حامد خيري الحيدر *
(موقع الناس)
هنا أتساءل باستغراب أو تعجب عن ماهية تلك العُقدة المحيّرة؟ أعني بها عُقدة التشبث بذلك الوطن الذي فاحت منه رائحة الموت وتملكته أشباح الهلاك، لينثرنا عنه كما يُنثر الغبار عن تحفة قديمة مات أصحابها، أو عن قطعة أثاث عتيقة بالية فقدت رونقها بفعل صخب الحداثة المُزيف، سالباً كل شيء منا حتى انسانيتنا وكرامتنا، بل وحتى شعورنا بأننا أحدى المخلوقات الحية الهائمة بغرائزها على سطح هذا الكوكب الدوار… وعزوفنا بذات الوقت عن مراح غربتنا الفسيحة التي أصبحت كذبة سمجة، ابتدعناها ولم يصدق زيفها أحد سوانا، بعد أن أثبتت مسيرة الايام وتجاربها العقيمة بعدم وجود ما يربطنا بأرضها سوى الحذاء، كما قال فصدق الاديب السوري الراحل (محمد الماغوط)، رغم تطورها المجنون وبهرجة الوانها الساطعة المُبهرة…
هنا أقف عند عبارة واحدة ل(درويش) في كتابه قد تتضمن شيئاً من الاجابة والايضاح عن سؤالنا المحيّر.. (نحن لم نختر هذا الوطن بل هو الذي اختارنا)…. فيا له من اختيار!!! يا ترى هل كان هذا الوطن نعمة وهبت لنا لصفاء قلوبنا، أم نقمة أنزلها القدر علينا ليكشف ما بداخلنا من شرور، فهل كنا نزلاء في ملجأ للأيتام ليتبنانا ذلك الوطن مُنعماً ومُتكرماً علينا بأبوته علينا، مانحاً ايانا أسمه النبيل منّة كحال اللقطاء الباحثين عن نسب يستدل به حتى لو كان وضيع، أم تراه قد أشترانا من أحدى أسواق النخاسة لنكون عبيداً له ما امتدت أعمارنا وطالت على مساحة الدهر.. لكن أياً كان ذلك الاختيار، فأننا بالتأكيد قد دفعنا ثمنه دماً ودمعاً وغصةً مستديمة في القلوب، بعد أن سبقنا بذلك أسلافنا، ثم ليبقى سُبة ولعنة للقادمين من بعدنا… فيا ترى هل سينهض وطننا يوماً من رماده لنكون فخورين بعبوديته؟ أم ترانا سنظل نجتر ذكرياتنا وحسراتنا على ماضٍ ولى وانقضى، هي كل ما تبقى لنا من ذلك الوطن المتهاوي المنشود.
* باحث آثاري
