يوسف أبو الفوز
سر القبور الجماعية المكتشفة في فنلندا ؟
لم يعد أكتشاف القبور الجماعية ، حكرا على البلدان التي عاثت فيها الانظمة الديكاتورية والظلامية ظلما وفسادا ، مثل العراق ويوغسلافيا وافغانستان ، فالبلدان الاوربية الديمقراطية ، بين الحين والاخر صارت تواجه صفحات مظلمة وغامضة من ماضيها ، الذي تعتقد انه صار بعيدا واسدلت عليه الستائر ، وذلك باكتشاف أثار صفحات منه ، فتعود الكوابيس والاسئلة الى الواجهة ، ومع وجود اجيال جديدة من الباحثين والمؤرخين تعمل باطار موضوعي باحثة عن الحقيقة ، يتم نبش الذكريات وصفحات التاريخ ، وتتصاعد اصوات مسؤلة تدعوا للتمسك بالمنجز الحضاري المعاش من اجل مستقبل اكثر اشراقا . فنلندا ، ( نفوسها 5 ملايين نسمة ، مساحتها 338 الف كم مربع ) ، البلد المسالم ، المرمي على حافة القطب الشمالي ، في الايام الاخيرة ، راحت وسائل الاعلام فيه تسلط الضوء على صفحات مظلمة من تأريخ البلاد يحيطها الغموض وتكتنفها الاسرار ، وذلك اثر العثور بشكل عرضي ، في منتصف شهر تشرين الاول الماضي ، على مقبرة جماعية شمال شرقي العاصمة الفنلندية ، هلسنكي ، في منطقة هوهتينيمي Huhtiniemi في غابات لابيرانتا Lappeenranta ، حيث تمتاز هذه المنطقة بكثافة الغابات ، وهي من المناطق المفضلة عند الفنلنديين لصائدي الايائل .

فور اكتشاف المقبرة ، التي تبين انها تضم رفات 11 جثة ، وضعت تحت حماية الشرطة المحلية ، وشكلت فرق رسمية للكشف والبحث والتحقيق بشكل جنائي مع احتمالات ان تكون القضية جنائية ، ارتباطا بكون القبور وجدت على عمق متر واحد ، وبلا توابيت ، وموضوعة بشكل متراصف ، مما اثار الشك في أن تعود لضحايا عصابات المافيا ، خصوصا ان المنطقة ملاصقة الى الحدود الروسية (30 كم ) ، وتشهد بشكل دائم نشاطا لمختلف عصابات التهريب. ولكن مع بدء العثور على دلائل تكشف بأن المقبرة تعود لفترات زمنية طويلة ، تولت جامعة هلسنكي مهمة الكشف والبحث ، وشكلت لجنة خاصة من الباحثين المختصين لدراسة المقبرة وفك الغازها . الكشوف الاولية ، بمساعدة خبراء طب الاسنان ، بينت ان اعمار المدفونين في المقبرة تتراوح بين 20 الى 22 عاما ، ولم يتمكن فريق الكشف الاول من تحديد سبب وفاة اصحاب الجثث . واذ ان المقبرة المكتشفة كانت قريبة الى موقع مقبرة قديمة سبق ان اكتشفت عام 1971 ، وايضا بشكل عرضي خلال اعمال حفر قناة ، فالتخمينات الاولية تشير الى ان المقبرة المكتشفة حديثا قد تكون تعود الى فترة الحرب العالمية الثانية ، في عام 1944 او الحرب الاهلية الفنلندية عام 1918 . احد التخمينات التي اطلقتها وسائل الاعلام المحلية تشير الى انه ربما تكون الجثث تعود الى هاربين من حرب عام 1944 ، والتي تسمى في تأريخ فنلندا بأسم "حرب الاستمرار" ، وهي الحرب التي خاضتها فنلندا ضد الاتحاد السوفياتي . وحسب اشاعات وحكايات وتحقيقات صحفية فأن قيادة الجيش الفنلندي ايامها شكلت محكمة عسكرية سرية لمحاكمة العسكريين الهاربين من جبهة الحرب ، وكان يتم نقل الهاربين جميعا الى معسكرات خلفية في منطقة لابرانتا لتنفيذ حكم الاعدام بهم . والاشاعات تقول ، حسب بعض الروايات ، ان عدد المعدومين بلغ ما بين خمسمئة الى ستمئة عسكري هارب ، واتلفت سجلات المحكمة ايامها عمدا من قبل قادة الجيش ، لان المحكمة كانت صورية ولم تكن دستورية. وهناك من يعتقد بأن المقبرة تعود الى فترة الحرب الاهلية الفنلندية ، المعروفة في تأريخ فنلندا بأسم "حرب الشتاء"، والتي اشتعلت عام 1918 بين معسكري البيض (قوى اليمين) والحمر(قوى اليسار)، وفي اوضاع وتفاصيل تشبه بشكل ما الاوضاع السائدة حاليا في العراق ، حيث الموت ، وعلى الهوية ، يطرق باب كل مواطن فنلندي بمجرد الشك بولائه الى اي من المعسكرين. واهتمت قيادة الدولة الفنلندية الحالية بالمقبرة المكتشفة ، وبقرار مباشر من رئيس الوزراء ، شكلت لجان رسمية على مستو عال للمتابعة والاشراف ، وتسلم مسؤولية التحقيق والكشف " المكتب الوطني للتحقيق " بالتعاون مع مؤسسات البحث العلمي ، مثل معهد الطب العدلي في جامعة هلسنكي ، والمتحف الوطني الفنلندي ، وسط متابعة وترقب شديدة من قبل الراي العام الفنلندي . المفارقة التي تلفت الانتباه ، هو ان احد الباحثين في هذه القضية هو البروفسيورة هيلينا رانتا Helena Ranta ، وهي طبيبة اسنان جنائية مختصة ، ولها تجربة كبيرة في الكشف والبحث في المقابر الجماعية في يوغسلافيا وفي تايلند وفي العراق ايضا ، حيث قامت بزيارة المقابر الجماعية المكتشفة في العراق اكثر من مرة ضمن وفود دولية ، واشارت بعض التوقعات الى انها قد تستدعى للشهادة في محاكمة صدام حسين.

فريق الباحثين في مقبرة هوهتينيمي Huhtiniemi اعلن عن اكتشاف عِدّة معلّقات برونزية وفضّية ، أزرار عظمية ، وقِطَع قماشِ ، وايضا صلبان ورموز تعود الى ديانة الكنيسة الأورثوذكسية ، مما ساعد على بروز فرضية مقبولة عند كثير من الباحثين تفيد بان القبور تعود الى مرضى مستشفى عسكري روسي اقيم هناك خلال فترة 1830 ، حيث في تلك الفترة كانت فنلندا بالكامل تخضع لاحتلال جيوش الامبراطورية الروسية .

يستند الباحثون في
تقديرهم لذلك الى عدم وجود علامات تشير الى حالة الاعدام سببا للموت ، والى
تقارير اطباء الاسنان العدليين لتحديد فترة الوفاة ، وايضا الى طريقة دفن الجثث
حيث ان التقليد الأورثوذكسي ، يقضي بأن عند دفن المَوتى يوضع الصليب على الصدر،
وتكون اقدام الميت بأتجاه الغرب ووجهه الى الاعلى الى جهة الشرق ، ووذلك حسب
الاعتقاد بأن الميت اذا بعث من القبر سيواجه اولا الشمس لان السيد المسيح مصدر
الضوء . يذكر ان الاحصاءات الرسمية الفنلندية تشير الى انه على مدى تاريخ
فنلندا ، فأن الغالبية من السكان الفنلنديين يتبعون الكنيسة اللوثرية ، بينما
نسبة ضئيلة من الفنلنديين يتبع الكنيسة الأورثوذكسية ، التي تتبعها النسبة
الغالبة من سكان روسيا القيصيرية .
* عن المدى البغدادية العدد (839) الخميس 21/12 /2006
** بعض الصور خاصة بموقع الناس
