يوسف أبو الفوز
" جنون الطائفية " !!
يوسف أبو الفوز
ثاني يوم عطلة الاسبوع الاخيرة ، في اول الصباح، وبوقت مبكر، رن
عندي الهاتف المنزلي . قفزنا انا وزوجتي في وقت واحد من النوم . كنت الاسرع
لتناول الهاتف بيدي المرتعشتين غصبا عني . من يهاتفنا في هذا الصباح المبكر؟ أي
اخبار يحمل لنا ؟ ماذا هناك … ؟
اخي الاكبر ، الساكن في بغداد ، قبل اسبوعين وفي منتصف الليل ، وخلال
الاشتباكات الحامية بمختلف الاسلحة ،التي دارت في شوارع منطقة سكنه ، بين
مليشيات مسلحة منفلتة على الدولة والقانون ، وترفع راية الطائفية المقيتة ،
ووسط الطلقات والقذائف التي تمرق قرب وفوق بيته ، وبمشقة هرب وعائلته ، بملابس
النوم تاركين بيتهم ، دون ان يملكوا الوقت لسد الابواب . نزحوا الى بيت اقارب
في منطقة اخرى ظنوها اكثر امانا ، وسرعان ما اشتعلت فيها الاغتيالات على الهوية
، ورسائل التهديد وفرض الخاوات . وسط كل هذه الفوضى واجواء الخوف والقلق ، اصيب
اخي بذبحة صدرية نقل على اثرها الى المستشفى وادخل غرفة الانعاش . وضعه الصحي
لحد كتابة هذه السطور لا يزال قلقا .
هذا الهاتف ، القادم في الصباح الباكر، هل له علاقة بحالة اخي الصحية ؟ هل حدث
ما لا يمكن رده ؟ هل … ؟ مختلف الاسئلة والاحتمالات راحت ترد في بالي وانا
اشهق :
ـ الو … !
ـ السلام عليكم ، انت الاخ يوسف ؟ …
صوت غريب . قادم من بعيد . متوتر ويتحدث بسرعة . جعلني استند الى اقرب كرسي .
ـ نعم ، انا يوسف ! …
ويرد الصوت بقوة :
ـ انا " ابو …" وانت الان لا تعرفني ، و …
تأكد لي ان المكالمة من العراق . الجمل المبتورة الاولى الغامضة ، جعلتني لا
اراديا اجلس على اقرب كرسي . وجه زوجتي يمتقع وهي ترى رد فعلي دون تسمع المتحدث
، وتفكر مثلي تماما ، وتكاد تفلت منها صرخة .
ـ يوسف ، يا صديقي ، انا فلان الفلاني … حصلت على هاتفك اخيرا و …
وانهدُ على الكرسي مغالبا ارتجاف قلبي غصبا عني !
خلال زيارتي الى العراق ، بعد سقوط النظام الديكتاتوري ، وبعد غياب اكثر من ربع
قرن عن وطني ، حرصت على معرفة اخبار زملائي واصدقائي . قابلت من قابلت ، وتركت
رسائل تحمل عنواني ورقم هاتفي لمن تعذر عليّ مقابلته . صديق وزميل عزيز من ايام
الدراسة الجامعية ، تصله رسائلي واخباري اخيرا ، وهاهو يتصل وملؤه الشوق والفرح
لنتواصل من جديد .
ساعتها ، لم يدرك الصديق العزيز ، الوفي ، والمخلص لايام العشرة والصداقة ، اي
رعب سكن قلوبنا ، بسبب مكالمته المبكرة ، التي جعلتنا نفكر بكل ما هو مؤلم !
لم تعد الاخبارالقادمة من العراق تسر احد .
ما حصل معي ، انا متأكد ان مثله ، وربما اكثر، حصل مع اخرين ، من ابناء العراق
، الذين يعيشون خارج الوطن ، وقلوبهم وعيونهم ترنوا الى اخبار العراق ،
وانفاسهم تتقطع مع كل رنة هاتف ، ومع نشرات الاخبار على الفضائيات .
لم يعد يصلنا من الوطن الا ما هو محزن وسئ ومثير للالم .
الصحفي الامريكي روبرت بولوك ، صباح 24 تموز 2006 يخبرنا ومباشرة من بغداد ، في
مقال له في منشور في صحيفة (The Wall Street Journal) ، اثر وصوله اليها قادما
من افغانستان ، بان الوفد الصحفي المرافق لوزير الدفاع الامريكي ، دونالد
رامسفيلد ، تحرك من مطار كابول الى السفارة الامريكية تقريبا بدون حماية تذكر،
بينما وصوله الى المنطقة الخضراء في بغداد لمقابلة اركان الحكومة العراقية تطلب
نقله بالطائرة الهليكوبتر وسط حراسات مشددة .
اي وضع وصلت اليه الحالة الامنية في العراق ، بحيث صارت شوارع بغداد ، مدينة
السلام ، غير امنة للتنقل ؟
اي حالة جنون يمر بها العراق ؟
انه "جنون الطائفية " !
انه "جنون " اولئك الذين لا يعرفون سوى لغة الطائفية المقيتة ، والذين يلغون
الاخر، لمجرد الاختلاف معه .
نعم ، ان " جنون الطائفية " ، نوع فريد وخاص من مرض "جنون البقر". تقول احد
التفسيرات العلمية لسبب ظهور مرض " جنون البقر " ، انه يحصل حين تاكل الابقار
العلف المصنع من بروتين الابقار . هاهم معتنقي الطائفية كفكر وممارسة وسلوك ،
وهم ابناء وطن واحد ، ياكلون بعضهم الاخر، بحيث لم يعد اسم العراق في وسائل
الاعلام العالمية سوى مرادف للموت ولا ينتظر منه سوى الاخبار السيئة .
ومرض "جنون البقر " ــ تقول التقارير الطبية ــ ما هو الا عبارة عن " اضطرابات
تصيب انسجة المخ وتسبب في انحلالها " ، فهو " مرض قاتل يدمر خلايا المخ " !
ايعتقد انسان عاقل بان مسلحي المليشيات الطائفية لهم مخ سليم ، يحمل عقلا سليما
؟ لا يبدو ان هناك مكانا للعقل السليم ، عند حكام دويلات شوارع المليشيات
الطائفية المنفلتة . عقول الزعماء ، الذين يرفعون راية الدين ـ وهو منهم براء ـ
ويلغون الاخر ببساطة ويقتلون الناس على الهوية ، ولا يعرفون للحوار سوى لغة
الدم والموت ، هي في حالة عطب وانحلال مريع ، بسبب "جنون الطائفية " !.
لا يوجد مكان للحكمة ـ ابدا ـ في دويلات عنف الجنون الطائفي ، وسط حماقات
الجماعات المسلحة التي لا ترى الا في موت الابرياء طريقا لسيادة صوتها .
لا يوجد مساحة للرحمة ، وسط لغة الدم عند المجرمين الارهابيين الموتورين .
متى يعود العقل الى مكانه ؟
متى يسود حب الحياة ليكون دافعا للبناء والتكاتف ؟
اسئلة تضع المسؤولية امام جميع النخب السياسية ، خصوصا المرتبطة منها بوشائج
خاصة مع المليشيات الطائفية ، للعمل الحقيقي الجاد ، ولعبور لغة التصريحات
والتأتأة والتأنق امام الميكروفات ، وتحويل الكلام الى فعل على ارض الواقع ،
لان لا علاج ناجع للخلاص من مرض "جنون الطائفية " الا عبر توطيد دولة القانون ،
تكون فوق الطوائف والايدلوجيات ، تلتزم باحكام الدستور ، وتكون التعددية
الفكرية والسياسية ممارسة يومية لكل مواطن ينتمي الى الوطن ، ويمارس حقوقه في
المساواة بدون تمييز ، في عراق ديمقراطي ، فيدرالي ، مستقل ، موحد .
سماوة القطب
24 تموز 2006
