يوسف أبو الفوز
اطفال الانفال ـ 8
يوسف أبو الفوز
اطفال الانفال هو العنوان الداخلي لكتابي ، الذي اردته شهادة بلسان ضحايا وشهود
جريمة الانفال بحق ابناء شعبنا الكوردي ، والذي بدأت العمل فيه بعد احداث
الانفال مباشرة ، وكنا لا نزال بالملابس التي اجتزنا فيها الحدود العراقية نحو
الاراضي الايرانية ، وفيما بعد صدر عن وزارة الثقافة الكردية في السليمانية ،
شتاء 2004 ، وتحت عنوان (لدي اسئلة كثيرة او اطفال الانفال ) . حيث كنت مع
انصار الحزب الشيوعي العراقي ، في قلب الاحداث ، وسط أجواء التحدي والموت
والجوع والعطش . كنت مع بسطاء الناس ، جزءا من المأساة ، وواحدا من ضحاياها .
كنت مع الجميع شاهدا على كثير من فصول جريمة الديكتاتور المجرم ونظامه الشوفيني
الفاشي ، و ما جرى بحق ابناء شعبنا الكوردي .
في صفحات الكتاب ـ الشهادة حاولت أن ارصد بعض مما جرى ، ومن خلال زاوية محددة :
الأطفال الأكراد .
لم اكتب فقط ما رأيت ، وما سجلت في دفاتري ، فشهادتي وشهادة الآلاف من الرجال
والنساء ، المقاتلين والطلاب والفلاحين لن تجسد الحقائق المروعة اكثر من شهادات
الأطفال أنفسهم الممهورة بالصدق والبراءة والرعب ، حملت أوراقي وتوجهت للأطفال
وسجلت شهاداتهم مباشرة . في الحلقة رقم 1 نشرت جزءا من مقدمة الكتاب ليكون
القارئ في صورة الاحداث ، وفي هذه الحلقات المتتابعة اورد بعض القصص ـ الشهادات
التي ضمها الكتاب .
***
من أوراق مخيم اللاجئين في منطقة خوي الايرانية
(1)
6/6/1989
نحيلة ، ملونة العينين ، بخصلات شعر اسود تحيط بوجه قمحي نظر . كل يوم أراها ، طفلة
نشطة ، تعمل مثل ربة بيت كبيرة ، اسمها : سميرة !
قالت لي : من قريتها ، وخوفا من قصف المدفعية كانت تهرب إلى الجبل ، وتحتمي بكهوفه
طوال النهار البارحة ، كان مجموعة من الأطفال المشاكسين ، يعبثون ، فراق لهم أن
يبتكروا لعبة جديدة ، في مجمع اللاجئين ، وقريبا من الغرفة حيث يسكن أهل سميرة تقع
غرف المرافق الصحية العامة ، أمطر الأطفال الأبواب الحديدية بسيل متلاحق من الحصي ،
فصدرت عن الأبواب أصوات حادة ، متعاقبة ، ظنتها سميرة أصوات إطلاق نار ، خرت مغشيا
عليها ونقلت إلى الوحدة الصحية للمجمع !
قال أهلها : أنها المرة الرابعة التي يحصل لها ذات الشيء ، ولأسباب مشابهة تماما !
(2)
3/7/1989
إدارة المجمع ولحكمة ما ، تحرص على دفن الموتى ليلا ! والمقبرة التي تم افتتاحها
على سفح الجبل القريب باتت تستقبل زبائنها من كل الأعمار وخاصة الأطفال ، وأحيانا
بين يوم وأخر !!
عن منتصف النهار رأيته ، يسير وئيدا هادئا ، في فمه سيجارة غير مشتعلة ، والى جانبه
يسير عدة رجال ، أحدهم يحمل بين يديه لفافة ! فورا ، ومن نظرات النسوة الواقفات عند
الأبواب عرفت ماذا تحوي اللفافة . تحاشيت اللقاء بهم وجها لوجه ، لكنه حين لمحني
سار بأتجاهي ، ماذا يريد ؟ لماذا أنا من بين الاخرين ؟ حاولت أن أهيأ كلمة مواساة ،
لكنه فاجأنيبالسؤال عن كبريت ، ناسيا أني مرارا حدثته بأني لم اقرب السجائر ، ارتبك
، أعاد السيجارة لجيبه ، ومن الجيب الأخر اخرج حفنة من بذور عباد الشمس ، وضع بكفي
قليل منها ، وراح يكرز بلا مبالاة ، وتبع الرجال الذين سبقوه إلى المقبرة ، لدفن
ابنه الثاني الذي توفي هذا الشهر !
24/7/1989
وسيم وخجول كفتاة . ابتسامته المشرقة توسم محياه بألفة عذبة ، كل يوم أقابله في
ساحة المجمع يحمل علبة سجائر " سومر " ليبيعها بالمفرق على اللاجئين وليربح بضع
تومانات ، فأشاكسه :
ــ ( مرك بر قه جه قجي ) !
(3)
يطلق محمد ضحكة مرحة ويزوغ عني . لست مدخنا ، ولا يوجد عندي له سوى المزاح
والمشاكسة . اضبطه أحيانا يتزاحم مع بائع أخر في منافسه على زبون . أحاول أن اصلح
بينهما ، يستجيب بأدب لكلامي ، فأشاكسه :
ــ كم ألف تومان (4) جمعت حتى ألان ؟
يضحك مدهوشا ، وبصدق وعفوية يخرج ما في جيبه من تومانات قليلة ليريها لي .
اليوم وجدته حزينا ، كسيرا ، وبصعوبة استطعت أن اعرف أن الماء بشكل ما تسرب إلى
ثلاث علب سجائر سومر ليتلفها له ، لتصيبه خسارة مالية جسيمة لا يمكنه تعويضها
بسهولة . كان حزينا بشكل غريب ، حزن يفطر القلب !
أنا لست مدخنا ، وهي المرة الأولى في حياتي التي اشتري فيها لنفسي ثلاث علب دخان
مرة واحدة ، ولكنها … تالفة !
قررت أن اترك مشاكسته !
(1)
مع بدء عمليات الأنفال تدفق الاف اللاجئين
الاكراد الى ايران وتركيا ، وخصصت ايران اماكن عديدة لاستقبال اللاجئين الاكراد ،
وقامت الحكومة التركية بأستقبال الالاف ولكنها بنفس الوقت رفضت استقبال وطرد المئات
منهم في محاولة لاجبارهم على العودة الى الاراضي العراقية ، وامام تهديد الموت من
قبل قوات نظام صدام حسين اضطر مئات اللاجئين الى المخاطرة والتسلل الى ايران عبر
الاراضي التركية ، وكانت قرية زيوة الايرانية الحدودية والواقعة في ضواحي مدينة
ارومية الايرانية مخيما لغالبية الاكراد الذين طردتهم تركيا ورفضت استقبالهم ، وثم
تم نقلهم الى مجمع خوي الإيراني الواقع قريبا من قرية زارعان الإيرانية ، في محافظة
ارومية وقريبا الى الحدود السوفياتية ، حيث حولت الحكومة الايرانية سجنا سابقا يقع
هناك الى معسكر للاجئين العراقيين ، وبعد أحداث الأنفال وايام اعداد هذه الشهادة
شكل الأكراد اللاجئين الى ايران غالبية اللاجئين المتواجدين فيه .
(2)
أخيرا ، كادت سميرة أن تجن ، إذ أصيبت فجأة
بهستيريا حادة ، وراحت لأيام متوالية تهذي ، تغني وتبكي وتضحك ، فاقدة سلوكها
الطبيعي ، وبسبب من عدم توفر الرعاية الطبية الكافية في مجمع خوي ، ولصعوبة الأوضاع
المادية لعائلتها تأخر إرسالها إلى الطبيب المختص للكشف عليها ، وساءت حالتها جدا ،
لحد ساد الاعتقاد أنها جنت تماما ، ثم وبمساعدة أناس أخيار حصلت عائلتها على دعم
مادي وارسلت للعلاج ، وتبين أن لديها حالة اكتئاب شديد ومعقد . نذكر أن سميرة عمرها
عشر سنوات فقط ، ترى من يضمن عدم انتكاسها من جديد ؟( الهامش مكتوب خلال تلك الايام
ـ الكاتب )
(3)
(مرك بر قه جه قجي ) : جملة باللغة الفارسية ،
وتعني ( الموت للمهربين ) وهو شعار سائد في إيران في أيام أعداد هذه الشهادة ، في
إطار حملة الحكومة الإيرانية في محاربة التهريب والمهربين .
(4)
تومان : عملة إيرانية .
