ثم يقتل المجند عزام على يد قوات
الجيش المهاجمة وفي المشرحة تقرر ام المجند
نوار (الفنانة مي سكاف) ان تأخذ جثة المجند
عزام اذ لاحظت انه لا يزال حيا ، وتدعي انه
ابنها نوار لانقاذ حياته دون ان تدري بأنه
قاتل ابنها نوار!! ـ الم اقل لكم انها تذكر
بالميلودراما الهندية ! ـ . ربما الشخصية
الوحيدة التي نمت بشكل طبيعي وحافظت على
توزانها الدرامي على طول حلقات المسلسل
بأجزاءه الثلاث هي شخصية ابو مقداد (الفنان
فادي صبيح) ، اذ بقي انتهازيا وصورة نمطية
للمنتفع الذي يمكن استغلال اي فرصة لاجل المال
ومستعد لبيع نفسه وللغدر بأقرب الناس اليه
ولأرتكاب اي جريمة، بما ذلك القتل وبدون اي
وازع اخلاقي .
أن حجم التبريرات والفبركة والمصادفات التي
حملها المسلسل ، ودفع الشخصيات لتتحدث بما
يفكر به صانعوا المسلسل ، لعكس وجهات النظر
التبريرية ، عما يجري من احداث ، بالرغم من
محاولة الظهور بالموقف الحيادي من خلال عرض
الجانبين المتصارعين في الاحداث السورية لم
تنجح بالنهوض بواقع المسلسل ، ففي المجمل لم
نر سوى لوحة قاتمة لفساد مستشر في صفوف القوات
الامنية وصفوف المعارضة ، لم نر هناك وقفة
جادة امام اسباب تفجر الاحداث وتشريح لمسؤولية
الطرفين ، ناهيك عن غياب لاي طرف اسلامي في
احداث المسلسل، وهذا يتعارض تماما مع الواقع
الجاري في المدن السورية حيث تتسيد حاليا
الجماعات الاسلامية بالوانها المختلفة المشهد
المعارض للسلطة ، بحيث صدرت احاديث من بعض
الشخصيات والقوى المعارضة يتخوفون من "سرقة"
الحراك الشعبي من قبل هذه المجموعات . ان كل
هذا الذي استعرضناه نعتقده غير كاف لصنع عمل
درامي فني !
* نشر
في المدى صفحة شاشات .. العدد رقم (2878)
بتاريخ 2013/08/29
