يوسف أبو الفوز
haddad.yousif@yahoo.com
دردشة (15) *
يوسف أبو الفوز
في السابع من آذار 2010 توجه ملايين العراقيين
، إلى صناديق الاقتراع في عرس جماهيري ، في
تظاهرة ديمقراطية ، توجهت اليها كل انظار
العالم ، وذلك لاختيار ممثلي الشعب العراقي في
مجلس النواب الجديد ، ومع بدء الحملات
الانتخابية ، وأندلاع نيران الصراع بين ممثلي
القوائم الانتخابية ، وتلك الحرب الضروس التي
راحت تدور على شاشات الفضائيات ، التي شبهها
صديق سينمائي بأنها "صراع ديكة " ، اذ استخدمت
فيها ـ عزيزي القاريء ـ مختلف الاسلحة ـ
المشروعة وغير المشروعة ـ والتي انفقت فيها
مبالغ خيالية على حملات المرشحين ، كنت اتمعن
في مساهمة المثقفين العراقيين في ما سميّ "لعبة
الديمقراطية" ، وكان لي الشرف أيامها أن اكون
من ضمن الموقعين على البيان الذي صدر في بغداد
عن كوكبة من المثقفين العراقيين , ودعا بلغة
صريحة وواثقة ، وانطلاقا من المسؤولية الملقاة
على عاتق المثقفين للعب دور مهم في توعية
الناس و"تحفيزهم على المشاركة الفعالة في
الانتخابات " ، وفي هذا البيان توجه الموقعون
، وبشجاعة لدعوة الناس الى الاشتراك في
الانتخابات بوعي ومسؤولية ، حيث دعى البيان
المواطنين الى " الاحتكام لخياراتهم الخاصة في
اختيار نوابهم بصورة حرة واعية " ، وقد فصّل
البيان في تقديم وجهات نظر واقتراحات تخص مجلس
النواب القادم ، ورؤيته وموقفه من الثقافة
ومؤسساتها الشرعية ، ولعمري ان المجموعة التي
صاغت البيان بذلت جهدا في ذلك ليأتي بصيغة
واضحة وبدون لبس او دوران ، وهذا الذي جعله
يحضى بقبول اوساط واسعة ، وعكس ذلك الاعداد
المتزايدة من الموقعين عليه من المثقفين
العراقيين . خلال فترة اعداد البيان وجمع
التواقيع ، وقبيل اصداره كانت تدور الاحاديث
في اللقاءات التي تتم ، سواء على الفضائيات او
في الجلسات الادبية عن دور المثقف الحيوي في
الممارسة الديمقراطية ، وبحكم كون العملية
الديمقراطية فيها رابح وخاسر ، فأنها وإذ
تتطلب روح رياضية عالية للقبول بالخسارة ،
وكنت ـ ولا أزال ـ اتمنى ان لا يكون ثمن خسارة
طرف سياسي ما هموما اضافية للمواطن العراقي
اضافة لكل ما عاناه وسيعانيه ، واقصد هنا
تداعيات ما في الجوانب الامنية ، فقد كنت
اتمنى للمثقف العراقي ان يكون له دور اساس
ومباشر في هذه العملية بالذات ،اعني نشر روح
المسؤولية والتكاتف وقبول نتائج الانتخابات
والاذعان الى قرار الناخب عبر صناديق الاقتراع
، طبعا اقول هذا وفي ذهني انتخابات ديمقراطية
نزيهة شفافة . عن هذا الامر تحدثت مع اصدقاء
مثقفين حضروا معي اللقاء الذي اقامه "ملتقى
الخميس " في مقر اتحاد الادباء والكتاب في
بغداد، واستضاف به الفنان الدكتور حمودي
الحارثي ، وكانت الحملات الانتخابية والصراعات
في أوجها ، وفي هذا اللقاء الشيق ، وخلال
احاديث الفنان الضيف ، والاخرين ، كان " عبوسي"
بشقاوته وتلقائيته حاضرا معنا ، ومع انتهاء
اللقاء رحنا نواصل استذكار اشياءا طريفة ترتبط
بشخصية "عبوسي" ومقالبه مع حجي راضي ـ الفنان
سليم البصري ـ ، واستذكرنا تلك الحلقة بالذات،
يوم التحق حجي راضي ومعه شخصيات مسلسل " تحت
موسى الحلاق " بمدارس محو الامية، وتورط في
قراءة رسالة لامرأة ابنها يدرس في الهند ،
وراح يقرأ لها "تحياتي للوالدة " بأنها "نحباني
للّو " وعبارة "اني مشتاق كثيرا " صارت عنده "
مشناف كنبرا" ، فحجي راضي المسكين لا يساعده
بصره على رؤية الحروف بشكل جيد والتمييز بي
نقطة او نقطتين، ومستوى تعليمه لم يساعده على
قراءة الكلمات كاملة فكان يجزأها ، فجاءت
قراءته للرسالة ـ كما تعرف عزيزي القاريء ـ
رطانة غير مفهومة ، استغلها عبوسي المعروف
بشقاوته ليقول لحجي راضي بأنها باللغة الهندية
، وراح يقرأها له بشكلها الصحيح معتبرا نفسه
مترجما .
اقول كل هذا ـ عزيزي القاريء ـ وانا استذكر
اداء "البعض" ـ واضع " البعض " بين قويسات ـ
من المثقفين العراقيين خلال الحملات
للانتخابات البرلمانية ، اذ كان حديث هذا "البعض
" اشبه بقراءة الحاج راضي للرسالة !! فبربك ـ
عزيزي القاريء ـ كيف يستقيم الدعوة لدولة
مدنية مع الاشتراك في قوائم مبنية اساسا على
اساس طائفي أو الدعوة لها ؟ وكيف يستقيم
الدعوة للعمل ضد الفساد ، مع تلقي الهبات
والمكرمات من هذا السياسي او ذاك ؟ وكيف
تستقيم الاستقلالية بالسير في ذيل موكب باذخ
لسياسي ما ، بل والظهور بدور حاجب الحاجب ؟؟
وكيف …. ؟! ان للمثقفين دورا خطيرا بالقياس
الى غيرهم من شرائح المجتمع ، ارتباطا بقدرة
المثقف على استشراف المستقبل، والتعامل
بمسؤولية مضاعفة مع الواقع السياسي والاجتماعي
للبلاد ، ولا يمكن للمثقف ان يحتل الموقع
المناسب ان لم يكن بمستوى التحديات واستثمار
التحولات في البلاد من اجل المساهمة في البناء
الديمقراطي للانسان العراقي ، والمطلوب ادراكا
مسؤولا لحجم هذه المسؤولية ليتمتع المثقف
بشخصيته المستقلة وليتحدث بلغته المفهومة
والابتعاد عن الانضواء تحت خيمة السياسي ،
خصوصا من لديه فهم مشوه للديمقراطية ، فهذا
يجعل مثقفنا بالنتيجة يتحدث بلغة نحباني للّو
!
وسنلتقي !
