يوسف أبو الفوز
haddad.yousif@hotmail.com
من "سويله ميش" الصوت هز السماوة ! (*)
يوسف أبو الفوز

حبيب
الأماني والأغاني . حبيب لي . لرفاقه جميعا ،
لنخيل السماوة . لجبال الوطن المعشوقة حد
الموت .
اذكره … ، يجئ لمقهى " علي زغير " مرحا ،
يتأبط " طريق الشعب " وذراع صديق جديد ،
يغرقنا في ذاكرة مؤرقة بالقصائد ، يهمس لي عن
عيون " سهيلة " ، يعترض على مسرح اللامعقول ،
ينبه إلى صدور كتاب جديد ، وينسل إلى موعد
حزبي دون استئذان .
اذكره … ، يقطع " أبو الستين"
(1)
برشاقة ، بهيا بين أقرانه ، يناقش أزمة السكن
وفن الشطرنج ، يلثغ بالراء وفي عينيه شئ من
مكر وعناد .
اذكره … ، في الأيام الأولى للمحنة ، يملك
كل العالم بأمانيه ، ولا يملك مكانا يأويه !
اذكره … ، حين التقينا في الجبل ، كان الثلج
في بحر عينيه يزهر لوزا والحزب بين كفيه
بندقية .
اذكره … ، حين تلتف أغاني الأنصار على ليل
الشتاء ، : " شباب أنصار يا هلنه وضوه العين "
(2)
ننهل صوته ندى وتجلي ، وعلى قلبي أجد وشما
لنار العراق .
اذكره … ، و " سويله ميش " ندية بدم " ياسين
" و " جلال " والحرائق والهتاف الشيوعي
والرصاص .
نذكره … ، في 27 / 9 متدفق الدم ، على ثغره
ارتجاف الهتاف وفي عينيه صحب العناد !
نذكره …
من "سويله ميش" الصوت هز السماوة
ما مات " ابن وروار" بدمه نتغاوه

هو
النصير الشيوعي ( كاظم عبد الحسن وروار حاشوش
) . مواليد 1956 مدينة السماوة .
نحن ابناء مدينة واحدة ، عشنا معا صخب
مراهقتنا التي امتلات بالسياسة مبكرا ، فكنا
جنبا الى جنب في التظاهرات الاحتجاجية
والسياسية ، وفي اجتماعات و نشاطات اتحاد
الطلبة واتحاد الشبيبة الديمقراطي . بل
وانتُدبنا مرة معا وساهمنا في نشاط فني لرابطة
المرأة فكان " كاظم " يعتبر ذلك " تنسيب " !!
. فيما بعد حين روى ذلك قال : ان مسؤوله
الحزبي في حينها وللضرورة ، نصحه بأن يذهب الى
الاجتماعات لابسا العباءة !! . وجدنا انفسنا
معا اعضاء في اول خلية حزبية بعد ترشيحنا
للحزب ، ومن مصادفات الحظ ان استاذنا نفسه
الذي رشحنا للحزب في الفترة نفسها . ساهمنا
معا في نشاطات مسرحية مدرسية ، ثم بعد الدراسة
الاعدادية ، اخذتني معدلاتي الدراسية الى
البصرة للدارسة الجامعية ، وذهب هو للدراسة
الجامعية في بغداد ، لكننا بقينا على تواصل
مستمر، وكنا نقضي اياما جميلة وحافلة في عطلات
الصيف ، خاصة أوقات تسكعنا في شوارع المدينة
ليلا حتى ساعات متأخرة ، وبمعية مجموعة طيبة
من الاصدقاء ، في مقدمتهم الشهداء " جمال وناس
" (3) ،
"زهير عمران موسى "
(4) ، حديث كانت هذه الجولات عبارة
عن " ندوات متحركة " حيث تثار النقاشات حول
مختلف المواضيع الثقافية والسياسية . رصد رجال
الامن ، من جلاوزة العفلقيين ، جولاتنا هذه
وحاولوا التحرش بنا أكثر من مرة ، بل وانتقدنا
بعض الرفاق " الجبهويين " واعتبروا جولاتنا
هذه مضرة بمسيرة عملية التحالف القائم مع حزب
البعث يومها . مع تصاعد الهجمة البوليسية من
قبل اجهزة النظام القمعية في عام 1978 انقطعت
اخبار كاظم وروار عني ، وخاصة بعد مغادرتي
الوطن في صيف 1979 .
و … في يوم من شهر تشرين الثاني عام 1982،
في كردستان والى مقر بيتوش ، مقر الفوج التاسع
، تصل مفرزة ومعها مجموعة انصار جدد ، قادمين
من عمق الوطن التحقوا عبر تنظيم الداخل !
معهم كان رفيقي وصديقي كاظم وروار .
مع بدء هجمات أجهزة الأمن في عام 1978 اختفى
كاظم عن الأنظار طويلا . كان جريئا فأختار
مدينة تكريت مكانا للتخفي منتحلا أوراقا "
تكريتية " . حين التقينا كان قد اختار لنفسه
اسم (ابو مهدي) ، و اذ كنت حينها معنيا بشؤون
الملتحقين الجدد ، كان عليّ أن انظم له
استمارة الالتحاق بقوات الانصار، التي كانت
تعتمد لتكون مصدرا للمعلومات عن النصير، وحين
اردنا تثبيت الاسم الحركي له ، أقترحت عليه
تغيير اسمه لعدة أسباب :
اولا : لان هناك نصير يحمل اسم "ابو مهدي" وهو
بالمصادفة من مدينة السماوة ايضا .
ثانيا : ان اسم " ابو …" يجعله يبدو عجوزا
وهو شاب متدفق الحيوية .
وثالثا : ان سكان القرى الكردية تعبوا من قصة
الـ ( أبو … ) التي تحملها اسماء انصارنا .
وافق كاظم على مقترحي فورا ، لكنه قال :
ـــ بما ان لي حرية اختيار الاسم ، فسوف اختار
اسما يجعلك تدور باذانك كلما نادوني به !
واختار اسم ( يوسف ) ! الذي هو اسمي الصريح
والمجهول بالطبع للغالبية من الانصار !
واذ ساعدته قدراته الجسدية ، وراح يحمل سلاح R
B G 7 باستمرار ، حاول الانصار منحه لقب (
يوسف أر بي جي ) لكنه كان يرفضه ، فكانوا
ينادونه احيانا ( يوسف عرب) وكان يرفض ذلك
دائما ، كان يقول بحزم :
ـــ يوسف وبس ! ما عاجبكم سأبدله !
وصرنا نلتقي باستمرار لنستعيد ذكريات طرية عن
مدينتنا، واصدقائنا. كان محبوبا بين الانصار
لسرعة بديهيته، وروحه الفكهة التي لا تجعل شئ
يمر دون تعليقاته الساخرة . مشكلته الحقيقية
انه كان اكولا ، ولمعالجة هذا الامر صدر قرار
من ادارة الفوج بمنحه حصة اكل مضاعفة لان حصة
شخص واحد لا تكفيه ، ورغم ذلك كان يقوم بغارات
سرية على مزارع الادارة ، والحقول ، وكان علي
رفاقه الانصار التستر له على ذلك !
واذ اعتاد الانصار ، من اجل تغيير المزاج ،
وبسبب محدودية ممتلكاتهم ، ان يتبادلوا
ساعاتهم ، قمصانهم ، بنادقاهم ، بدلاتهم ،
فكنت واياه دائما نتبادل اشياءنا . هكذ قمنا
انا واياه ، بعد ان استحممنا بتبادل قمصاننا ،
قبل ان اتوجه في مهمة الى مكان اخر . كان ذلك
قبل ايام من معركة "سويله ميش " . من اين لي
ان اعرف ان ذلك سيكون لقاؤنا الاخير، وان كاظم
سيستشهد وهو يرتدي قميصي ؟
في 25 / 9 / 1983 في سهل "شاره زوور"، في
محافظة السليمانية ، في قرية "سويله ميش" ،
ذات الأربعة عشر بيتا المتناثرة كرؤوس الفطر
على تلال منخفضة. نجح مرتزقة النظام
الديكتاتوري " الجحوش " بالتسلل ليلا ،
والاقتراب من القرية وتطويقها ، من مختلف
الجهات . فجرا اكتشف أنصار الفوج التاسع ذلك ،
وتعذر انسحابهم ، واضطروا ، وعن قرب ، الى خوض
، معركة بطولية ضارية ، غير متكافئة ، استمرت
طوال النهار. تداخلت خطوط القتال بين الأنصار
و قوات العدو الذي زج إلى ارض المعركة بوحدات
مدرعة مع طيران الهليكوبتر ، وثم وصل المنطقة
مفرزة دعم من أنصار الفوج 15 / كرميان ،
ومفرزة من أنصار مقر قاطع السليمانية ــ كركوك
، ومجاميع متفرقة من أحزاب حليفة هبت للمنطقة
بشكل متأخر، مما ساعد أنصار الفوج التاسع على
الانسحاب نحو مواقع أكثر أمنا . خلال المعركة
الضارية استشهد النصيران البطلان ، آمر الفصيل
الأول ومعاون آمر السرية ، (ياسين طاهر حمه
صالح) ، والنصير ( جلال هونكريني) ، وتمكن
العدو من اسر ثلاثة أنصار اخرين ، هم : سامان
( ئاراس اكرم ) ، ومحمد حمه فرج ، ويوسف (
كاظم عبد الحسن وروار ) . بعد يومين ، على
شارع حلبجة ــ سيد صادق ، تم اعدام الانصار
الاسرى في مشهد استفزازي لجماهير المنطقة
ولركاب السيارات الذين أوقفوا بالقوة ليشهدوا
بشاعة الجريمة . أرتجل الشهيد كاظم كلمة فضح
بها حقيقة السلطة وحث الجماهير على مواصلة
النضال ، وتقدم ورفاقه لمواجهة الرصاص بشجاعة
وهم يهتفون باسم الحزب الشيوعي العراقي وقوات
الأنصار .
معلومات
اضافية
(*)
نشرت في
طريق الشعب العدد 121 12بتأريخ شباط 2009 ضمن
مواد ملف الشهيد الشيوعي .
(1)
أبو الستين : تسمية شعبية لشارع خلفي في مدينة
السماوة ، ( في اعوام 1972 ــ 1976 ) كان
يتواجد فيه بكثرة الطلبة والشباب خاصة في فترة
المساء .
(2)
من أغنية أنصارية كلمات النصير أبو محمد
(الشاعر إسماعيل محمد إسماعيل) والحان النصير
أبو جميلة (الفنان كوكب حمزة).
(3)
الشهيد جمال وناس : مواليد السماوه 1956 ، من
عائلة كادحة ، في أيام درسته الإعدادية كان من
الكوادر النشطة ، في اتحاد الطلبة ، وعند
انتقاله للدراسة في كلية الزراعة / جامعة
البصرة ، واصل نشاطه الطلابي في صفوف الحزب
الشيوعي العراقي ، فتعرض إلى مضايقات متعددة
من قبل أجهزة النظام الأمنية ، وفي أواسط اذار
1978 تعرض إلى اعتداء من قبل عناصر منظمة
النظام الطلابية في جامعة البصرة ، ونقل على
أثره إلى المستشفى ، وفي 21 اذار من العام
نفسه فارق الحياة متأثرا باثار الاعتداء
الأثيم ، فكان من أوائل الشهداء لفترة ارهاب
1978 الذين افتتح النظام بهم صفحة الارهاب
المنظم والمتواصل.
(4)
الشهيد زهير عمران موسى ـ ملازم غانم : مواليد
السماوه 1955 ، كان كادرا طلابيا وشبابيا نشطا
، وكان عنصرا بارزا في فرق مدينة السماوة
الرياضية في كرة القدم والسلة ، تعرض إلى
مضايقات متنوعة من الأجهزة الأمنية نتيجة
نشاطه المتميز ، فاضطر إلى قطع دراسته
الجامعية ومغادرة العراق منتصف السبعينات إلى
دولة الكويت ، ومن هناك إلى الدول الاشتراكية
لمواصلة دراسته ، وفي مطلع عام 1981 التحق
بدورة عسكرية خاصة وحالما أنجزها بتفوق التحق
بصفوف الأنصار في كوردستان العراق ، وأستشهد
صيف 1983 في الاحداث المعروفة بين الأنصار أسم
(احداث بشت ئاشان الثانية) تمييزا لها عن (
احداث بشت ئاشان الاولى) في ايار 1983 .
