يوسف أبو الفوز
في مأزق "القوري" وأرقام اللوائح الانتخابية !
يوسف أبو الفوز
والقوري ـ يا عزيزي القارئ ـ هي كلمة فارسية ، وهو أبريق الشاي المعروف في كل
بيت عراقي ، وعنه نجد في حياة العراقيين الكثير من الاحاديث والطرائف ، ربما من
اشهرها حديث المزاح بين الاصدقاء ، حين يسخرون من احدهم عندما لا يقدم شيئا
جديدا في حديثه او عمله ، فيمازحوه وينعتوه بـ "مخترع القوري " ، واذ اكتب هذه
السطور أتخيل الابتسامات الودودة على وجوه بعض القراء وهم يقولون :
ـ هيا صديقنا ، افتنا رحمك الله بما تريد ، والا صحنا بك : " يا مخترع القوري "
!
هونوا عليكم يا اصحابي ، فمهما بذلت ـ انا عبد الله الفقير ـ من جهد وفذلكة
كلامية واستعراض عضلات قوى بلاغية ، وحككت اطراف ذقني ، ومقدمة صلعتي ، وحركت
قبعتي الى الامام والخلف ، وبسملت وحوقلت فسوف لن انافس "مخترعين" افذاذ واشاوس
، لم يخترعوا القوري فقط بل و" دخلوا فيه " بأقتدار لا يحسدهم عليه احد .
عن " دخول القوري " لدي حكاية ، لم استطع معرفة كل تفاصيلها رغم محاولتي في
البحث ، اذ من طفولتي ، احمل ذكرى مشوشة من احد اقربائي ، الذي كان يردد اهزوجة
ساخرة لا اعرف مصدرها ، ولم انجح في معرفة كل تفاصيلها ، وهل كانت من اغاني
السجناء ، بحكم كونه كان سجينا سياسيا في عهد البعثيين ايام مجازر 1963 بحق
الشعب العراقي ، او كانت مجرد اهزوجة مزاح اصدقاء و" فش خلق " ؟ الاهزوجة
الساخرة ، التي تردد على لحن راقص طريف تتحدث عن مآزق احدهم ، و ورطته بعد
الفذلكة والادعاء والنفخ ، وتنتهي بهوسة ، كنا ونحن اطفال نردح عليها ، تقول :
" طالب وقع بالقوري " !
وهكذا منذ طفولتي صرت افهم بشكل ما ، ان للقوري ، هذا الوعاء المقدس تأريخيا
عند العراقيين ، علاقة بالمأزق ، بل صار عندي كناية مباشرة عن " الوقوع في مأزق
"، ورحت فيما بعد وعلى مستوى علاقاتي الصداقية ـ على المستوى المحلي طبعا ، ولم
اتجرأ يوما لترجمة ذلك الى اي لغة اجنبية ! ـ ، احاول تسويق وترويج مقولة " وقع
بالقوري " دلالة على الوقوع في مأزق ما .
وطيلة الايام الماضية ، بحثت وسألت بين اقربائي وافراد عائلتي ، ولم نتوصل معا
الى تذكر نص الاهزوجة الكامل ، او معرفة من هو " طالب " المقصود ، هذا الذي وجد
نفسه " وقع في القوري " ، وربما يكون هذا احسن لي ـ ولك عزيزي القارئ ـ ليكون
الاسم مجرد كنية لشخص ما مجهول ، مع الاعتذار بالطبع لكل من يحمل اسم "طالب "
وانا عندي منهم سلسلة طيبة ورائعة من المعارف والاصدقاء .
كل هذه المقدمة ، والقوريّات ـ وليسمح لي الاخوة اللغويين بهذه الصيغة من حالة
الجمع لمفردة القوري ـ تتوارد الى ذهني وانا اقرأ هنا وهناك ـ وارى على
الفضائيات ـ تفسيرات ساذجة يقوم بها البعض ـ ومع سبق الاصرار ـ لارقام لوائحهم
الانتخابية ، ومحاولة اضفاء طابع قدسي عليها لخداع الناس والتغرير بهم ،
واللجوء الى تفسيرات ورؤى وفذلكات لاقناع المواطن البسيط بأطروحاتهم التي
يزينوها بالبسملة والحوقلة ومن غير ذلك من حشو في الكلام . هؤلاء الذين يجدون
انفسهم في مأزق بسبب تزايد نشاط القوى السياسية الاخرى ، التي تنذر استطلاعات
الرأي الاولية بكونها في الانتخابات القادمة ستقوم بكسر الاحتكار لحالة سياسية
معينة عاشها الشعب العراقي ، وخصوصا في الجمعية الوطنية ، وبكون الاخر المنافس
صار يجذب الناس ببرامجه وتعهداته الانتخابية ، فلم يجد هذا البعض وللخروج من
حالة " القوري " ـ اقصد المأزق ـ التي زُج فيها سوى اللجوء الى اساليب خداع
الناس والاستمرار في غسل عقول البسطاء بأقوال واحاديث منسوبة ومصنوعة عن قدسية
ارقام لائحتهم الانتخابية . واذا صح قول هؤلاء عن قدسية الارقام التي تحملها
لائحتهم فاني ـ ولوجه الله تعالى ـ انصح كل اصحاب القوائم الانتخابية ، مهما
كانت ، من اي لون وطائفة وقومية ، بنبش كتب التفسير وكتب السيرة وكتب الاساطير
والاثار وكتب التأريخ والجغرافيا والمعلومات الحياتية ، وان عجزوا يمكن
الاستعانة بكتب الطبخ وتعلم اللغة السنسكريتية في سبعة ايام بدون معلم وربما
موسوعة "الطرق السريعة لتمرير الخديعة "، وهناك سيجدون كل ما يسهل مهمتهم ،
لايضاح وتبيان بان ارقام لائحتهم ، ايضا تحمل رموز واشارات وروح قدسية وهالة من
نور وحكمة ، وقد يمكنهم هذا من رش العمى على بصر الاخرين ، وجمع المزيد من
الاصوات الانتخابية للفوز بمقاعد اكثر في مجلس النواب القادم ، وان لم يقتنعوا
بما اقول ـ لسبب من الاسباب ـ احولهم الى حكاية "طالب الذي وقع بالقوري " ،
ليروا كيف ان "طالب " هذا ، الذي يبدو ان له وجوه عديدة وهيئات مختلفة ، وكل
مرة ، وفي كل عصر وأوان ، يظهر لنا بهيئة ما ، وكيف نجح هذه المرة ودون ان يرف
له جفن وخوف من رب العالمين ، بأن يرسم لارقام لائحته الانتخابية دوائر هالات
قدسية لانه ببساطة يعتقد ان من يسمعونه ، سرحّوا ادمغتهم من زمااااان ، ولا
يملكون سوى تصديقه ، ويتبعونه بدون نقاش وسؤاااال للدخول معه في عاااالم القوري
.
سماوة القطب
