يوسف أبو الفوز
haddad.yousif@yahoo.com
حين أتسعت غمازتا مراقبة صندوق الاقتراع !
يوسف أبو الفوز

في
تلك الايام ، التي صارت بذمة التأريخ ، نهاية
سبعينات القرن الماضي ، أيام العسف والموت
و.." انت بعثي وأن لم تنتم " ، أيام كان حق
المواطن في الحياة والتعبير عن نفسه ، مصادرا
بفرمانات الطاغوت ، أيام كانت ضباع المجرم
المقبور "صدام حسين" تطوف شوارع المدن تبحث عن
المئات من ابناء العراق من ديمقراطيين
ويساريين ، مِن مَن رفضوا الاذعان لسياسة
القهر والاذلال ، وارتضوا التشرد والغربة في
وطنهم ، حتى تمكن المئات منهم من الصعود الى
جبال كردستان، او عبور الحدود بمختلف الطرق
نحو منافي اجبارية طالت عقودا ، في تلك الايام
البعيدة ، ونحن في بغداد نتخفى ونتستر تحت
اسماء ومهن مستعارة ، وصلتنا نسخة من مجلة "الهدف"
الفلسطينية ، وتناقلناها سرا لحد اهترأت
اوراقها ، وفيها لقاء مع الشاعر العراقي
المبدع "سعدي يوسف "، المتواجد ايامها في
بيروت ، تحدث فيها وادان بجرأة الديكتاتورية
الشوفينية في العراق ، وحين سأله المحرر عن
أمنيته ، قال :" ان يضع يوما ورقة في صندوق
اقتراع عراقي ، حتى ولو كانت بيضاء " ، بعد
ذلك بسنين ، حين سألت شخصيا ذات السؤال من
صحيفة أجنبية ، في منفاي عند حافة القطب
الشمالي ، استعرت ذات الاجابة !
وها أنا في بغداد ، وها هو العرس الانتخابي قد
أنجز بمشاركة جماهيرية واسعة ، رغم الذين
حاولوا أجهاضه بالتفجيرات الاجرامية ، وتلونت
اصابعنا بالحبر البنفسجي ، في تظاهرة
ديمقراطية ، توجهت اليها انظار كل العالم ،
وبغض النظر عن الثغرات والتجاوزات التي رافقت
العملية الانتخابية ، وبغض النظر عن النتائج
النهائية ، والفائزين والخاسرين ، فأن
الديمقراطية هي الرابحة ، وان شعبنا الذي
اكتوى طويلا بنيران الحكومات الجائرة قد حقق
خطوة كبيرة على صعيد تعزيز الممارسة
الديمقراطية ، من أجل ان يكون للمواطن الحق في
صناعة القرار لبناء مستقبل الوطن ، والاجيال
القادمة .
حين وقفت عند صندوق الاقتراع ، وقبل ان اضع
المغلف الذي حمل صوتي واختياري للقائمة التي
تمثل طموحاتي ، لثوان خطر لي ان أنحني واقبل
الصندوق ، ولكني خشيت ان يكون في ذلك خرقا
قانونيا ، او يثير اشكالا ما ، فقد يفهمني
المراقبون بشكل خاطيء ، فأكتفيت بأن ربت بيدي
على طرف الصندوق ، وقلت له بصوت عال : " مرحبا
يا صاحبي ، ها نحن نلتقي بعد انتظار ، أأمل ان
نراك دائما وانت بصحة طيبة ، نزيها ، نظيفا
ومعافى " . وحدجتني الفتاة الجالسة الى
الصندوق بأستغراب أولا ، ثم اتسعت غمازيتيها ،
لحد تورد وجهها فصار اكثر فتنة ، واشارت الى
المحبرة لأغمس أصبعي .
بغداد 10 أذار
2010
* عن طريق الشعب / الثقافية ـ 14 اذار 2010
