يوسف أبو الفوز
هل حكومتنا الدائمة ، حقاً ،
حكومة " قوس قزح " ؟
يوسف ابو الفوز
قبل عقد من الزمان ، حللت في فنلندا لاجئا سياسيا ، بعد رحلة
شاقة في البحث عن سقف امن دائم ، ومن الايام الاولى ، ومن اجل متابعة ما يجري
في البلاد والتعرف عن قرب ، اجريت الكثير من اللقاءات والحوارات مع مثقفين
وسياسيين من اهل البلاد ، ومن مختلف "الالوان " ، ففي فنلندا تستخدم وسائل
الاعلام الوان محددة لمختلف الاحزاب والمنظمات ، وتعرف بها وتكون سائدة في
شعاراتها ونشاطاتها . ولاجل اشراك الاخرين معي في ما رحت اتعرف اليه ، كتبت
سلسلة مقالات لمجلة " رسالة العراق " ، الصادرة في لندن حينها ، وتحت عنوان
موحد "السياسة والحياة عند القطب " للتعريف بتاريخ وحياة وتجربة هذه البلاد في
بناء دولة ديمقراطية، مثالا لدولة الرفاه الاجتماعي ودولة القانون والمجتمع
المدني ، وكان في بالي دائما التأكيد على تلك الدروس التي تنفع بلادنا فيما لو
تم الاطاحة بنظام العفالقة الديكتاتوري . ومن الايام الاولى واجهني في الحياة
السياسية الفنلندية مصطلح " حكومة قوس قزح " ، الذي تستخدمه وسائل الاعلام نقلا
عن الشارع الفنلندي ، حيث يستخدمه المواطن الفنلندي في وصف الحكومة المنشودة ،
حكومة الوحدة الوطنية . لم يكن صعبا فهم المقصود بذلك ، لكني وفي لقاء السيدة
ساتو هاسي (شاعرة وروائية ومؤلفة كتب دراسية في علم الفيزياء ) زعيمة حزب الخضر
الفنلندي ، ووزيرة البيئة لفترة لاحقة ، وفي كافتريا البرلمان الفنلندي ،
ولانجاز اللقاء الصحفي ( نشر اللقاء في رسالة العراق العدد 42 حزيران 1998 )
سألتها عن " قوس قزح " هذا : الا تجدون في التسمية شئ من سخرية او استهانة
بالعمل السياسي ؟ كانت الحكومة ايامها مكونة من خمسة احزاب من الاحزاب
الفنلندية الستة الكبار ، وراحت السيدة تشرح لي ، وبلغة اختلطت فيها مصطلحات
العلم بالشعر ، اعتزازها بهذه التسمية ، لانها تجدها تعبير موفق عن حكومة
الوحدة الوطنية ، التي تدير سياسة البلاد وتسعى لتحقيق طموحات واحلام المواطن
الناخب ، فكل الاحزاب السياسية ، ومن مختلف الالوان الفكرية ، من اليمين
واليسار، تجلس الى طاولة واحدة وتشترك في حكومة واحدة ، شكلت وفقا للدستور ،
وراعت الاستحقاق الانتخابي ومصلحة الوطن . كانت فنلندا ايامها في سنوات حاسمة
لتأخذ دورها وحجمها المناسب في مؤسسات الاتحاد الاوربي وتحديدا للتصويت حول
الدخول في وحدة النقد الاوربي ، فاكدت السيدة ساتو هاسي : ان قرارات مصيرية
بهذا الحجم ترسم مستقبل البلاد لا يمكن للون واحد ان يتفرد برسمها ، لابد من ان
يكون هناك اجماع وطني من كل الالوان .
اليوم ، في العراق الجديد ، وبعد سقوط النظام الديكتاتوري المقبور ، وبعد ان
تشكلت الوزارة العراقية الرابعة برئاسة السيد نوري المالكي ، بعد وزارات : مجلس
الحكم ، والمؤقتة، والانتقالية، ها هي الوزارة الدائمية تلاقى بالترحيب من قبل
الكثيرين ، على الساحة الوطنية الداخلية ، والخارجية ، ودعك من عصابات فلول
النظام الديكتاتوري المقبور ، وحلفائهم من الارهابيين التكفيرين ، الذين لهم
مشروعهم الظلامي الدموي .
الحكومة الدائمية ، ستواجه ملفات اساسية ، ومهمات كبيرة وخطيرة ، في فترة حاسمة
ومصيرية في تاريخ وحياة شعبنا ، فهل يمكنها الخروج بقرارات حاسمة لخلاص شعبنا
مما يعيشه من ازمات وكوارث والاخذ بالبلاد الى نهارات الامان والاستقرار ؟
العديد من ممثلي الاقليات ، وفي مجلس النواب ، لا يعتبرون الحكومة الحالية
حكومة وحدة وطنية بل يعتبروها حكومة توافقية هشة مبنية على المحاصصة الطائفية ،
ويشيرون الى غياب ممثلي القومية التركمانية ، والكلدواشوريين ، والايزيدين
والصابئة ، والعديد من المنظمات النسوية ايضا قدمت انتقادات حول نسب تمثيل
المرأة وتهميشها في الحكومة الحالية .
وبالرغم من اشتراك غالبية القوائم الانتخابية في تشكيل الحكومة الحالية ، الا
ان غياب الوان معينة عن تشكيلة الحكومة ، سيضر بالتاكيد بكمال الوان قوس قزح
لتتحد مختلف الترددات لكل لون مع بعضها لتشكل لونا وطنيا واحدا ساطعا وبهيا .
لا يزال من الممكن معالجة ذلك ، بأكثر من طريقة وشكل وبروح الحكمة والحرص على
مستقبل البلاد . وتفعيل مجلس الوزراء واحد من الاجراءات الاساسية والمهمة امام
الحكومة الحالية لتقترب من روح الكمال ، بحيث يستطيع كل وزير في الحكومة ،
ومهما كان حجم كتلته الانتخابية ان يوصل صوت الناس ومن يمثلهم وفي مختلف الشؤون
السياسية والاجتماعية . بدون ثقة ودعم كل فئات ومكونات الشعب العراقي ، فلن
تستطيع اي حكومة ان تنجز ما وعدت به ، وستبقى الوانها نشازا ، بعيدة تماما عن
امكانية تحقيق الانسجام المطلوب لرسم صورة مشرقة لغد افضل منشود .
سماوة القطب – 25 ايار 2006
