يوسف أبو الفوز
haddad.yousif@yahoo.com
الثلاثاء 18 / 6 / 2013
لم يخطر له انه
سيعود اكثر من ثلاثين عاما بمجرد اجتياز الباب
، لكن ذلك حصل ما ان جلس على الكرسي . وجودها
كان مفاجأة له . قال له الموظف ان معاملته
سحبت من مسؤول كبير للمراجعة والتدقيق واعطاه
العنوان للمتابعة . لم تصافحه لكن ابتسامة
عريضة افترشت وجهها . رغم امتلاء جسمها قليلا
، الا انها لا تزال جميلة كأنها ابنة العشرين
يوم التقاها لاول مرة عند باب الكلية ، شعرها
تنثره الريح ، وتحاول لف تنورتها الجامعية
القصيرة على ساقيها البضتين . بدت له نظراتها
الان صارمة كأنها اعتادتها بحكم عملها ، لاحظ
انها لا تزال تهتم بحاجبيها فهما دقيقان
كأنهما مرسومان بقلم ، وشفتاها نضرتان تحيطان
باسنان ناصعة البياض ، ومكياجها خفيف يتناسب
مع حجابها الزهري الذي يحيط بوجه ما زال يحتفظ
بكثير من نضارته .
ـ لم تتوقع ان تلقاني هنا ؟!
لم يجب . من اين له ان يعرف انها تعمل هنا ؟
عرف من نبيل انه صار لها شأن ، وان لديها
وظيفة رفيعة المستوى . استغرب ان يطلب منه
مراجعة هذه الدائرة بالذات ، فما علاقة مستشار
المدير العام لشؤون المبيعات بالاوراق التي
قدمها كمفصول سياسي لأكمال سنته الدراسية
الاخيرة ؟. ألح عليه أصدقاؤه ، وهمست له زوجته
بجملة سمعتها ربما من اختها او اخرين :
ـ ان لم يكن لاجلنا فمن اجل أولادنا !
قيل له ان الكثيرين أنجزوا المعاملة وأنهوا
دراستهم وباشروا العمل لفترة محدودة ثم طلبوا
احالتهم على التقاعد، ما عليه الا توفير
المستمسكات المطلوبة وليس من الصعوبة الحصول
عليها . تردد كثيرا . لم يشأ ان يقف عند
الابواب يستجدي احدا . لكن زوجته ظلت تطن
برأسه حتى ترك لندن وسافر وظل يدور بين مدينته
الصغيرة وبغداد والاوراق تكبر بين يديه :
ـ عرضا سمعت بوجودك ، من نبيل ، ابن عمي ، كان
هنا قبل فترة ، طلب مساعدة في تمرير صفقة
تجارية ، وسألته عن غرض زيارتك ، وحين عرفت
طلبت احالت ملفك الي . بصراحة لا علاقة لي
مباشرة باجراءات معاملتك ، لكني وددت لقاءك ،
لذا طلبت ان يرسلوك الى هنا !
لاحظ ملفه امامها على الطاولة ، ولاحظ مجموعة
من الملفات الاخرى . هل طلبتهم لاغراض مشابهة
؟ اخبره نبيل بأن اغتيال زوجها الثاني قبل
اربعة اعوام ضمن تصفيات العنف الطائفية ، دفع
جهات متنفذة لاسناد وظيفة مهمة لها ، ساعدهم
انها كانت مديرة قسم ناجحة في مدينتها الصغيرة
فأستدعوها الى بغداد .
ـ هل معك الان صورة لها ؟
بعد كل هذه السنين ، ايعقل ان يكون هذا سؤالها
الاول ، الذي تريد ان تعرف جوابه ؟ أستغلت
نفوذها لتلتقيه لتوجه اليه هذا السؤال ؟ افتعل
عدم الفهم . رغم أنه فهمها جيدا ، فأعادت
السؤال مع ابتسامة حاولت ان تكون ودودة :
ـ زوجتك ؟ الديك صورة لها ؟
اخرج حافظة النقود ، واستل منها صورة صغيرة
تجمع زوجته وابناءه ووضعها امامها . تأملتها
جيدا واعادتها له :
ـ فعلا جميلة مثلما قالوا . قد تستغرب ان يكون
هذا سؤالي الاول لك ، لكني اردت ان اعرف ذوقك
، كنت تغالي في ارائك حول صفات شريكة حياتك !
انها تعود به الى تلك السنوات التي لا تعود،
حين كانوا طلبة في الكلية . كانت طالبة مجتهدة
. قليلة الاختلاط ، جمالها كان يدفع بعض
الطلبة للتقرب اليها . فاجأته يوما في نادي
الكلية :
ـ لم لا اسمع قصصا عن غرامياتك ؟
لم يضحك ولم يندهش، سبقها أيشو واخبره بأنها
الحت بالسؤال عنه :
ـ ايعقل ان صاحبك من دون علاقة عاطفية حتى
الان ؟
فقال لها أيشو :
ـ أساليه بنفسك !
يذكر انه يومها قال لها بانزعاج وان حاول ان
يكون هادئا :
ـ لست ضد الحب او اقامة علاقة عاطفية ، فأنا
بشر أيضا ، لكن اعتقد ان في حياتنا الان ثمة
أشياء تستحق مني الاهتمام ألاكثر !
عرف بعلاقتها مع أيشو من ايامها الاولى. كان
أيشو مترددا معها، وحين تصارحا بعواطفهما قررا
عدم افشاء علاقتهما إلا لمجموعة مقربة جدا من
الاصدقاء :
ـ ان والدها متزمت اجتماعيا ودينيا ، وعلينا
أنتظار اشهار العلاقة حتى التخرج من الكلية !
كان معجبا بجرأتها في التقرب الى أيشو، بطريقة
لبسها وهدؤها وقلة كلامها . قال له أيشو ،
بأنها سخّفت كثيرا من الاختلاف الديني بينهما
، همست له يوم تكشافا بعواطفهما :
ـ أيشو … ربنا واحد ونبيّ ونبيك يؤمنان به !
كان الصمت يسود الغرفة الوثيرة ورغم عمل
المبردة الكهربائية كان الجو يبدو وخما. على
الحائط خلفها ثمة لوحة بآيات قرانية ، وعلى
يسارها صورة كبيرة لرجل دين ملتح . لم يعرفه
وخجل ان يسألها عنه. لم يكن من رجال الدين
الذين يعرفهم ويرى صورهم في الصحف بأستمرار.
كان في باله ان يسأل نبيل ، كم سنة انتظرت
للزواج بعد اغتيال زوجها الثاني ؟ اخبره أيشو
أنها صاحت به يوما وهما يعبران الشارع من بين
السيارات المسرعة :
ـ انتبه لنفسك ، لا تموت الان، سأرتبط بغيرك
فورا، لا يمكن لي ان ابقى من دون رجل !
كان أيشو يخبره بكل ما يدور بينه وبينها . كان
معجبا بقابليتها لصنع النكتة وان لم يبد عليها
ذلك بين الاخرين . حين علمت بأن أيشو اطلعه
على علاقتهما ، سألته يوما وهما يغادران
الكلية معا :
ـ أحقا ، ايطلعك أيشو على كل شيء ؟
فقال لها بخبث :
ـ كل شيء !
فتورد وجهها . وهاهي امامه، صارمة الوجه، في
عينيها الواسعتين يلوح شيء من حزن ربما لان
وجوده اعادها ووضعها مرة واحدة امام تفاصيل
تلك الايام . سعلت قليلا كأنها تريده ان يعود
بتفكيره اليها :
ـ ايمكن ان تحكي لي باختصار كيف مات ؟
كان صوتها حياديا ، استفزته صيغة السؤال . لم
تذكر اسمه . لم تقل " كيف استشهد ؟ " . اراد
ان يترك الغرفة حانقا ، لكن ابتسامة أيشو
منعته من ذلك . يوما قال له :
ـ الشجاعة ليس في أنك لا تخاف ، بل في كتم
وضبط خوفك وغضبك ومشاعرك !
وعليه الان ان يكتم غضبه واحساسه بكونه ليس في
المكان المناسب . فرك يديه ببعضهما وقال لها :
ـ كان أيشو بطلا ، نصيرا شجاعا ، عمل ضمن
مجموعة مقاتلين انصار شجعان مسؤولين عن نقل
السلاح والبريد عبر نهر دجلة من جهة الحدود
السورية ، وفي ليلة اثناء عبورهم وقعوا في
كمين غادر فقاتلوا حد الاستشهاد . كان لخبر
استشهاده وقع شديد على كل من عرفه !
لم يبد عليها وكأنها تسمع بالامر لاول مرة .
بدا وكأنها تريد منه ان يكرر لها حكاية
الواقعة . تنظر اليه وكأنها تحاول قراءة
افكاره . بيدها تدّور قلما من الرصاص ، نظرت
اليه :
ـ كم سنة بقيت في كردستان مع المقاتلين ؟
تنفس براحة انها لم تقل "العصاة" أو "المخربين
" ، كما اشاع النظام التسمية عن الثوار
المعارضين . كان أبن عمه مفتونا بلقائه وراح
يتباهى به أمام جيرانه :
ـ ابن عمي حارب ضد حكم صدام وقضى سنوات طويلة
مع المخربين !
قال لها :
ـ بقيت حوالي ثمان سنوات !
ـ وأيشو ؟!
ـ حتى يوم استشهاده مر عليه خمس سنوات واربعة
شهور !
فواصلت بصوت هاديء بالكاد كان يسمعها :
ـ تركت دراستك الجامعية وانت في الصف المنتهي
، غادرت العراق الى سوريا مع المهربين مخاطرا
بحياتك، والتحقت بالمقاتلين لثمان سنوات لتعيش
في ظروف قاسية ، ثم عشت سنينا طويلة في الغربة
ومصاعبها ، وتركت خلفك اهلك واحبابك ، ثم …
ها انت تزور بلادك مثل سائح ، واخبرني نبيل
انك بلا وظيفة ولا تملك بيتا ولا … الا تشعر
بالندم لـ … ؟
لم تكمل كلماتها . كانت منفعلة لحد تصور انها
ستكسر القلم بيدها . تهدج صوتها عند بعض
الكلمات . فهم بأنها لا تحاوره ، بل تحاول
محاورة شخصا أخر من خلاله . لم يكن خيارهم
سهلا بترك كل شيء . دراستهم والاهل وثم الوطن
كله . كثيرون اضطروا لقطع دراستهم الجامعية
والتشرد في الوطن شهورا طويلة وضباع نظام صدام
حسين تلاحقهم من شارع لشارع . هو وأيشو تركا
الكلية في اسبوع واحد وتنقلا معا متخفين من
مكان الى اخر . لحقت بأيشو الى بغداد وبحثت
عنه حتى وجدته . حاولت اجباره على العودة الى
دراسته في الكلية والتوقيع للجهات الامنية على
تعهد خطي بالتخلي عن التزامه السياسي والفكري
. فعلها نبيل وعاد الى كليته ليواصل دراسته،
ومثله كثيرون. حاولت ان تصل اليه وتلتقيه
لاعتقادها ان له تأثيرا لاقناع ايشو، فتهرب من
لقائها . عرف انها زارت اهل أيشو في مدينة
الموصل . أرسل لها أيشو رسالة اعتذار عن
أمكانية لقائها بعد ذلك ، وانقطع عنها ليظهر
بعد شهور في بيروت ، ومن هناك دعاها للالتحاق
به ، لكن رسالة قصيرة منها وصلته تقول ان
اهلها منعوها من التواصل معه وانها تعتقد ان
كل شيء انتهى بينهما !
كان ينظر اليها ، جالسة بفخامة خلف مكتبها ،
وفي باله كل ماحكاه نبيل عنها وهو يتقصى منه
اخبار من بقي من زملائهم ولم تاكله حروب او
سجون نظام الديكتاتور صدام حسين . قتل زوجها
الاول في اول سنوات الحرب مع ايران فقبضت
التعويضات، البيت والسيارة . كان زوجها الاول
احد زملائها في الكلية، خطبها قبل التخرج
بشهور، وبعد مقتله بسنتين تزوجت من احد اقرباء
امها، بعد ان ارسلت طفلها الى اهل زوجها الاول
. بعد اغتيال زوجها الثاني، بأقل من سنتين،
ورغم معارضة ابنيها، قبلت ان تكون الزوجة
الثانية لسياسي معروف من اصدقاء زوجها الثاني
تعلق بها ، وساعدها على ان تتسلم موقعا مهما
في الدولة . لديها حاليا بيت في مدينتها ،
واخر اكبر في العاصمة ولديها شركة توريدات
مواد غذائية من أيران، وابناء عمها يعملون
عندها رجال حماية واداريون ومرافقون، وحين
ظهرت في التلفزيون مرة كصاحبة شركة ، لم يصدق
بأنها هي مريم عبد الله زميلته التي كانت
حبيبة اعز اصدقاءه ، وكانت تمازحه دوما :
ـ احبني صديقك لأن اسمي يذكره بأسم أم نبيهم !
عند ظهورها الاول في التلفزيون ، لم يعرفها
أول الامر ، لانها غيرت من لقبها لتنتسب الى
عشيرة زوجها، في أحاديثها التلفزيونية كانت
دائما متفائلة بأن مستقبلا باهرا ينتظر المرأة
العراقية ويضمن لها حقوقها. هاهي أمامه تجلس ،
تحاول كتم انفعالها وهي تحك جروحها عبر حديثها
معه. فكر ان يقول لها بشكل هاديء :
ـ يا اخت مريم … كل انسان له خياراته الخاصة
به ، فلم الندم مني او من غيري من امثالنا .
لم يجبرنا احد على خياراتنا . هي مواقفنا ونحن
مسؤولين عنها. أيشو قدم حياته ونحن قدمنا أجمل
سنوات عمرنا من اجل قضية نؤمن بها .
لكنه فكر بأن كلامه سيبدو لها شعارات حماسية
ودروسا ايدلوجية نظرية . حاول ان يكون اكثر
هدوء اذ قال لها :
ـ باختصار لم ننتظر يوما ثمنا أو مكافأة
لخياراتنا ومواقفنا . ان البيت والوظيفة
وغيرها ، يمكن الحصول عليها باشكال مختلفة ،
لكن الـ …
بدا له انها احرجت ، اذ طافت بسمة قلقة على
شفتيها. ارادت ان تقول شيئا لكنها ترددت،
واطلقت ضحكة باهتة وقاطعت كلامه :
ـ يبدو انك ما زلت مثلما كان يقول عنك انك
جريء ومباشر!
انتبه الا انها تعني أيشو بكلامها ولكنها طيلة
وجوده معها لم تذكر اسمه. كأنها تخاف الأسم .
نهضت من خلف مكتبها فنهض ايضا :
ـ طلبت ملفك لاني وددت فقط لقاءك وارى ان كان
يمكن مساعدتك ، ملفك فيه نواقص كثيرة يجب
استكمالها، اني هنا لست اريد لومك او … !
عبر المكتب مدت يدها له بملفه، حين اقترب منها،
شم عطرها النفاذ. في تلك الايام البعيدة ،
كانت تكره العطور القوية وتلوم علنا البنات من
معارفها. أيشو اخبره بأنها كانت تقول لهن
مباشرة كلاما خشنا واحيانا فاحشا :
ـ أنت ذاهبة الى قاعة الدرس أم الى سرير النوم
؟
كان عطرها الهادىء الخفيف من الاشياء التي
كانت تعجب أيشو فيها ، ولطالما تغزل بذلك .
خشي ان تمد يدها لمصافحته ، لكنها لم تفعل ،
فشعر بالارتياح ، قبل ان يغادر الغرفة التفت
لها :
ـ كان أيشو حتى الايام الاخيرة ، يذكرك بخير
ويعتبرك حبه الكبير، حتى أنه لفترة في بيروت
سمى نفسه "أبو مريم " !
أمتقع وجهها ، تهدل كتفيها وانهدت على كرسيها،
كأن شيء ما دفعها بقوة . ارتجفت شفتيها وساحت
دموعها غصبا عنها وسال معها الكحل الكثيف من
عينيها الواسعتين. حين اغلق الباب خلفه خيل له
انه سمع نشجيها. صار في الشارع ، مشي قليلا
متفكرا بكل ما دار في اللقاء. قيل له يمكن ان
يحصل على تاكسي في طرف الشارع . عبر كوما
هائلا من الأزبال، تنبعث منه روائح عفنة،
فتعجب كيف لا يتم ازالته وهو بهذا القرب من
مكان موقع رسمي مهم؟ لاحظ ذيل قط ميت فعرف سبب
الرائحة . شعر بالغثيان . لمح تاكسيا من بعيد
فرفع يده ، قبل ان يتوجه الى التاكسي رمى
بالملف الذي بين يديه الى حيث القط الميت !
29
تموز 2012
هلسنكي
*
النص من مخطوط "بعيداُ عن البنادق " معد للنشر
**
نشرت في الثقافة الجديدة العدد المزدوج 357ـ
358
