يوسف أبو الفوز
أطفال الانفال – 4

اطفال الانفال هو العنوان الداخلي لكتابي ، الذي اردته شهادة
بلسان ضحايا وشهود جريمة الانفال بحق ابناء شعبنا الكوردي ، والذي بدأت العمل
فيه بعد احداث الانفال مباشرة ، وكنا لا نزال بالملابس التي اجتزنا فيها الحدود
العراقية نحو الاراضي الايرانية ، وفيما بعد صدر عن وزارة الثقافة الكردية في
السليمانية ، شتاء 2004 ، وتحت عنوان (لدي اسئلة كثيرة او اطفال الانفال ) .
حيث كنت مع انصار الحزب الشيوعي العراقي ، في قلب الاحداث ، وسط أجواء التحدي
والموت والجوع والعطش . كنت مع بسطاء الناس ، جزءا من المأساة ، وواحدا من
ضحاياها . كنت مع الجميع شاهدا على كثير من فصول جريمة الديكتاتور المجرم
ونظامه الشوفيني الفاشي ، و ما جرى بحق ابناء شعبنا الكوردي .
في صفحات الكتاب ـ الشهادة حاولت أن ارصد بعض مما جرى ، ومن خلال زاوية محددة :
الأطفال الأكراد !
في الحلقة رقم 1 نشرت جزءا من مقدمة الكتاب ليكون القارئ في صورة الاحداث ، وفي
هذه الحلقات المتتابعة اورد بعض القصص ـ الشهادات التي ضمها الكتاب .
***
أين هم ألان ؟
أين هم ألان ؟
لنتساءل عنهم ، وبصوت عال ، فنثار أخبارهم التي تسربت لنا عبر الأسلاك الشائكة
لمعسكرات الاعتقال ، معسكرات الموت البطئ التي احتجزوا فيها مع عوائلهم تثير
القلق والمخاوف .
زاخاروف ، فيدل ، خليل ، وفاء ، زوزك ، ماجدة ، نصير ، خيال ، بسيم ، لينا ،
سلمان ، مناضل ، فيكو ، لولاف ، …
كل أطفال مقر (مه راني) (1) ، أطفال
الشهداء والمناضلون الأنصار، أطفال مسرحية (الدوارة)(2)
، عصافير مه راني المحلقة في سماء الطفولة رغم وحشية القصف المدفعي وطلعات
الطيران اليومية . أطفالنا المترعين جمالا ونزقا وشقاوة .
* زاخاروف (13 سنة)
الشاعر الصغير ، الطفل النحيل مثل غصن ريان ، المتعدد المواهب ، المدهش
بتعابيره العميقة ، الذي تفجرت قصائده كينابيع وادي مه راني ، عذبة ، صافية ،
…
كتب مرة :
كل شئ ،
يأتي مرة واحدة ،
إلا أنت .. يا طيران !
* خليل ( 9 سنوات ) (3)
المهووس بلعبة "الأنصار" ، كل يوم يشكل مفرزة أنصارية من أطفال مه راني ،
يرسلهم يستطلعون مواقع "العدو" ، ليهاجموها بضراوة ويجبلون كل مرة "غنائم"
وأيضا … أسرى ! ، وفي الليل يعيد رسم ذات اللوحة الاثيرة لديه ، التي يرسمها
كل يوم ويرسلها إلى الفنان الشهيد أبو أيار (4)
ليصححها له : لوحة تمثل الديكتاتور صدام حسين بنجومه ونياشينه مربوطا إلى شجرة
جوز عملاقة والأنصار يحيطون به ويصوبون أليه بنادقهم ، وكوكبة من السناجب
والعصافير ترقص وتتفرج !!
* فيدل ( 10 سنوات )
النابض بالحيوية والشقاوة ، النشط في إنجاز إهمال منزلية ، متقمصا ـ وبجدارة ـ
شخصية رب أسرة حقيقي ، دون أن يتخلى عن مساحات طفولته ، فيضج وادينا الصغير
بصخبه ونزاعاته .
* زوزك (3 سنوات )
انه سنجاب وادي مه راني الراكض دوما تحت أشجار الجوز يجمع الثمار المتساقطة أو
باحثا عمن يرفعه ليطول الأغصان العالية .
* ماجدة ( 7 سنوات )
زهرة النرجس الندية ، الدلوعة ، الغيورة ، الخجولة ، الرقيقة .(5)
* وفاء ( 11 سنة )
الجميلة … الجميلة بدون حدود للوصف . بابتسامتها العذبة وعفويتها الدافئة ،
وسلوكها الرزين المثير للدهشة ، أنها ربة بيت صغيرة بنشاطها وتدبيرها لشؤون
المنزل ورعايتها لأختها الصغيرة(سورباز) . (6)
والاخرون …
عاصف ، خمي ، ديمتروف ، فؤاد ، حبيب ، سيتاف ، ريناز ، زكي ، فينوار ، رينوار ،
…
أين هم ألان ؟
لنتساءل عنهم ؟ فبعد أن حوصروا ومعهم مئات العوائل ، ولأسابيع في جبل كاره ،
حيث امضهم الجوع والعطش ، وسط أجواء الرعب الذي تبثه طلعات الطيران واحتمالات
مهاجمة قوات النظام الديكتاتوري لجبل كاره بالغازات السامة ، وعلى اثر ما سمي
بـ " قرار العفو "، قامت النساء بتسليم أنفسهن إلى السلطة ، وذلك لإنقاذ
الأطفال من الموت عطشا أو جوعا أو رعبا …
الأخبار التي وصلت تقول : اعتقلوا في سجون قلعة دهوك شهرا ، ثم نقلوا إلى كركوك
في معسكرات قسرية في العراء ، وفي ظل ظروف صحية سيئة وأحوال معيشية بائسة
يواجهون مصيرا مجهولا وسط إجراءات قمع وتحقيق فاشية .
ثم انقطعت الاخبار !!
أين هم ألان ؟
* زاخاروف : بأية قصيدة تفكر ألان ؟ (7)
* فيدل : من يشاكسك هذه الأيام ؟
* خليل : من يعطيك ورقا لترسم ، ومن يصحح لك ؟
* وفاء : لمن ستعدين الشاي ؟
* ماجدة : على من ستتدللين وتتدلعين ؟
* ….
* ….
أين انتم ألان ؟؟
أن قلوبنا تتفطر لوعة لذكراكم !
1 ـ
مه راني : هو المقر
الأساسي الخلفي ، لانصار الفوج الأول ، من قوات قاطع بهدينان لانصار الحزب
الشيوعي العراقي ، ويقع في منطقة محافظة دهوك ، تأسس مقر مه راني في 2/10 /
1982 ، كقاعدة أنصارية في عمق الوطن ، فهو يعتبر من أهم مقرات الأنصار في
تحديها للسلطة ، إذ يتوسط بموقعه مجموعة من الاقضية والنواحي المهمة ، وهو قريب
إلى سلسة جبال كاره الوعره ، والمقر أساسا شيد على أنقاض قرية بنفس الاسم تقع
في وادي ضيق يخترقه مسيل ماء نبع عذب بارد دوما ، ومن المفارقات أن وادي مه
راني مزدحم بـ 99 ( تسعة وتسعين !! ) شجرة جوز معمرة ، وبالإضافة إلى موقعه
المميز فان كثافة الأشجار ساعدت على تمويهه عن طلعات الطيران الدائمة !
2 ـ الدوارة :
اوبريت مسرحي غنائي . تأليف النصير حيدر
أبو حيدر . إخراج النصير يوسف أبو الفوز . اشترك في تمثيله الأطفال ( زاخاروف ،
فيدل ، مناضل ، لينا ، وفاء ، خيال ، فلمير ، ماجدة ، ديمتروف ، سلمان ، بسيم ،
خليل ) ساهم معهم في التمثيل الأنصار ( كريم ، خيري ، يوسف أبو الفوز ) . وتولى
الديكور والماكياج : الشهيد أبو أيار ( فؤاد يلدا) و سربست. الملابس النصيرة أم
امجد . الانارة : الانصار أبو حسن حبيب البي ، جهاد ، أبو وجود . الفرقة
الموسيقية: الانصار سمير ، عامر ، كوفان . عرض الاوبريت ثلاث مرات في مقر مه
راني ، وكان العرض الأول في 31 / 3 / 1988.
3 ـ الأطفال زاخاروف وخليل :
هم أبناء الشهيد أبو ماجد ، الذي أصيب
بنوبة قلبية أثناء أداءه مهمة حزبية خاصة في سهل الموصل صيف 1978 .
4 ـ الشهيد أبو أيار :
فؤاد يلدا سلمان . مواليد 1951 . خريج معهد
الفنون الجميلة بغداد ، واكمل دراسته للفن التشكيلي في معهد الفنون فلورنسا ـ
إيطاليا . التحق بصفوف الأنصار في 1982 ، عمل في إعلام الفوج الأول ، جرح في
ساقه في معركة قرية شيخكا تموز 1988 ، وكانت له مساهمات فنية بارزة إضافة إلى
مهامه الأنصارية . في خلال عمليات الأنفال وتحديدا في 11/9/ 1988 ، وبعد وقوع
مفرزته في كمين للعدو ، واصيب بجراح ، حاصرته قوات العدو وحاولت اسره ، فأبى
الاستسلام فأطلق رصاصته الاخيرة إلى رأسه مسجلا مأثرة بطولية خالدة ، وتحت يد
الكاتب ، قيد العمل ، كراس توثيقي عن حياة واستشهاد البطل ابو ايار ، والكاتب
لازال بانتظار مساهمة كل من يهمه توثيق حياة وبطولة الشهيد ابو ايار.
5 ـ الأطفال فيدل وزوزك وماجدة و نصير :
هم أبناء الشهيد أبو نصير . هرمز
خوشابا هرمز ، من قرية بقري ـ سهل الموصل ـ مواليد 1950 ، أستشهد في 23 /7 /
1988 في معركة قرية شيخكا ( سهل الموصل ) ، في معركة مع قوات المرتزقة ـ الجحوش
. و كان امرا للسرية الرابعة ـ الفوج الاول .
6 ـ وفاء وسورباز :
هن بنات الشهيد أبو فؤاد الذي استشهد في
يوم 5/6 / 1987 ، حيث قامت تسع طائرات حربية من طيران النظام الديكتاتوري
العراقي بقصف مقر زيوة لأنصار الحزب الشيوعي العراقي ، بالغازات السامة ،
واستشهد النصيران أبو فؤاد ، و أبو رزكار وجرح النصيران عباس وخابور بجروح
بليغة واصيب بتأثير الغازات السامة (149) نصير ومواطن.
7 ـ
في ربيع 1988 اُرسلت مجموعة من قصائد الطفل
زاخاروف بعد أن تم جمعها وترتيبها وقدم لها النصير ابو طالب ( الشاعر عبد
القادر البصري ) ، الى الاعلام المركزي للأنصار لطباعتها ونشرها ، ولكن مصيرها
في خضم الاحداث صار مجهولا كمصير كاتبها .
