يوسف أبو الفوز
haddad.yousif@yahoo.com
دردشة (4) *
يوسف أبو الفوز

هذه
ليست حزورة هندسية ـ عزيزي القاريء ـ وانما "ضرورة
فنية "ـ أن صح تسميتها ـ دفعني اليها محرر
الملحق الثقافي ، إذ نبهني الى ان بعض ما
كتبته في هذا العمود ، يصلح لصفحة "أراء
وافكار" السياسية ، أكثر مما يصلح لصفحات
الملحق الثقافي ، وأكدَ : " حاول ان تركز على
تناول الهموم الثقافية يا صاحبي " ، وهو يشدد
على حرف "الميم" ، وكلمة " يا صاحبي" هذه لم
يقلها ولكني تخيلتها لأخفف الامر على نفسي ،
فالكتابة عن السياسة ولا أسهل منها عندنا في
عراق اليوم لكثرة ما يزدحم عالم السياسة
بالمتغيرات والوجوه السياسية و"الكولسة " ـ من
كواليس ! ـ واللعب على الحبال والضرب تحت
الحزام ، أنظر حولك ـ عزيزي القاريء ـ وستجد
ان الفضائيات تزدحم بالمحللين السياسيين ـ
بنظارات وبدون نظارات ـ اما الكتابة في الهموم
الثقافية فهذه أعتقد لا أشق منها على المثقف
العراقي إلا تنظيم ميزانية صرفيات الشهر. لا
اعتقد انك ـ عزيزي القاريء ـ ستقول لماذا تكون
الكتابة في السياسة اسهل دائما ، وأنت الاعرف
بذلك ، حسنا لاذكرك بتلك النكتة التي تروى
للتعريف بالعراقيين ، وتقول بأنك لو مررت بدار
سكن طلبة في دولة اوربية ورأيت مصباح النور
مضاء في احد الغرف، في ساعة متأخرة من الليل ،
فستعرف حالا لأي جنسية ينتمي هؤلاء الطلبة
بمجرد الاصغاء قليلا الى ما يصدر من اصوات عن
نافذة الغرفة ، فأذا كان ثمة هدوء وسكون هذا
يعني انهم فيتناميون مشغولون بالدراسة ، واذا
كانوا يدبكون ويرقصون فهم من البلد العربي
الفلاني ، واذا كانت الاصوات والهمهمات تشير
الى أنشغالهم بالكذا ! فهم من دولة الكذا !! ،
اما اذا كان هناك هرجة واصوات تصعد و تنزل و"
ابدا ما عندك حق " أو " انت ما تعرف اساس
القضية " ، فهم بلا منازع عراقيون يتناقشون
بأمور سياسية ! أرأيت ـ عزيزي القاريء ـ كيف
ان السياسة معجونة في دمائنا بحيث صارت تروى
عنا النكت وصار انشغالنا بها هوية لنا في كل
مكان ؟! وهكذا هو أيضا حال مثقفينا ، لا اسهل
من تناول السياسة عندهم ، فيمكن لاي كاتب
عراقي ان يصوغ لك فكرة سياسية بنص قصير من 300
كلمة فقط ، او ينفخ ويمط نفس الفكرة بنص اخر
من 750 كلمة او حتى اكثر ، دون أن يضيع زبدة
الموضوع عليك ، فثمة خبرة لا تضاهى عند
مثقفينا في تناول ما هو سياسي ، فهي حاضرة
دائما في عمل المثقف مع استكان الشاي ـ يجوز
فنجان قهوة أو غيره ! ـ الذي يشرب، فلا تجد
نصا شعريا أو قصصيا او لوحة او صورة ان لم
تترك السياسة ظلالها عليها بهذا الشكل أو ذاك
، فالسياسة معجونة بروحه ، وأذا ترميه خارجها
يشهق ويموت كالسمكة ، فكيف استطيع ان احقق طلب
محرر الملحق الثقافي بالالتزام بكتابة مادة عن
الهموم الثقافية من 500 كلمة فقط ، ان لم
يسامحني قليلا ويوسع لي من مساحة العمود
بزيادة عرضه ، لأن طول العمود ثابت اساسا حسب
طول الصفحة ؟!
هذا الكلام يقودنا ـ عزيزي القاريء ـ الى
علاقة المثقف العراقي بالسياسي ، والتفاعل
فيما بينهما ، فثمة مثقفون امتهنوا السياسة ،
سواء من خلال ارتباطهم المباشر بأحزاب سياسية
، او بأعتناقهم مباديء ونشاط سياسي معين بشكل
مستقل ، لكن ثمة جمهرة من المثقفين تحاول
البقاء خارج سياقات السياسة المباشرة لكنها
بنفس الوقت ليست بعيدة عنها ، اذ لا يمكنها ـ
لكل ما تقدم ـ أن تطفأ مصباح النور بشكل مبكر
ان لم تلبط ـ ولو قليلا ـ في بحر السياسة .
كثيرا ما قيل من أن السياسي لا يريد من المثقف
سوى ان يكون تابعا له ، وأن هذا للاسف واقع
معاش في العراق قديما وحاليا ، يتحمل مسؤوليته
المثقف قبل السياسي الذي يريد ان يحقق اهدافه
باي وسيلة ، ويكون المثقف عنده مجرد أداة ،
بينما مثقفنا وهو يسعى لاثبات وجوده ، ومن أجل
ديمومته ، تجده ينصاع مرارا لطلبات السياسي
وشروطه فتجده ينفذ ما يريده السياسي متخليا عن
الكثير من استقلاليته كمثقف ، فتجد السياسي
يمعن في التجاوز عليه ـ يعني يدوس في بطنه ! ـ
بأسم الوطنية والمباديء ومثقفنا راض بأن يبقى
ضوء المصباح مضاء لاخر كل ليلة في منجزه
الابداعي ما دام يعتقد أنه يحقق خدمة ما للوطن
المبتلي بحبه ، والطامة الكبرى هنا فيما أذا
كان السياسي فاسدا وطائفيا وديماغوجيا ، وله
أجندة مشبوهة لا تخدم مستقبل العراق
الديمقراطي ، عندها فأن مثقفنا الدائر في فلكه
ـ لهذا السبب او ذاك ـ وبكل بساطة سيكون في
خبر كان !! وبعد ـ عزيزي القاريء ـ واذ
تجاوزنا الان حدود الـ 500 كلمة ، اتعتقد أنه
اليس من حقي مطالبة محرر الملحق الثقافي بأن
يزيد قليلا من عرض العمود ؟!
وسنلتقي !
