مائة عام مرت على تأسيس الجيش العراقي ، وستحتفل المؤسسات الرسمية بالمناسبة ، وسيتم كيل المديح لمساهمات الجيش ، وسيصرفون للإحتفال بالمناسبة الكثير من أموال الموازنة ، التي تعاني من العجز أصلاً ،. يحق لي السؤال : هل جيش الحاكم أم جيش الشعب؟؟
قبل 2003 :
– خارجياً :
لم يحدث اطلاقاً ان دولة مجاورة ، أو غير
مجاورة ، بادرت بالاعتداء على العراق وتصدى
الجيش العراقي لها . فالمشاركات في فلسطين
أعوام 48 ، 67 و73 كانت بمبادرات من حكام
العراق حينذاك ، منطلقين من النفس القومي
الضيق الذي حكمَ عقولهم وايديولوجياتهم ، وفي
كل هذه المشاركات كانت النتائج العسكرية هي
الخسارة الميدانية الواضحة ، رغم تضخيم وتزوير
فكرة الانتصار في حرب 73 ، ورغم استعادة سوريا
لمدينة القنيطرة ومصر لصحراء سيناء ، لكن
إسرائيل استطاعت تأمين حدودها مع الدولتين
ومنذ ذاك التاريخ لم تطير ذبابة واحدة من
الحدود السورية أو المصرية باتجاه إسرائيل
التي تخلصت من أعباء حماية القنيطرة وسيناء .
ومعروف للجميع حروب العراق مع ايران والكويت ،
والتي أراد من خلالهما الوصول الى القدس عبر
عبادان والكويت ، فقد كانت
خارطة جغرافية المنطقة والعالم مقلوبة في ذهن
الدكتاتور المقبور . وكم خسر العراق في تلك
الحربين ، وكان الاحتفال بيوم الجيش عيداً
للدكتاتور حين يقف في ساحة الاحتفالات يحمل
بندقيته التي لم يستعملها عندما ألقي القبض
عليه في جحره .
– داخلياً : اُستُخدم الجيش العراقي كأداة عنف بيد السلطات الحاكمة ضد الشعب ، وكذلك من اجل الوصول الى السلطة واغتصابها ، فبقوة الجيش قُمعت الانتفاضات ضد الحكومات في العهد الملكي ، وبقوة الجيش نفذ الضباط اغتيال العائلة المالكة وتأسيس نظام جمهوري في 1958 ، وكذلك كان الجيش أداة اسقاط جمهورية عبد الكريم قاسم في شباط 1963 ، وقوة الجيش كانت أيضاً في المقدمة لتحقيق تغيير تشرين في 1963 ، وكذلك في المحاولات الانقلابية الفاشلة في عهد عارف ، وأخيراً كانت قوة الجيش أيضاً ذراع انقلابيي تموز 1968 . كان الجيش أيضاً أداة قمع متواصلة ضد الشعب الكردي على طول مراحل نضاله الوطني من اجل حقوقه القومية وفي كل عهود مختلف الأنظمة التي حَكَمَت العراق حتى عام 2003 .
بعد 2003 :
– كان لقرار
الحاكم الامريكي بول بريمر بحل الجيش ، وهو
بالأصل كان بقايا جيش فاقد للقدرات العسكرية
والمعنوية ، آثاره السلبية الكبيرة خاصة بعد
عدم توفير سبل العيش الكريم للضباط وللمنتسبين
الذين فقدوا مصدر معيشتهم ، الأمر الذي دفع
قسم منهم للإنضمام الى الفصائل المسلحة التي
قاومت الاحتلال والنظام الجديد . وجرى إعادة
تشكيل الجيش بطاقات ضباط وقادة من الجيش
السابق نفسه ، وتم صرف موازنات ضخمة جداً الى
وزارة الدفاع ، وبالطبع كان للفساد حصة كبيرة
منها ، وتطورت القدرات البشرية والتقنية ،
ولكن!!
– لم يتمكن الجيش المتواجد على الحدود من منع تسلل الإرهاب والسلاح من جيران العراق من كل الإتجاهات ، وكان عبور قوات داعش واحتلالها ثلث العراق ، هزيمة كبيرة وذات ثمن باهض جداً ، وستستمر آثارها الى زمن طويل ، ولم يتحقق تحرير الموصل وغيرها دون الإرادة الدولية ومساهمة طيران التحالف الدولي .
– شيوع الفساد في أجهزة الدولة إنعكس في وزارة الدفاع بضعف القدرة على مواجهة قوى الارهاب ، رغم مرور ثلاث سنوات على اسقاط داعش ، وكذلك بوجود منتسبين فضائيين باعتراف كبار المسؤولين .
– كان الجيش أداة قمع لتظاهرات شباط السلمية في ساحة التحرير 2011 ، التي كانت مطالبها مشروعة باعتراف القائد العام للقوات المسلحة ، وكذلك لقمع إحتجاجات المواطنين في الأنبار والحويجة لاحقاً ، والمحتجين في المحافظات الجنوبية في السنوات اللاحقة ، والأهم ان الجيش لم يتمكن من حماية متظاهري انتفاضة تشرين 2019 .
في دول الديمقراطيات الحقيقية يكون القائد العام للجيش او رئاسة الأركان أو وزير الدفاع جهات إدارية وتنفيذية لقرارات البرلمان المتعلقة بالعمل العسكري الفعلي ، وليس لمزاج وسياسة واهداف ذاتية يحددها الحاكم ، كما هو في العراق ، حيث لم يسأل البرلمان العراقي عن تفاصيل واشكالات صفقة الأسلحة الروسية أيام المالكي ، والأهم من ذلك لم يسأل البرلمان عن حاجة العراق لطائرات ف 16 الهجومية ، على من يريد العراق الهجوم ؟ الواضح ان رئيس الوزراء حينها كان يخطط لاستعمالها داخلياً .
ارى ان نتذكر ، وبعيداً عن العواطف الوطنية ، ان الجيش العراقي لم يكن جيشاً للشعب ، بل على الدوام كان جيشاً لحاكم العراق ، وسيبقى كذلك الى حين بناء ديمقراطية حقيقية ، لازال طريق الوصول اليها بعيداً ، ولن تأتي قبل سقوط الطائفية والمحاصصة .
اسجل هنا كبير الاحترام والتقدير للضباط والمراتب والجنود الذين كانوا ومازالوا ينتمون الى الجيش العراقي وهم يحملون حُب العراق وشعبه ، فالكثير منهم اعلام في تاريخ الحركة الوطنية العراقية ، القومية منها واليسارية .
5 كانون الثاني 2021