يوسف أبو الفوز
haddad.yousif@yahoo.com
السبت 6/4/ 2013
كيف سيكون شعور زوجتك وانت تجعلها تقضي ليلة ذكرى عيد ميلادها في زنزانة سجن ؟ هذا ما فعلته مع حبيبتي وشريكة حياتي شادمان التي عودتها على هدايا متميزة ومفاجأة بين الحين والاخر، وفي ليلة عيد ميلادها في عام 2011 ، كانت هديتي لها هو قضاء ليلة في زنزانة في سجن تأريخي ، وكانت بالنسبة لكلينا ليلة سعيدة جدا وصفتها شادمان بالمدهشة حيث تنام وحولك تطوف اشباح قصص حقيقية ووهمية !

كيف يمكن ان يستقيم الامر ؟
!
السجن الذي قضينا ليلتنا السعيدة فيه، يقع
في الطرف الجنوبي من العاصمة الفنلندية ،
هلسنكي ، في منطقة كاتيانوكا (Katajanokka ) ،
وهي جزيرة صغيرة ، حوت تأريخيا على ثكنات
ومعسكرات للجيش ودخلت ضمن الخطط لتحصين
العاصمة وترتبط بجسور مع بقية اطراف العاصمة.
أكتمل بناء السجن في عام 1837، بأمر من القيصر
الروسي نيقولا الاول (1825–1855) . في عام
1809 خسرت المملكة السويدية، صراعها المرير مع
الامبراطورية الروسية، وتنازلت عن حكم فنلندا
، وبدأ الحكم الروسي القيصري بتحديث البلاد
لتلائم طريقة واساليب الحكم ، وكان من ضمن ذلك
بناء سجون حديثة للثوار الفنلنديين والمتمردين
الوطنيين على الاحتلال الروسي وايضا للمجرمين
والخارجين على القانون . بدأ مشروع بناء السجن
في عام 1832 واكتمل في عام 1837 . وقام
الامبراطور الكسندر الثالث (1881–1894) ببناء
المزيد من الزنازين وجاء القسم الجديد على
غرار نموذج سجن امريكي بني في فيلادفيا عام
1800 ، كان في وقته حدثا معماريا ليس بأستخدام
الخشب ، بل باستخدام الطابوق الاحمر في البناء
، وجاء من ثلاث طوابق تربطها سلالم حديدية ،
بممرات طويلة ضيقة وزنازين على الجانبين ومزود
بانارة كهربائية وتدفئة مركزية وفيما بعد شبكة
للصرف الصحي . حوى السجن 164 زنزانة ، وكان
معدل السجناء فيه يصل الى 200 سجينا ، وفيه
زنازين مخصصة للنساء ، فيما بعد تحول السجن
الى اشبه بسجن التسفيرات خاصة بعد استقلال
فنلندا عام 1917 ، حيث يحال له السجناء بعد
الحكم عليهم ، وينتظرون فيه حتى يتم توزيعهم
وترحيلهم الى سجون اخرى في البلاد !

منذ عام 1895 بدات تظهر في الجزيرة البيوت الفاخرة للعوائل الثرية ولرجالات الدولة، وكانت كاتدرائية اوزبنسكي (Uspenski) التابعة للطائفة الارثذوكسية قد بنيت عام 1868 ، كواحدة من اجمل الكنائس في العالم ، وتعتبر حاليا اكبر كنيسة ارثوذكسية في أوروبا الغربية ، واغلب البناء جاء على الطراز القوطي المشابه لبناء مدينة بطرسبورغ الروسية ، هكذا حين بحث المخرج البريطاني ديفيد لين (1908 ـ 1991) عن مواقع لتصوير فلم "ديكتور جيفاكو" 1965 ، الذي قام ببطولته الممثل عمر الشريف (مواليد 1932) ، عن القصة الملحمية للكاتب الروسي بوريس باسترناك (1890 ـ 1960) بنفس الاسم والتي تحكي في جانب منها قصة الحرب الاهلية بعد ثورة اكتوبر عام 1917 ، لم يجد المخرج العبقري افضل من ساحات وشوارع منطقة كاتيانوكا لتصوير الكثير من مشاهد الفيلم خصوصا الاحداث التي تجري في المدن الروسية ومنها بطرسبورغ . بعد استقلال فنلندا شملت الخطط العمرانية منطقة كاتيانوكا لتحوي ميناءا وحوض سفن ومبان لوزارات والعديد من اهم دوائر الدولة الرسمية ، فالقسم الرئيس من مؤسسات وزارة الخارجية ومكتب وزير الخارجية الحالي لا يزال يقع في احدى مباني المنطقة ذات الموقع الساحر حيث البحر يحيط بها من اكثر من جهة . ثم ظهرت خطوط التراموي والمخازن والمطاعم لتتحول المنطقة الى واحدة من اجمل مناطق العاصمة ، وصار يبرز السؤال يوما بعد اخر عن جدوى وجود سجن بهذا الحجم في وسط هذه المنطقة النامية ، وحيث بدات العديد من الشركات السياحية التي تملك اساطيل سفن بحرية تفتح لها مكاتب عمل فتم اغلاق السجن عام 2001 .

وبرزت فكرة استثمار المكان وتحويل بناية السجن الى فندق سياحي فاخر، وتنافست العديد من الشركات حول المشروع ، الذي اكتمل عام 2007 ، حيث تم تحويل كل زنزانتين كل الى غرفة مزودة بكل التجهيزات وخدمات فندق من اربع نجوم ، وتحويل احدى قاعات السجن الى مطعم فاخر ، واخرى الى كافتريا ، مع وجود خدمات انترنيت وصالة رياضة والحفاظ على كنيسة السجن كمكان عبادة ومتحف لتأريخ البناية . واذ تم المحافظة على المظهر الخارجي للسجن ليضفي وشكل باحاته الداخلية لاسباب سياحية ، فمن اجل المزيد من الاثارة تم استخدام اكسوارات وديكورات تنتمي الى عالم السجن ، وتم الابقاء على بعض الاماكن مثلما هي حيث يمكن زيارتها ، فهناك زنزانة انفرادية يمكنك الجلوس فيها والتأمل والتقاط الصور ، وهناك معرض للصور عن حياة السجن الداخلية .
الطريف ان العاملين في السجن في المطبخ وخلف البار وعمال النظافة والكهربائيين وغيرهم ، يرتدون ازياء تعود لحياة السجن ، ونقصد البدلات المخططة الشهيرة المزودة بارقام السجناء الكبيرة . يذكر ان السجن في فترات مختلفة ضم بين صفوفه سجناء مشهورين ومعروفين ليس في البلاد فقط بل وفي العالم ، سواء من المجرمين سارقي البنوك او السياسيين ، وربما من اشهرهم رئيس الجمهورية الفنلندي ريستو روتي (1889 ـ 1956) الذي ارسلته محاكم الحلفاء بعد نهاية الحرب العالمية الثانية الى السجن كمجرم حرب ، لكونه مسؤولا عن تعاون فنلندا ايامها مع حكومة وخطط هتلر ضد الاتحاد السوفياتي والعالم فقضى السجين فترة عقوبته في زنزانة في سجن كاتيانوكا حتى تم نقله الى المستشفى ليموت هناك ، وقد حاولت شخصيا حجز هذه الغرفة لكن الادارة اخبرتني ان طابور الانتظار لحجزها والنوم فيها طويلا ويحتاج ربما عدة اسابيع للانتظار !


