
بعد
استشهادة يوم 25 تشرين أول 2019 ، علمت ان
اسمه في سجل النفوس وهويته الجامعية كان (
مُحارب ) .
حائط من الطابوق يفصل بيتنا عن بيتهم ، نعرف
ما يدور في بيتهم ، ويعرفون ما يدور في بيتنا
.
كان في السادسة من عمره عندما عدتُ الى البصرة
بعد سقوط المقبور .
كَبُرَ كَنون وحين استشهد كان في الثانية
والعشرين ، طالبا في كلية الاقتصاد ، جامعة
البصرة .
والدته ام حسين ، كانت تجمع له ، تدريجياً ،
ما سيحتاجه لاحقاً من مستلزمات النيشان
والزواج المحتمل بعد التخرج .
يوم 25 تشرين وهو يغادر للمشاركة في التظاهرات
، حمل معه كمامة زرقاء اللون من قماش خفيف
لحمايته من قنابل الغاز المسيلة للدموع ،
والمسيلة لكل الجراح والعذابات التي تبحث عن
وطن .
حتى منتصف الليل ، كَنون لم يعد
ذهبت مع جارتها ، بعد منتصف الليل ، تبحث عنه
في مستشفيات البصرة الثلاث ، ولكنها لم تعثر
عليه
كانت تتذكر انه قال لها قبل خروجه مازحاً
ومبتسماً :
راح أروووووح استشهههههد
كانت جثته مع الشهداء الآخرين في الطب العدلي
.
انتظرت ام حسين عودته طوال الليل ، وعند الفجر
أبلغوها انه استشهد
كيف أبلغوكِ ، هل كنت تشعرين بغيابه الأبدي
قبل ابلاغك خبر استشهاده ؟
قال الجواهري يوماً :
سينهض من صميم اليأس جيل عنيد البأس جبار عنيد
يقايض ما يكون بما يُرجى ويعطف ما يراد لما
يريد
لا أعرف لماذا أسموه محارب ؟ ولكني علمتُ ان جدته لأبيه اطلقت عليه كنية كَنون ، لأنه جاء بعد 13 عشر سنة عن آخر اشقائه ، ولأنه آخر العنقود . لم اسمع احد ، في البيت أو في المحلة يناديه بأسمه الرسمي حتى يوم استشهاده .
في لافتة اعلان خبر استشهاده أتضح لي انه سيد من سلالة محمد ، ولكن لا محمد ولا علي ولا احفادهما المميزين ، ومجموعهم اثنى عشر كانوا قادرين على صد المجرم الذي قتل كَنون ، وهو من ملته وطائفته ، وربما كان المجرم سيد أيضاً ، ومن نفس السلالة المحمدية .
قال صديقي هاشم مطر :
طينٌ في طينٍ حبيبي ، عراقُكَ طين ، حظهُ من
طين ، واجزمُ أن قلبَكَ نارٌ ستسجرُ فيها
الطينَ
تأكدْ انكَ تبني وطناً تخمّرَ بدمِكَ ودموعِ
الناسِ وشقاءِ المحرومينَ .
هل كانت لديك حبيبة ؟ من زميلات الجامعة أو من
بنات الجيران ، تتأنق لها عند خروجك من المنزل
، تكتب لها رسائل غرام عبر التلفون ، وترسم
احلاماً مستقبليةً معها .
هل أخبرتها لماذا تشترك في تظاهرات ضد السلطة
وأجهوتها وميليشياتها ، والتي لم تعودوا انت
وزملائك تخافونها ؟
متى سترتوي أرض البصرة والعراق من دماء ابنائه ؟
لتنعم عزيزي كَنون بهدوء الرقدة الأخيرة ،
ولتعلم ان دمائكم لن تضيع ، وهي ثمن النصر
القادم .
سينتصر الوطن ولو طال الزمن ، وسيتعلم شباب
البصرة والعراق من ثمن الاستشهاد درساً قيماً
، درس ان يكون لنا وطن حقاً .
انها انتفاضة الأحرار ضد طغاة أحزاب الاسلام
السياسي ونظام المحاصصة والفساد .
ستنتصرون حتماً ، وسيكون لنا وطن .
29 تشرين اول 2019