يوسف أبو الفوز
haddad.yousif@yahoo.com
الخميس 28/3/ 2013
حين بدأت أنشوطة الارهاب السياسي لنظام صدام حسين تضيق حول رقبة الوطن ، في اواخر سبعينات القرن الماضي ، ورفض الالاف من ابناء العراق من مثقفين وناشطين سياسين من القوى الديمقراطية الامتثال لسياسة تبعيث الوطن ، اضطروا ، وبطرق مختلفة ، الى ترك البلاد غير مخيرين ، بحثا عن اي سقف امن يحفظ لهم كرامتهم وحياتهم . صيف 1979 وبعد عام من التخفي والمطارادات ، اضطررت شخصيا لترك البلاد ، عبر الصحراء ، مشيا على الاقدام لاصل دولة الكويت ، وحسب العنوان والعلامات الخاصة ، قادني صاحب الدكان العراقي الطيب الى الاخ "ابو علي " لأجد أنه المناضل عبد الحسين كريم كحوش ، المعروف جيدا بين ابناء مدينة السماوة باسم "ابو كفاح " .
في سبعينات القرن
الماضي ، لمن لا يعرف ابو كفاح جيدا ، لا يظن
ان هذا الرجل المتواضع ، البسيط المظهر،
القليل الكلام والطيب المعشر، هو السكرتير
الثاني لمحلية الحزب الشيوعي العراقي لمحافظة
المثنى ، فقد عرف عنه خلال عمله الحزبي
ابتعاده عن الاضواء ، وظل على الدوام يكره
الظهور العلني في النشاطات العامة . ومثل ذلك
عرف عنه صلابته وذكاؤه ، وفي ايام دراسته
الجامعية في معهد التكنولوجيا في بغداد، قسم
الرسم الهندسي ، دوخ وبمعنى الكلمة المجرم
السفاح ناظم كزار بقدراته ودهائه في العمل
السري . في الكويت سكنا معا في بيت واحد ، في
منطقة شعبية ، وكان ابو كفاح خير صديق ومعلم
في امور متعددة . لازمته الشهيرة كانت :
– الدنيا بخير !
ويوما ، وكنا نقرأ في بيانات ورسائل قادمة من
داخل الوطن، تحوي اخبارا محزنة عن اعتقال
مناضلين ، بينهم اسماء معروفة لنا ، شط بي
الغضب حين قال لازمته اياها ، وأحتججت :
ـ اي خير ونحن نعيش اجواء كارثية ؟
نظر لي بوجه يحمل نظرة عميقة ، سمحة ، وعيونه
الذكية تومض ببريق خاص :
ـ كارثة نعم ، ولكن انظر كان الجلادون يعتقدون
انهم سيقتلعون حزبنا من ارض العراق ، ولن يكون
له صوت. تمعن في قوائم اسماء المعتقلين ،
واعمارهم والتهم الموجهة اليهم ، رجال ونساء
بمختلف الاعمار ، بينهم الكثير من الشباب ،
يبادرون بأنفسهم ليعيدوا تنظيم انفسهم ،
ويرتكبون اخطاء بعضها قاتل فيقعون بيد السطات
الديكتاتورية ، ماذا يعني هذا ؟ استمرار
المسيرة . سياتي بعدهم آخرون ، يرتكبون اخطاء
اقل ، فينهض التنظيم وسيكون لحزبنا صوت للابد
في النضال من اجل المستقبل الذي نحلم به . ان
الحزب بخير يا رفيقي !
لم يعش الرفيق ابو كفاح ليشهد اليوم الذي حلم
به ، يوم سقوط القتلة ، حيث عثر ، بعد سقوط
النظام الديكتاتوري على رفاته في
المقابرالجماعية في سجن أبو غريب .
في خريف عام 1982 وصل الى كردستان ، الى مناطق
عمل انصار الفوج التاسع للحزب الشيوعي العراقي
في ريف منطقة السليمانية ، وفي شباط 1983 كان
الفوج التاسع للانصار بحاجة الى كادر حزبي
متمرس كمستشار سياسي ، فحاولت الى جانب رفاق
اخرين اقناعه باستلام المهمة ، فاعتذر ببساطة
:
ـ لا أصلح للعمل العسكري !
كان يخفي الجواب الحقيقي ، الذي صار معروفا
فيما بعد . لقد جاء ابو كفاح الى كردستان
لمهمة محددة : التوجه والعمل في عمق الوطن !
لم يفقد يوما تفاؤله ، رغم كل الظروف المحيطة
والصعوبات التي مر بها الحزب ونضال الحركة
الوطنية. كان واسع الاحلام ، لكن احلامه كانت
واقعية ، يرى في استمرار النضال واكتشاف طرق
جديدة للعمل وسط الجماهير ضمانة للتمسك بالامل
وتحقيق الاحلام . في صيف 1983 أختفى تحت ستار
السفر للعلاج خارج كردستان . لم يكن يعلم ابو
كفاح ، ان ثمة مندسا خائنا ، كان له بالمرصاد
، وتبين فيما بعد انه مسؤول عن اعتقال مجموعة
من كوادر الحزب في منطقة الفرات الاوسط ، وكان
دليل الاجهزة القمعية لاعتقال ابو كفاح . لم
يعتقلوه فورا ، تركوه لفترة لمحاولة رصد
اتصالاته وتحركاته ، وحين فشلوا في كشف شيء
القوا القبض عليه . تعرض الى تعذيب وحشي ،
فرفض اعطائهم اي معلومة ، لم يقر حتى بأسمه
الصريح وتمسك بالاسم الذي حمله في الاوراق
المزورة التي كان يحملها . التقى به المجرم
المقبور علي حسن المجيد مرتين ، ليساومه على
حياته فقط ليقر لهم ببراءته من حزبه الشيوعي .
وامام اصراره
وصموده الاسطوري ساقوه في فجر من اواخر اذار
عام 1985 الى حبل المشنقة وذراعه معلقة الى
رقبته بقطعة قماش عادية . روى سجناء في ابو
غريب ان ابو كفاح في طريقه الى حبل المشنقة
راح يهدر بصوت مترع بالاصرار بالهتاف لشعبه
وحزبه ، ورد عليه بعض السجناء هتافاته ، وصلى
له البعض صلاة الشهادة ، ومضى مضاء الجبين في
طريق الشمس واثقا ان حزبه سيكون بخير !
*
مساهمة في
ملف الذكرى 79 لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي /
عن طريق الشعب العدد 154 الخميس 28 أذار 2013
