كيف يمكن ان يكون اللقاء بمناضل ، هو واحد من اسماء دخلت ذاكرة البلاد عبر حكايات مرشوشة بعبق الاساطير ؟ كيف يكون اللقاء مع واحد من ركاب " قطار الموت " ، الذي دخل ذاكرة العراقيين ، كقصة تذكر بمناضلين منحوا حياتهم لاجل سعادة هذا الشعب وحرية الوطن ؟ في طريقي اليه ، عادت الى ذاكرتي كل قصة وتفاصيل قصة " قطار الموت" ، الذي كان تمرينا أول للجرائم الجماعية المنظمة لحزب العفالقة . كان "قطار الموت" طريقة الانتقام من الشيوعيين والوطنيين من انصار ثورة 14 تموز التي وادها انقلاب 8 شباط 1963 ، الذي ما ان اختلف قادته حتى فضحوه ، بأنه جاء بقطار امريكي ، على عهدة علي صالح السعدي احد قادة الانقلاب ! "قطار الموت " كان خطة انتقام جهنمية من ابناء العراق نفذها حزب دموي ، لا تخطر الا للشياطين والابالسة من القتلة ، أذ وضعوا في عربات حديدية لقطار حمل عادي ، حوالي 500 سجين شيوعي ووطني ، من العسكريين والمدنيين ، وامروا السائق بالسير البطيء ، ليموت الجميع من الحر والعطش والاختناق داخل العربات ، لكن السائق البطل والشهم ، عبد عباس المفرجي ، قلب لهم الموازين بشجاعته وبسالته ، فكان ان انقذهم ،ولم يستشهد منهم ، سوى الشيوعي الرئيس يحيى نادر .

عند باب البيت ،
في أحد احياء بغداد الشعبية ، بكل تواضع
المناضلين الكبار ، متوكئ على كبرياء السنين ،
استقبلني مرحبا ، وضغط علي يدي بحرارة
وابتسامة عريضة تفترض وجهه المشرق . كان من
حولنا يقف ابناؤه النجباء ، وكانت الى جانبه
زوجته ، رفيقة رحلته في النضال والعذاب . كان
كبر العمر واعتلال الصحة واضحا على بطلنا ،
وهو يحاول ان يعتصر ذاكرته ، فتتداخل الاسماء
والاحداث احيانا ، فتكون الزوجة معينا جيدا
للتدقيق.
المناضل صبحي جواد البلداوي المعروف بأسم ابو
جميل ، مواليد 1932 ، في شبابه المبكر كان من
المساهمين في وثبة كانون 1948 حيث تبلور فكره
الوطني ، وسرعان ما انتمى لصفوف الحزب في
بواكير حياته ، انهى الدراسة الثانوية وتعلم
مهنة الطباعة فكانت ان حددت له مسار حياته ،
اذ صار من الشيوعيين العاملين في مطابع الحزب
السرية، وكان نصيبه العمل في جريدة " صوت
الفلاح " السرية ، التي لاجلها كان يسكن مع
زوجته أم جميل السيدة أديبة محمد سلمان مواليد
1940 في بيت حزبي مغلف بالاسرار والكتمان . عن
هذه المهمة قال :
ـ كان
المشرف على البيت هو الرفيق ستار الخوجه ،
انتقلنا الى بيت في الكاظمية ، بعامين قبل
ثورة 14 تموز 1958 ، وبقينا هناك كل الوقت حتى
ايام انقلاب 8 شباط 1963 ، كانت مهمتي تنضيد
الحروف وطبع الجريدة من صفحتين واحيانا اربع
صفحات . لم اتعرف على اي من محرري الجريدة ،
كانت تصلني المواد عبر المسؤول الحزبي وكنت
انضدها واطبعها وعن طريقه تنتقل الملاحظات مني
وألي . لم نكن نختلط بأحد ، وكنا نبتعد حتى
اهلنا واقاربنا للحفاظ على اسرار البيت
وكتمانها ، وخصوصا من اجل عدم كشف وجود
المطبعة ، بعد اعتقالي التي حصلت بسبب بعض
الاعترافات صودرت المطبعة من قبل انقلابي 8
شباط .
* ومتى كان اعتقالك
؟
ـ
اعتقلت ليلة 19 ـ 20 اذار 1963 ، ولم يتسن لنا
نقل المطبعة وتغيير مكانها ، اذ كانت شدة موجة
الاعتقالات والترقب والحذر يسودان الوضع ، لكن
انهيار بعض من كان له علاقة بعمل المطبعة كان
السبب في كشف المكان والاعتقال ، واذكر ان آمر
القوة التي اعتقلتني كان أسمه "احمد طه العزوز
" ، وكانوا في البداية يريدون تصفيتنا فورا .

تتدخل ام جميل
لتضيف وتقول :
ـ كانوا
اكثر من عشرين مسلحا ، كلهم بالخاكي ، ورشاشات
قصيرة ، ووضعوها فوق رؤوسنا ، وراحوا يسألون
عن اسماء من يزور البيت ، وماذا يجري في
الاجتماعات داخل البيت ، فقلت لهم بأني لا
اعرف شيئا وانا ام لاربعة اطفال ، وحامل ،
وانا مجرد زوجة انفذ اوامر زوجي . اقتنعوا بعض
الشيء بكلامي وتركوني ولكنهم اخذوا يحققون
فورا مع ابو جميل .
يضحك ابو جميل بصفاء ، وهو يتذكر تلك الايام ،
وهو يحكي لنا كيف ان ام جميل لمشاغلتهم بادرت
وقدمت لهم كليجة وحليب وشاي ساخن وراحت تبدو
كربة بيت ممتازة وغير معنية بالامور الحزبية ،
ويضيف :
ـ كان
قرار قتلنا وتصفينا في بالهم ، لكنهم اختلفوا
فيما بينهم حول التنفيذ ، وقرروا اخيرا ان
يتركوا ام جميل والاطفال ، واعتقلوني فقط ،
فأخذوني فورا الى سجن قصر النهاية ، وهناك كان
الحظ الى جانبي ، فالى جانب رئيس هيئة التحقيق
في قصر النهاية المدعو مدحت ابراهيم جمعة ،
كان هناك ابراهيم العاني المعروف بأسم ابو
رفعت ، وهو من كوادر البعث ، وكان خاله هو
قاسم محمد علي العاني من الضباط الشيوعيين
المعروفين ، وهذا يكون ابن عمتي ، فلعب الجانب
العائلي هنا دورا في انقاذي من الاعدام ، اذ
كنت اجلس ضمن مجموعة من الرفاق السجناء ، اذكر
من بينها الشهيد لطيف الحاج والشهيد حسين
فرمان ، فجاء ابراهيم العاني لينهرني بعنف دون
يكشف انه يعرفني ويأمرني بالنهوض ، واجلسني
ضمن مجموعة اخرى من السجناء ، اذكر منهم
الصحفي ابراهيم الحريري ، وكان الاعدام من
نصيب المجموعة التي كنت معها اولا ، وانا
شخصيا كنت اتوقع الاعدام لان اعتقالي في بيت
حزبي مع مطبعة يجعلهم يظنون اني كادر متقدم
جدا في الحزب .
وبصعوبة يواصل أبو جميل ذكرياته :
ـ في قصر
النهاية ، كان التعذيب هو غذاءنا اليومي ،
كانوا يطالبون بمعلومات وتأييد اعترافات ، انا
كنت اتحجج بكوني عامل مطبعة وليس كادرا في
التنظيم ، فلا اعرف سوى مسؤولي الذي اعدم في
الايام الاولى من الانقلاب . وبعد قصر النهاية
نقلوني الى سجن معسكر الرشيد ، وبقيت هناك حتى
حركة حسن سريع وبعدها نقلنا بقطار الموت .
وتوقفنا كثيرا مع ابو جميل في شرد وقائع تلك
الايام ، ولانعاش ذكرته رحنا نتحدث عن انطلاق
انتفاضة معسكر الرشيد كرد على انقلاب 8 شباط
الاسود ونشاط الشيوعيين داخل الجيش ، وحاولنا
معا اعتصار ذاكرته لنعرف شيا من التفاصيل عن
ما جرى صباح يوم نقل السجناء الى القطار
وماجرى خلال رحلة القطار ، الا ان وضعه الصحي
وذاكرته لم تسعفنا الا بلقليل :
ـ من بعد
اسبوعين من البقاء في سجن قصر النهاية نقلونا
، حوالي عشرين مدنيا ، الى سجن معسكر الرشيد ،
وكانوا يسموننا المجموعة الثانية ، واذكر كان
معي الفقيد المعلم عبد علوان ، وستار زبير ،
وكريم الحكيم ، وهناك في سجن معسكر الرشيد كان
يوجد أكثر من 300 ضابط شيوعي من مختلف الرتب ،
وفي سجن معسكر الرشيد اذكر كان معي غضبان
السعد ، وبعد حركة حسن سريع نقلونا الى قطار
الموت فجرا ، وكنت في العربة التي فيها غضبان
السعد وسمير القاضي ، وكانت رحلة صعبة ، خصوصا
مع اشتداد حرارة الشمس ، وكان جحيما حقيقيا ،
كانوا يريدوننا موتى ، ولكن سائق القطار البطل
واهل السماوة الابطال انقذونا وكان ردا ذا
معنى على الانقلابين .
اذكر كيف اني بعد ان اخروجوني من جهنم عربات
القطار ارتميت على الارض لا اقوى على الحركة
وكان اهل السماوة يرشونا بالماء ، ثم جاءت
نساء وزعت علينا الملح والاكل . ثم بعد ساعات
نقلونا الى سجن نقرة السلمان .
*
نشرت
المادة في طريق الشعب العدد 221 السنة 75
الاحد 4 تموز 2010 ضمن ملف حول انتفاضة معسكر
الرشيد وقطار الموت
