يوسف أبو الفوز
haddad.yousif@yahoo.com
الثلاثاء 30/4/ 2013
يوما قال الفقيد هادي العلوي ان تحت كل نخلة عراقية يجلس شاعر عراقي . وربما لست مبالغا ، اذا قلت نادرا ان تقابل عراقيا لم يحاول في حياته كتابة الشعر ، حتى ولو لنفسه . هذه الرغبة ، أجدها تتسلل الى روح العراقيين مع غبار طلع النخيل ، وكنت واحدا من هؤلاء الذين استنشقوا الطلع ، وحاولت الاستظلال بسعفات نخلات الشعر . كنت في الثالثة عشر من العمر ، حين اعلن استاذي ، في اللغة العربية ، أبن الموصل الحدباء ، المربي الفاضل، عبد الامير عبد الوهاب ، عن كون ما كتبته في دفتر الانشاء كان "قصة قصيرة" ، ودفعه حماسه الى ان يدور بي يومها في كل صفوف المدرسة ليعلن عن ولادة كاتب عراقي ـ هكذا مرة واحدة ! ـ .
هذا الاعلان جعلني اودع طفولتي باكرا، والنظر بجدية الى ما يعنيه لقب الكاتب ، فكان ان غرقت بالقراءة ورحت أسعى لأكون هذا المعلن عنه . ولعدة سنوات كنت مشتتا وكدت اضيع بين العديد من الانواع الادبية . كتبت للمسرح ، نصوصا متواضعة قدم بعضها في البيوت من قبل فرق اتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي ، وكتبت نصوصا حماسية للمسابقات المدرسية في الخطابة ، وواصلت كتابة القصص القصيرة الساذجة وبعضها بـتأثير الاحداث وما اقرأ ، وبالطبع، ومثل كل عراقي تعلم فك الحرف ، حاولت كتابة الشعر أيضا !

في سنوات دراستي الجامعية ، في البصرة ، عملت مراسلا لطريق الشعب . العمل الصحفي وبشيء من الاحتراف رسخ عندي القناعة بأن النثر والقصة تحديدا هي مجالي الارحب ، وهي بيتي المناسب ، فالصحافة علمتني الاحاطة بالتفاصيل وملاحقتها لتعزيز قدراتي في الكتابة . لكني لم اتوقف عن خربشت نصوصا اسميها شعرا ، فثمة افكار تداهمك وتظن انها بذاتها تختار شكل كتابتها، الامر هنا ربما مرهون بكيمياء الروح . ويوما ، في البصرة ، وكنت دون العشرين من العمر ، مترعا بالاحلام والامنيات والحيوية ، مثل كل صحبي ورفاقي نحلق عند حواف الحلم مع كل فجر يوم جديد ، وفي حفل طلابي ، كنت اجلس قريبا الى الباب حين التفت لارى في أطار الباب فاتنة توشك على الدخول . النور يغطيها فتبدو كملاك . فاتنة بثوب ازرق . وثمة من ناداها فالتفت ، تطاير شعرها ، فأهتز قلبي . عند تلك اللحظات الحميمة ولدت سطور عفوية ، فيها شيء من روح وشعر نزار قباني ، راح الاصدقاء المقربين مني يتخاطفوها . صار لها عنوان مباشر جدا : " ذات الفستان الازرق " ! .
في النص ،
المتواضع ، الذي ولد في لحظة الاعجاب الخالص ،
كتبت عن فاتنة يسبقها الضوء على مدخل الباب
فتبدو كأنها ملاك ، عن الازرق الذي ملأ المكان
بهاءا ، عن شعرها الذي يتناثر فيجعل القلب
يرتجف . ونشر النص في عدد من دورية "المرفأ" ،
التي كانت تصدر كل اسبوعين في البصرة ، وأذكر
أن رئيس تحرير المرفأ أشاد بالنص عند نشره .
لدواع مختلفة ، كتمت عن أصحابي شخصية الفتاة
المعنية في النص ، والذين راحوا يتبارون في
التخمين ومحاولة معرفتها . راح اصدقائي ،
وكثير منهم احياء ويتذكرون تلك الوقائع ،
يقودهم الشهيد الغالي "وافي كريم مشتت"
** ،
يدفعون بي مرات عديدة في التجمعات الطلابية
الى قراءة ذلك النص بالذات . كان ذلك يحدث
بدوافع عديدة ، ربما منها الاعجاب بالنص ،
ومنها المشاكسة ومحاولة احراجي ولمراقبة ردود
فعلي لمعرفة هوية ذات الفستان الازرق!
ولكن ، هل يفهم البعثيون العفالقة وجلازوة
منظمة الاتحاد الوطني كل هذا الذي تقدم ؟!
في يوم من أيار عام 1976 ، وبعد ايام من قراءة
النص في سفرة طلابية ، جرجروني من نادي الكلية
الصغير، الى غرفة منظمة البعث الطلابية ،
المسماة الاتحاد الوطني . خلف الطاولة كان
هناك وجوه لم تكن من طلبة الكلية ، وكان أحد
كوادر الاتحاد الوطني ، الذي صار فيما بعد
رئيسا له في كلية الادارة والاقتصاد (الاخبار
تقول انه قتل في الحرب مع ايران) يقرأ بعصبية
في ورقة أمامه مجموعة من الاسئلة . كانوا
يريدون ان يفهموا، ماذا اعني بقولي : " ذات
الفستان الازرق " ؟ هل هذا يعني الطبقة
العاملة وبدلتها الزرقاء ؟! وماذا يعني
"لأنتفاضة شعرها يرتجف القلب" ؟! وتساءل بغضب
احد الغرباء عن الكلية عن معنى : " نظراتها
تحمل النور" ؟! كان يهتز وهو يتكلم ويريد أن
يعرف أي نور أقصد ؟!
ولاكثر من ساعة ، والنقاش والتهديدات تدور في
ذات المربع الاول . ولم ينقذني من كل هذا سوى
قدوم احد جلاوزة منظمة الاتحاد الوطني مضطربا
ليعلن بأن عدد الطلبة من اصدقائي ورفاقي صار
يتكاثر عند باب الغرفة بأنتظار خروجي ،
فتركوني وثمة من يهز يده تهديدا !
لكم كان الطغاة يخافون الوان الحياة ، وكم
كانت البدلة الزرقاء بهية الافياء !
*
مساهمة في ملف الاول من أيار / طريق الشعب
العدد 175 ليوم الثلاثاء 30 نيسان 2013
**
الشهيد وافي كريم مشتت : مواليد مدينة الثورة
1956. طالب في كلية الإدارة والاقتصاد جامعة
البصرة من عام 1975 . ترك الدراسة عام 1978
واختفى في بغداد . اعتقل أوائل ثمانينات القرن
الماضي . قال سجناء سابقون في سجن " أبو غريب
" انه اعدم ولم تسلم جثته إلى أهله .
***
الصورة المرفقة من ايام الدراسة الجامعية
منتصف سبعينات القرن الماضي ويبدو الشهيد وافي
كريم مشتت في الصف الثاني ، في طرف الصورة
بالقميص الابيض .
